(كتب على نفسه الرحمة)

(كتب على نفسه الرحمة)
قال الله تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) الأنعام – 54.
الله – سبحانه – هو الذي اختار الرحمة وكتبها على نفسه ولم يفرضها غيره عليه. وقد اختار سبحانه الرحمة لتكون في أفضل آية قرآنية تتكرر وهي البسملة. وذلك ضمن اسمين من الأسماء الحسنى (الرحمن) و(الرحيم).
والفرق بين هذين الاسمين – كما ورد عن أهل البيت- عليهم السلام- أن الرحمة الرحمانية هي الرحمة العامة لجميع الخلائق, والرحمة الرحيمية هي الرحمة الخاصة بالمؤمنين.
مثال الرحمة العامة: تهيئة جميع الأسباب والمقدمات ليصل كل مخلوق إلى هدفه وكماله (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى), ومن رحمته إمهال البشر -حتى الكفار والمشركين- فلا يستعجلهم بالعذاب والحساب.
مثال الرحمة الخاصة: مغفرة الذنوب ودخول الجنة.
قال الله – سبحانه – (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ).
علماً أن هاتين الرحمتين قد تجلتا أيضاً في رسول الله – صلى الله عليه وآله- , إذ قال سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ), وقال أيضاً (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
وهنا سؤال كثير التداول (لماذا خلقنا الله تعالى), القرآن الكريم يجيب بقوله (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ).
ما الهدف من خلق البشر؟ (مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) خلقهم ليرحمهم, ليفيض عليهم من عطائه وجوده وكرمه وقربه.
ولشدة رحمة الله أوجد شتى الأسباب ليغفر الذنوب ويقبل التوبة ويكتب الحسنات ويمحو السيئات, وفي رواية (ليس العجب ممن نجا كيف نجا, وأما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله).
كما أن هناك حيل فقهية للتخلص من المشكلات في المعاملات- مثلاً- هناك حيل شرعية في التعامل مع الله تعالى للنجاة من النار وغير ذلك.
المثال الأول: إذا أردت أن يستجاب دعاؤك فادع لأخيك المؤمن بظهر الغيب, فيستجيب الله تعالى في حقه, ويعطيك مثل ذلك.
المثال الثاني: إذا أردت التوسعة في الرزق وشفاء المريض ودفع البلاء والسلامة في السفر فادفع صدقة.
المثال الثالث: يُسئل الإنسان يوم القيامة فيقال له (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ), ذكر (الكريم) في السؤال هنا له هدف, وهو تلقين الحجة, ليقول العبد (غرني كرمك يا رب) فيغفر له, وهو نفس المعنى الذي ذكره الإمام السجّاد - عليه السلام- في الدعاء (وغرّني سترك المرخى عليّ).
المثال الرابع: روي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : إن آخر عبد يؤمر به إلى النار فيلتفت فيقول الله جلّ جلاله اعجلوه، فإذا أتي به قال له : عبدي لم التفت ؟ فيقول : يا رب ما كان ظني بك هذا. فيقول الله جلّ جلاله عبدي ما كان ظنك بي ؟ فيقول : يا رب كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي وتدخلني جنتك. قال : فيقول الله جلّ جلاّله : ملائكتي وعزتي وجلالي وآلائي وارتفاع مكاني ما ظن بي هذا ساعة من حياته خيراً قط, ولو ظن بي ساعة من حياته خيراً ما روعته بالنار أجيزوا له كذبه وأدخلوه الجنة، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ما ظن عبد بالله خيراً إلا كان له عند ظنه، وما ظن به سوءً إلا كان الله عند ظنه به، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ).
المثال الخامس: من الحيل ليرحمك الله تعالى في الدنيا والآخرة هي أن ترحم أنت الآخرين, وفي الحديث الشريف (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
(الرحمة) من القيم والمبادئ التي حثّ عليها الشارع في كثير من الآيات والروايات, كما يحث عليها العقل والعقلاء أيضاً.
(التراحم) من الدعائم الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع المؤمن, ومن الصفات الراسخة في شخصية المؤمن, ومن أفضل الطرق للوصول إلى رضوان الله.
إذا أردت أن يرحمك الله فارحم الناس.
إذا أردت أن يقضي الله تعالى حاجته فاقض أنت حوائج المؤمنين لتولى الله تعالى قضاء حوائجك في الدنيا والآخرة.
إذا أردت السرور فأدخله في قلوب المؤمنين, ليدخل الله تعالى عليك السرور.
إذا أردت تفريج الكرب ففرّجه عن غيره.
الله عزّ وجلّ يكافئك على معروفك التي تؤديه لعباده, وهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وأخيراً نختم بهذه القصة الجميلة:
كان رجل يسمى النجاشي والياً على الأهواز وفارس, فقال أحدهم لأبي عبد الله (عليه السلام): إن في ديوان النجاشي عليّ خراجاً, وهو مؤمن يدين بطاعتك فإن رأيت أن تكتب لي إليه كتاباً, قال : فكتب إليه أبو عبد الله (عليه السلام) " بسم الله الرحمن الرحيم سر أخاك يسرك الله ".
قال : فلما ورد الكتاب عليه دخل عليه وهو في مجلسه, فلما خلا ناوله الكتاب وقال: هذا كتاب أبي عبد الله (عليه السلام).
 فقبّله ووضعه على عينيه وقال له : ما حاجتك؟
قال: خراج عليّ في ديوانك.
فقال له: وكم هو؟
قال : عشرة آلاف درهم .
 فدعا كاتبه وأمره بأدائها عنه ثم أخرجه منها وأمر أن يثبتها له لقابل, ثم قال له : سررتك ؟
فقال : نعم, جعلت فداك.
 ثم أمر له بمركب وجارية وغلام وأمر له بتخت ثياب في كل ذلك يقول له : هل سررتك؟
 فيقول : نعم جعلت فداك. فكلما قال (نعم) زاده حتى فرغ.
ثم قال له : احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالساً فيه حين دفعت إليّ كتاب مولاي الذي ناولتني فيه وارفع إليّ حوائجك ,ففعل وخرج الرجل,
 فصار إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) بعد ذلك فحدثه الرجل بالحديث على جهته فجعل يسرّ بما فعل ، فقال الرجل : يا ابن رسول الله كأنه قد سرك ما فعل بي ؟ فقال : إي والله لقد سرّ الله ورسوله .

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات