وقفة مع الحديث (أكثر منافقي أمتي قرّاؤها)

40 2020-05-02 الحديث
وقفة مع الحديث (أكثر منافقي أمتي قرّاؤها)

السؤال:

ما رأيكم بالحديث (أكثر منافقي أمتي قرّاؤها)؟

 

الجواب:

حتى يتضح الأمر نحتاج إلى بيان عدة محاور:

 

المحور الأول: استعراض بعض المصادر التي نقلت ذلك:

أما الشيعة، فقد نقلوا ذلك في (مصباح الشريعة: 58)، ومنه أخذ (بحار الأنوار 89: 181) و(مستدرك الوسائل 4: 252).

وأما أهل السنة فقد رووا هذا الحديث في مصادر كثيرة، نكتفي بذكر بعضها:

(رواه أحمد بن حنبل في مسنده 2: 157) و(البخاري في التاريخ الكبير 1: 258)، وقالوا (وصحّحه أحمد شاكر، والألباني في السلسلة الصحيحة، وشعيب الأرنؤوط).

 

المحور الثاني: في معنى الحديث:

(أ) الحديث الشريف يكشف حقيقة واقعية، إذ كان بعض المنافقين يتظاهرون بحفظ وتلاوة القرآن الكريم، ليخفوا ما يضمرون في قلوبهم من كفر، ثم يقومون بحرف وتفسير القرآن عن معانيه الإلهية إلى مقاصد فاسدة. إذن أولئك كانوا ولا يزالون يتظاهرون بالقرآن لتمرير ما لديهم من آراء وأفكار فاسدة.

المنافقون على مرّ التاريخ، كانوا يتظاهرون بالصلاح والعلم والمحافظة على القرآن الكريم، وأمثال لذلك، ليحصلوا على هالة قدسية، ومن خلالها يقومون بالتآمر ضد الإسلام وأهله.

 

(ب) ربما يسيء بعض المسلمين استغلال القرآن الكريم، للحصول على مكانة اجتماعية واحترام بين الناس، بحيث لا يكون الهدف من خدمة القرآن هو الله تعالى، بل يكون الهدف هو الدنيا، فهو يظهر التقرب إلى الله، ويضمر التقرّب إلى المصالح الدنيوية، لذا أطلق عليه (منافق) رغم اعتقاده بالشهادتين.

 

(ج) يذكر الشيخ الطبرسي في [الاحتجاج 2: 18] أنّ أشدّ الناس في كذب واختلاق الأحاديث كانوا هم القرّاء المراؤون المتصنعون، الذين يظهرون الخشوع والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث، يصيبون بذلك الأموال والقطايع والمنازل.

 

المحور الثالث: أحاديث في ذمّ فئة من القرّاء:

1- روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ربّ تالٍ للقرآن، والقرآن يلعنه [جامع الأخبار: 48].

2- روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): تعوّذوا بالله من جبّ الحزن. قالوا: يا رسول الله وما جبّ الحزن؟ قال: وادٍ في جهنم يتعوّذ منه جهنم كل يوم مئة مرة. قيل: يا رسول الله، ومن يدخله؟ قال: القراؤون المراؤون بأعمالهم [سنن الترمذي 4: 21].

3- روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): عليكم بالقرآن فتعلّموه، فإنّ من الناس من يتعلم القرآن ليقال فلان قارئ، ومنهم من يتعلّمه فيطلب به الصوت فيقال فلان حسن الصوت، وليس في ذلك خير. ومنهم من يتعلّمه فيقوم به في ليله ونهاره لا يبالي من علم ذلك ومن لم يعلّمه) [الكافي 2: 609].

 

المحور الرابع: بعض الروايات المادحة للقرّاء:

 1- (وَاعْلَمْ أَنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ عَلَى عَدَدِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُقَالُ‏ لِقَارِئِ‏ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْقَ، فَلا يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْه)‏ [من لا يحضره الفقيه 2: 628].

2- (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة) [الكافي 2: 606].

 

النتيجة:

(العلم والعلماء) لها مميزات، وفيها مخاطر ومزالق.

(العبادة والعبّاد) لها مميزات، وفيها أيضًا مخاطر ومزالق.

(حمل القرآن الكريم، والقرّاء) لها مميزات، وفيها كذلك مخاطر ومزالق.

 

فالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة في الوقت ذاته الذي تشجع الإنسان وتحثه على العلم والعبادة وحمل القرآن الكريم، أيضًا تحذره من المزالق، وتحذرنا ممن يسيء استغلال هذه الأمور في إضلال الناس، وفي الوصول إلى مآربه الشخصية أو الشيطانية، لئلا ننخدع بهم، وتنطلي علينا مظاهرهم.

 

وأخيرًا: قال الشاعر:

يا قـارئ القرآن لا تركن إلى ** مدح العباد ومنطق التمجيد

وأقـم من الإخلاص قصرًا شامخًا ** يدني على عينيك كل بعيد

كم قـارئ في الناس يحمد ذكره ** ويكون عند الله غير حميد

 

والحمد لله ربّ العالمين

12- صفر الخير – 1441 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات