التفقه في الدين

20 2020-05-02 المجتمع
التفقه في الدين

وردت النصوص الشرعية الكثيرة في فضل العلم والعلماء والمتعلمين، وفي فضل التفقه في الدين. وينبغي على المؤمن العاقل أن يتأمّل في تلك النصوص، ويعرض نفسه عليها، ليرى أين موقعه في محور (التفقه في الدين) وما هي المراحل التي طواها في هذا المضمار، وما هي الخطة والبرامج الذي أعدّها للشهور والسنوات القادمة.

 

قارن بين درجة اهتمامك بالعلوم الدنيوية، ودرجة اهتمامك بالعلوم الدينية؟ لك ولأفراد عائلتك

 

 

حسنًا، فأنت توقظ الأطفال من الصباح الباكر، ليذهبوا المدرسة، ويبقوا هناك إلى بعد الظهر، ومن ثم يأتي وقت حلّ التمارين والمذاكرة، وربما تقوم بالمذاكرة لهم أو تستعين بأستاذ خصوصي. وتصرف المال الكثير في شراء اللوازم المدرسية، وأمثال ذلك.

أما الاستعداد للامتحانات الشهرية والنهائية فذلك شأن آخر، وكذا المنافسة في امتحان القدرات والتحصيلي وغيرها.

كل ذلك حسن، ولكن ماذا فعلت من جهود واهتمام لتعليمهم (الدين).

هل يمكن أن توقظ ابنك في الساعة السادسة صباحًا ليذهب إلى درس في العقيدة؟

هل يمكن أن تدفع المال لدرس خصوصي لابنك، لتعليم الوضوء والصلاة الصحيحة؟!

هل تدفع المال لشراء الكتب الدينية كما تدفع لشراء قرطاسية المدرسة؟!

هل يمكن أن تخبرنا بالمقارنة بين هذين المجالين في سُلّم اهتمامك ورعايتك؟!

 

 

وبعبارة أخرى:

كما يلاحظ الإنسان ويهتم بالتخطيط لدراسته الأكاديمية، وبالتخطيط لزيادة رصيده المالي، فعلى الأقل ليكن اهتمامه بجانب (التعلّم والفقه الديني) بنفس المستوى.

 

1. قال الله سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}([1]). وقال عزّ وجلّ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}([2]).

تقريب الفكرة (ولله المثل الأعلى):

كما نسعى للحصول على شهادة، ومن خلال الشهادة نحصل على ترقية ودرجة أعلى في العمل، فكذلك عندما نحصل على مستوى أعلى من العلم والإيمان، فإنّ الله تعالى يرفعنا درجات.

تلك الدرجات التي تبقى بلا نهاية، ولها قيمة حقيقية عظيمة لا نتصورها نحن في الحياة الدنيا؛ لنحصل عليها نحن بحاجة إلى الإيمان والعلم. ما العلوم التي يرفعنا الله بها درجات؟ هي علوم رسول الله وأهل البيت q. وهذا يحوي علم العقيدة، ومعارف القرآن الكريم، والفقه، والأخلاق الإسلامية، وغيرها.

2. روي عن الإمام الصادقo: >عَلَيْكُمْ بِالتَّفَقُّهِ فِي دِينِ اللَّهِ، ولا تَكُونُوا أَعْرَابًا، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللَّهِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلاً<([3]).

وأي خسارة عظيمة وفاجعة تلك، حيث يُحرَم الإنسان من نظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ويفتقد الرحمة والعناية الخاصة، ولا يزكي الله عمله، فأي حرمان أكبر من ذلك؟! ولعل السبب في ذلك أنّ الإعراض عن التفقه في دين الله، إنما ينبع من عدم اهتمام الإنسان بدين الله، وعدم شعوره بأهميته، وعدم التعظيم له. فإذا كان الانسان مستخفًا بدين الله تعالى، فمن الطبيعي أن يلقى (في المقابل) الاستخفاف من الله سبحانه.

3. من هنا نفهم الرواية عن الإمام الصادقo: >إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ< ([4]).

إذا أراد الله أن يرفع مقام عبدٍ، وأن يقرّبه إليه، وأن يعطيه الدرجات العالية، ويكون محلاً لعناية الله ونظره في يوم القيامة؛ فقّهه في الدين.

إرادة الله تعالى بعبد خيرًا، يؤدي إلى زيادة توفيق ذلك العبد بالاهتمام والشغف بالدين تعلمًا وفهمًا وتطبيقًا، فإذا قام بذلك حصل على مقام أعلى عند الله تعالى. فإذا رأيت نفسك معرضًا، فراجع نفسك، وغيّر ما بنفسك حتى يغيّر الله ما بك.

4. روي عن الإمام الصادقo: >لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي‏ ضُرِبَتْ رُؤُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا<([5]).

هذا الحديث يعكس مدى خطورة الأمر، لا سيما وأنّ الضرب بالسياط مؤلم، فكيف إذا كان الضرب بالسياط على الرؤوس. هذه دلالة واضحة على أهمية التفقه في الدين، حتى ولو كان الضرب بالسياط هو الطريق لتطويع النفس عليها.

5. روي عن الإمام الصادقo: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ رَجُلٌ عَرَفَ هَذَا الأَمْرَ لَزِمَ بَيْتَهُ، ولَمْ يَتَعَرَّفْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ إِخوَانِهِ. فَقَالَo: >كَيْفَ يَتَفَقَّهُ هَذَا فِي دِينِهِ؟!<([6]).

إذن لا يكفي أن يكون الإنسان شيعيًا، ثم يعتزل إخوانه المؤمنين. لأنّه إذا اعتزل المؤمنين، ولم يخالطهم في المسجد، وفي الحسينية والموكب، وفي بيوت المؤمنين ومناسباتهم، وما شابه ذلك، فكيف يتسنى له التفقه في الدين وهو منعزل؟!!

6. روي عن الإمام الصادقo: >قَالَ رَسُولُ اللَّهِO:‏ أُفٍّ لِرَجُلٍ لا يُفَرِّغُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لأَمْرِ دِينِهِ فَيَتَعَاهَدُهُ، ويَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ‏<. وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى‏ >لِكُلِّ مُسْلِمٍ<([7]).

هذا الحديث يحث على التفرّغ لأمر الدين في يوم الجمعة من كل أسبوع، بحيث يسأل عن دينه ويتعاهده. فإذا كان الإنسان مشغولاً طيلة ستة أيام من الأسبوع، فلا أقل ليعطِ ربّه ودينه يوم الجمعة، بحيث يتفرّغ فيه لشؤون الدين.

إذا كان لا يتلو شيئًا من القرآن الكريم طوال الأسبوع، فلا أقل ليتلو ولو جزءًا واحدًا في يوم الجمعة.

إذا كان لا يحضر في المسجد طوال الأسبوع، فلا أقل يحافظ على الصلاة في المسجد يوم الجمعة.

إذا كان لا يستمع لمحاضرة أو درس أو موعظة طوال الأسبوع، فلا أقل ليفرّغ نفسه لذلك يوم الجمعة، وهكذا.

وروي عن الإمام الصادقo: >قَالَ رَسُولُ اللَّهِ O:‏ أُفٍّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ لا يَجْعَلُ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ يَوْماً يَتَفَقَّهُ‏ فِيهِ أَمْرَ دِينِهِ، ويَسْأَلُ عَنْ دِينِه<([8]).

هذا النص يختلف عن سابقه، بأنّ المطلوب هو تفريغ النفس (في كل أسبوع يومًا) بغض النظر عن تحديد ذلك اليوم. فإذا كان (يوم العمل) حاليًا هو (ثمان ساعات) فلا أقل لنخصص (ثمان ساعات) من كل أسبوع للتفقه في الدين.

 

طرق مقترحة للتعلّم والتفقه

الطريق الأول: حضور الدورات الدينية:

الحضور في الدرس له أثر كبير في وضوح الفكرة، والتفاعل معها، وترسيخها. ويمكن أن تكون الدورات قصيرة المدى، لا تتعدى أيامًا قليلة.

وهنا أذكر النقاط التالية:

أ- اشترك في حسابات المراكز الدينية، لتصلك إعلاناتهم، وتعرف أماكن وأوقات إقامة الدورات.

ب- إذا أقيمت دورة مفيدة، فاغتنم الفرصة، ورتّب وقتك قدر الإمكان، لتشترك بالحضور وتستفيد. فما لم تنظم وقتك، وتؤخر بعض الأعمال غير الضرورية لن تجد الوقت الكافي لحضور الدرس.

وبعبارة أخرى: لا تتوقع أن يكون وقت الدرس أو الدورة في أوقات فراغك، لأنك غالبًا مشغول ومرتبط بأعمال هنا أو هناك. إذن الصحيح (إعادة ترتيب الأولويات).

ج- أنصح الشباب باجتماع عدد منهم، والمبادرة إلى طلب الدرس أو الدورة التي يحتاجونها من المراكز الدينية أو من الأساتذة الأكفاء.

ومعنى ذلك: لا تنتظر الإعلان عن الدرس، بل قم أنت بطلب الدرس. فالطلب والإصرار والجدية، (لا سيما إذا كان الطلب من مجموعة) يسهل استجابة الأستاذ أو المركز.

د- أقترح على مجالس العوائل، إقامة دورات أو دروس مختصرة لأفراد عائلتهم، لا سيما إذا كانت العائلة فيها أساتذة في هذا المجال.

مثلاً: إقامة جلستين أو ثلاث، لأحكام العمرة المفردة قبل دخول شهر رجب.

ويدعى لتلك الجلسة أفراد العائلة، ويكون الأستاذ أحد أفراد العائلة.

بهذه الخطوة ندعم صلة الرحم، وندعم التفقه في الدين.

وهكذا إقامة ثلاث جلسات في (أحكام الصيام) قبل دخول شهر رمضان المبارك.

أو إقامة دورة لفتيات العائلة، مختصة ببيان الأحكام الخاصة بالنساء، ويقدّم الدورة فاضلة من بنات العائلة ذاتها.

الطريق الثاني: منصات (التعليم المفتوح) أو (التعليم عن بُعد):

وقد بدأت بعض الحوزات والمدارس الدينية في هذا النمط من التعليم، حيث يتابع الطالب دراسته عن طريق النت، ويقوم بالواجبات والأنشطة المقررة، ويؤدي الامتحانات والاختبارات النهائية لكل مادة.

الطريق الثالث: مشاهدة أو استماع الدروس والبرامج المسجلّة:

هناك الكثير جدًا من الدروس والبرامج المفيدة، والتي تم تسجيلها وحفظها، ويمكن الحصول عليها من خلال القنوات الفضائية، أو يوتيوب، أو سانكلاود، أو قنوات تيليجرام، أو غيرها.

الطريق الرابع: القراءة:

للأسف الشديد، فقد باتت القراءة المفيدة ضعيفة في أوساط مجتمعنا، علمًا أنّ القراءة من أهم وسائل التعلّم والثقافة. ويمكنك الاستفادة من الكتب الورقية، أو الكتب الاكترونية. وقد أصبح بمقدورك الحصول على آلاف الكتب الاكترونية المفيدة المجانية، سواءً كانت بصيغة PDF، أو غيرها.

لو أحسنّا الاستفادة من أجهزتنا الذكية لأمكننا الوصول إلى الكثير من الفوائد الجليلة والعظيمة، إلا أنّ الكثير من الناس يستفيد من الجهاز الذكي للقيام بأعمال سخيفة أو غبية!!

الطريق الخامس: حضور مجالس العلماء:

وقد جاء في دعاء الإمام زين العابدين o>أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني<.

الحضور في (مجلس العالم) له العديد من الفوائد الجليلة والعظيمة، ولا يشترط أن يكون ذلك العالم مرجعًا في التقليد أو عارفًا كبيرًا، بل يكفي الحضور في مجلس من هو أعلم منك بمراحل، لأنه بالنسبة لك يعتبر (عالمًا) وإن كان هو بالنسبة لمن هو فوقه يعتبر (تلميذًا وطالبًا).

الطريق السادس: الحرص على استماع الكلمات والمواعظ في المسجد:

من الأخطاء الرائجة الهروب من المسجد بمجرد أن يفرغ إمام الجماعة من التسليم. والصحيح أن يستفيد الإنسان من التعقيب، والموعظة، والتوجيه، والكلمة أو الخطبة {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}([9]).

الطريق السابع: الحرص على الحضور تحت المنابر الثرية علميًا:

في المنابر الأسبوعية، أو المناسبات الحزينة أو السعيدة، احرص على اختيار المنبر الثري علميًا، والذي يغذيك بما تحتاجه من روح وعاطفة ومعنويات ومعلومات صافية، من معدن صافٍ.

 

والله ولي التوفيق

17 – ربيع الأول- 1441 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

([1]) الزمر: 9.

([2]) المجادلة: 11.

([3]) الكافي 1: 31.

([4]) الكافي 1: 32.

([5]) الكافي 1: 31.

([6]) الكافي 1: 31

([7]) الكافي 1: 40.

([8]) المحاسن 1: 225.

([9]) الجمعة: 11.

مقالات ذات صلة

تعلیقات