وقفة مع الحديث النبوي (حبب إليّ من الدنيا)

157 2020-05-02 الحديث
وقفة مع الحديث النبوي (حبب إليّ من الدنيا)

من الأحاديث النبوية المشهورة بين الناس (حبب إليّ من الدنيا)، ونحن نقف مع هذا الحديث الشريف في عدة نقاط:

 

النقطة الأولى: مصادر وصيغ الحديث:

نقل الشيخ الصدوق هذا الحديث بسندين في كتاب الخصال 1: 165

1- (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ والطِّيبُ‏، وقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ).

وفي بعض النسخ جاءت كلمة (من الدنيا ثلاث... إلخ).

2- (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ).

 

وروى الشيخ الطبرسي في مكارم الأخلاق :34 (وَكَانَ (صلّى الله عليه وآله) يَقُولُ جَعَلَ اللَّهُ لَذَّتِي فِي النِّسَاءِ والطِّيبِ، وجَعَلَ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ والصَّوْمِ).

 

وروى الشيخ الطوسي في الأمالي : 528 (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) جَعَلَ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ وحَبَّبَهَا إِلَيَّ كَمَا حَبَّبَ إِلَى الْجَائِعِ الطَّعَامَ، وإِلَى الظَّمْآنِ الْمَاءَ، فَإِنَّ الْجَائِعَ إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ شَبِعَ، وإِذَا شَرِبَ الْمَاءَ رَوِيَ، وأَنَا لَا أَشْبَعُ مِنَ الصَّلَاةِ. يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) بَعَثَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالرَّهْبَانِيَّةِ، وبُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وحُبِّبَتْ إِلَيَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ‏، وجُعِلَتْ فِي الصَّلَاةِ قُرَّةُ عَيْنِي).

 

وهو أيضًا من الروايات المشهورة عند أهل السنة، وقد رواه النسائي (3939).

وصححه الحاكم (2 / 174) ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/15) و(11 / 345).

 

النقطة الثانية:

اختلاف صياغة الحديث ربما يكون بسبب نقل الراوي للحديث بالمعنى، وربما يكون بسبب صدور الحديث عن رسول الله عدة مرات بصيغ مختلفة، لا سيما قول الشيخ الطبرسي (وكان (صلّى الله عليه وآله يقول) فهذه العبارة تدل على تكرر صدور ذلك الحديث من رسول الله في أوقات مختلفة.

 

النقطة الثالثة:

لم يثبت وجود كلمة (ثلاثة) في الحديث الشريف. والأقرب أنها اشتباه من الراوي أو الناسخ للحديث. لا سيما أنّ (الصلاة) ليست من الدنيا، بل هي من الآخرة.

فالرواية فيها قسمان:

القسم الأول: إخبار بتحبيب النساء والطيب من الدنيا.

والقسم الثاني: إخبار بأنّ قرّة العين هي الصلاة.

وليس فيها أخبار بأنّ الصلاة من الدنيا المحببة.

 

النقطة الرابعة:

ورد في بعض النصوص السابقة (الدنيا) وفي بعضها (دنياكم) فلماذا جاءت (دنياكم)؟

الجواب: إشارة إلى أنّ الدنيا الذي يتنافس عليها أبناء الدنيا، ويلهثون وراءها، من أموال وقصور وملابس ومناصب وغيرها، هذه الدنيا التي تلهثون وراءها، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) معرض عنها، زاهد فيها، وإنما حبب إليها منها شيئان فقط.

 

النقطة الخامسة:

لماذا جاء الفعل بصيغة المفعول أو المجهول (حُبب) ولم يقل (أحبّ)؟

ولماذا صار التحبيب لهذا الأمرين (النساء والطيب)؟

قوله «حبّب» إشارة الى أنّ جبلّته (صلّى الله عليه وآله) مجبولة على حبّ أمور الآخرة دون الدنيا. ولكن اللّه تعالى حبب إليه هذين الشيئين لكثرة ما يترتّب عليهما من المنافع والخيرات.

لعل من ضمن الأسباب لذلك، الاستعانة بهذين الأمرين في رفع قيمة الصلاة وأثرها، ولذا ورد في الروايات عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):

(لَرَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا مُتَزَوِّجٌ‏ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ عَزَبٍ يَقُومُ لَيْلَهُ وَيَصُومُ نَهَارَه)،‏ [من لا يحضره الفقيه 3: 384].

(رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا مُتَعَطِّرٌ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً يُصَلِّيهَا غَيْرُ مُتَعَطِّرٍ)، [مفتاح الفلاح: 302].

وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) : قَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله): قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَدَعَ الطِّيبَ وَأَشْيَاءَ ذَكَرَهَا.

 فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله): لَا تَدَعِ‏ الطِّيبَ‏، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَنْشِقُ رِيحَ الطِّيبِ مِنَ الْمُؤْمِنِ، فَلَا تَدَعِ الطِّيبَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) [الكافي 6: 511].

 

والله سبحانه هو العالم

21- محرّم الحرام- 1441 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات