فلينظر الإنسان إلى طعامه

376 2020-08-19 الحديث
فلينظر الإنسان إلى طعامه

كثيرة هي الآيات التي توّجه الإنسان للتفكير والتأمل في نفسه، وفي الأمور المحيطة به.

ومن ذلك قوله تعالى {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: 5]، {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم: 22]، وكذلك قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلّت: 53]، {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ} [عبس: 24].

 

وعندما ننظر إلى الطعام، علينا أن نلاحظ المحاور التالية:

المحور الأول: الإيقان بعلم الله تعالى وقدرته:

هذا الطعام لم يخلق نفسه، بل خلقه عليم قدير.

انظر إلى هذه الحيوانات المختلفة في البر والبحر (أنعام وطيور وأسماك)، وهذه النباتات والفواكه والخضروات، من الذي خلقها وأبدعها بألوان وأشكال وطعم مختلف، هذه فاكهة الصيف، وتلك فاكهة الشتاء، هذا حلو، وذاك حامض {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12].

أعطى الأسماك الخياشيم لتتنفس تحت الماء، وأنبت الأشجار في أعماق البحار، لتأكل تلك الأسماك وتنمو وتتكاثر، وألهم بعض الأسماك الهجرة من منطقة إلى أخرى لتضع البيوض.

حتى نحصل على هذا الطعام، خلق الله تعالى الأرض والتراب، والشمس والقمر، وجعل الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، وخلق الهواء والضوء، والحاصل: كل هذه الأسباب وغيرها، مضافًا إلى المزارعين والعمّال الذين رعوا هذه المحاصيل لتنمو وتصل إليك.

المحور الثاني: جلب الخيرات والنعم من مشارق الأرض ومغاربها:

قال الله سبحانه: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57].

نحن نجلس على المائدة، هذا التفاح أسباني، والموز تشيلي، والبرتقال مصري، والسمك من الخليج، والرز من باكستان، وووو إلخ.

من الذي هيّأ الظروف والأسباب لجلب هذه الأطعمة من شرق الأرض وغربها، لنجلس نحن على المائدة ونستفيد منها.

 

المحور الثالث: من حلال أو حرام أو شبهة:

قال سبحانه: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ} [الكهف: 19].

من المميزات التي أوصلت أصحاب الكهف لهذه المنزلة، أنهم لا يأكلون أي طعام، بل يبحثون عن (أيها أزكى طعامًا)، فلنعتبر من هذا الدرس.

>روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم : من أحبّ أن يستجاب دعاءه فليطيب مطعمه وكسبه.

وقال صلى الله عليه واله وسلم لمن قال له: أحبّ أن يستجاب دعائي، قال له: طهّر مأكلك، ولا تُدخِل بطنك الحرام< [عدة الداعي ونجاح الساعي: 128].

وروي عنه صلى الله عليه واله وسلم >دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله عزّ وجلّ< [وسائل الشيعة 27: 170].

من ترك أمرًا لله تعالى (مثلاً ترك نظرة محرّمة أو مشكوكة، أو ترك لقمة محرّمة أو مشكوكة) ترك ذلك لله عزّ وجلّ، فقد وقع أجره على الله. والله سبحانه يعوّضه عن ذلك بما هو أفضل وأدوم منه، ربما يمنّ عليه بالصحة والعافية، أو البركة في الذرية والمال، أو طول العمر في خير، أو يدخر له ذلك في الآخرة، ويجزيه بالثواب الخالد.

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام >إياك والوقوع في الشبهات والولوع بالشهوات، فإنّهما يقودانك إلى الوقوع في الحرام، وارتكاب كثير من الآثام< [عيون الحكم والمواعظ: 99].

المحور الرابع: عدم الإسراف أو التبذير:

قال الله سبحانه {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141].

وللأسف ما زلنا نرمي بكميات كبيرة من الطعام في القمامة!!!

ولعل البعض يرسل تلك الكميات الكبيرة والمتنوعة من الأغذية إلى الحيوانات، وهو يعتقد بأنّه تخلّص من مشكلة الإسراف، فأصبحنا نطعم الحيوانات طعامًا لا يجده كثير من البشر!!

وتزداد حالة الإسراف عندما نكون في (بوفية مفتوح) فنملأ الصحن بكميات كبيرة جدًا، ويصبح الصحن كالجبل، ثم نأكل لقيمات معدودة، ونرمي بالباقي إلى القمامة، وهذا كفران بالنعمة، ومن أسباب غلاء الأسعار، وسلب النعمة.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام  >أَحْسِنُوا جِوَارَ نِعَمِ‏ اللَّهِ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْكُمْ إِلَى غَيْرِكُمْ، أَمَا إِنَّهَا لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ أَحَدٍ قَطُّ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ. قَالَعليه السلام وَكَانَ عَلِيٌّ عليه السلام يَقُولُ: قَلَّ مَا أَدْبَرَ شَيْ‏ءٌ فَأَقْبَلَ< [الكافي 4: 38].

 

المحور الخامس: الطعام والشراب وسيلة وليسا غاية:

الطعام والشراب نتقوى بهما على عبادة الله تعالى وطاعته، وإعمار الأرض بالخير، وإصلاح المجتمع. كما بلذة الطعام الحلال والشراب الطيب، نخفف عن أنفسنا مرارة الحياة القاسية، ونحمد الله على نعمه وألطافه. إلا أنّ بعض الناس جعل دأبه التفكير في بطنه وطعامه، وشغله الشاغل التنقل من مطعم إلى كافي شوب إلى بوفية إلى محل العصيرات.

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام >من كانت همّته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منه< [عيون الحكم والمواعظ: 436].

وروي عنه عليه السلام >فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها< [نهج البلاغة 3: 72].

 

المحور السادس: شكر النعمة:

عدم التأفف والتذمر.

من الشكر التقوي بهذه النعمة على طاعة الله عزّ وجلّ.

 

المحور السابع: مواساة الفقراء والمساكين:

قال الله سبحانه {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17].

 

المحور الثامن: تذكر مظلومية أهل البيت عليهم السلام:

>عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِذَا اسْتَسْقَى الْمَاءَ فَلَمَّا شَرِبَهُ‏ رَأَيْتُهُ قَدِ اسْتَعْبَرَ وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِدُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا دَاوُدُ- لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَ الْحُسَيْنِ‏ عليه السلام، وَمَا مِنْ عَبْدٍ شَرِبَ‏ الْمَاءَ فَذَكَرَ الْحُسَيْنَ‏ عليه السلام وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَلَعَنَ قَاتِلَهُ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِئَةَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَحَطَّ عَنْهُ مِئَةَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ مِئَةَ أَلْفِ دَرَجَةٍ، وَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ مِئَةَ أَلْفِ نَسَمَةٍ، وَحَشَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلِجَ الْفُؤَاد< [الكافي 6: 391].

>بَكَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَى أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَمَا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامٌ‏ إِلَّا بَكَى عَلَى الْحُسَيْن،ِ حَتَّى قَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، إِنِّي لَمْ أَذْكُرْ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ لِذَلِكَ< [كامل الزيارات: 107].

 

 

وما توفيقي إلا بالله سبحانه

25- محرّم الحرام- 1441 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات