إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ

إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ

قال الله تعالى في حديث عن النبي لوط وقومه

(فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ) الشعراء: 170- 171.

(إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ) الصافات: 134- 135.

نلاحظ في الآيتين المباركتين أنّ القرآن الكريم يصرّح بنجاة لوط وأهله أجمعين، واستثناء شخصية واحدة من أهله، وهي (عجوز) امرأة كبيرة في السن. والغابر -كما قيل- هو الباقي بعد ذهاب من كان معه.

لماذا ركزّ القرآن على استثناء تلك العجوز، ولماذا ذكر جهة كبرها في السن، ولم يعبّر عنها بتعبير آخر، مثل (امرأة لوط) كما جاء في سورة التحريم؟

 

لعل من ضمن الفوائد المستفادة ما يلي:

1. كان زوجها لوط وأهله أجمعين من المؤمنين، ما عداها. ومع ذلك فـصلاح المحيط القريب لم يؤثر فيها، وانساقت واختارت أن تكون مع المجتمع والمحيط الأوسع.

وفي المقابل أيضًا يذكر القرآن الكريم شخصيات، كان يحوطها الفساد والانحراف من كل جهة، ومع ذلك اختارت الصلاح والهداية، وذلك مثل مؤمن آل فرعون.

وفي ذلك حجة علينا، لئلا نجعل (المحيط والمجتمع والظروف) شمّاعة للهروب من المسؤولية والاختيار، ولئلا نعتقد أنّ صلاح الأسرة يكفي لوحده في صلاح الذرية.

 

2. كانت امرأة لوط مؤيدة لفساد وجرائم وفجور قومه، واستمرت على ذلك سنوات طوال، حتى وصلت إلى سن (العجز والشيخوخة)، إذن حتى (طول فترة معاشرتها للصالحين) لم يؤثر في تغيير موقفها.

 

3. على الإنسان العاقل أن يستعد للموت في كل آن، لا سيما إذا بلغ من العمر عتيًا، وكأنّ القرآن الكريم يلومها على استمرارها على المعاصي والذنوب، رغم كبر سنها، ولم ينفعها الشيب الذي ظهر في رأسها لتتذكر الموت والآخرة وتستعد لهما.

 

4. إذا شبّ الإنسان على المعاصي والذنوب، وترسخت جذورها في سنوات الشباب، فمن الصعب جدًا أن يقلع عن ذلك ويتوب في سن الشيخوخة.

 

5. قال الله تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) النجم: 39.

صلاح الزوج والأسرة والعشيرة، كلها لن تنفع الإنسان وتنقذه من غضب الله تعالى، إلا أن يسعى الإنسان لذلك.

إذا كان الإنسان صالحًا، فالله يجزيه خيرًا، وإن كان وحيدًا في قومه.

وإذا كان الإنسان طالحًا، فالله يجزيه بسوء عمله، وإن كان وحيدًا في قومه.

 

وأمّا قول الله عزّ وجلّ (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) التحريم: 10

هنا نجد بصراحة، كيف أنّ القرآن الكريم يركز على الأمور التالي:

أ- العلاقة القريبة بين (امرأة لوط) بحيث كانت تحت عبد صالح، وهو زوجها النبي.

ب- عدم تأثر (امرأة لوط) بصلاح زوجها.

ج- مصيرها من غضب الله تعالى، وأن مجرد النسب لا ينجي الإنسان (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).

 

والله سبحانه هو العالم

28 – ربيع الآخرة- 1442 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات