الاستعمالات القرآنية للكلمات في معاني معينة

17 2020-05-02 التفسير
الاستعمالات القرآنية للكلمات في معاني معينة

نشهد في الآونة الأخيرة بعض المقالات التي تتناول (استعمال القرآن الكريم لكلمة ما في معنى معين) حيث يقوم كاتب المقال بما يلي:

1- يستعرض الآيات القرآنية التي استعملت تلك الكلمة، ويسلط الضوء عليها.

2- يستنتج أحد أمرين:

إما أن يدّعي الكاتب بأن استعمال تلك الكلمة في معنى آخر، هو استعمال خاطئ في اللغة العربية، لأنه استعمال لم يرد في القرآن الكريم.

وإما أن يتمادى أكثر من ذلك، فيزعم أنّ الاستعمال الخاطئ (كما يراه) يؤدي إلى نتائج ربما تكون وخيمة على الإنسان.

 

وفي الواقع أن تلك المقالات في كثير من الأحيان:

1. استقراء ناقص للآيات القرآنية، حيث يغفل الكاتب عن آيات قرآنية أخرى لم يذكرها في مقاله، وبالتالي يكون بحثه ناقصًا غير تام، فيقع في أخطاء وهفوات كبيرة.

 

2. (المعاني للكلمات) تختلف من لغة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، ومن مجتمع إلى مجتمع، وهكذا.

فربّ لفظ معين له (معنى محبوب في بلد)، ولذلك اللفظ نفسه (معنى قبيح ومكروه في بلد آخر).

والله سبحانه وتعالى ينظر إلى المعاني والقصود ولا ينظر إلى الألفاظ المجردة فقط.

مثلاً:

افرض أن لفظة (نار) في لغة أعجمية معناها (الخير).

وقام أحد البشر الناطقين بتلك اللغة، ودعا الله تعالى بأن ينزل عليه (نار).

فهل سينزل عليه الله عزّ وجلّ (الخير) وهو المعنى الذي قصده الداعي بحسب لغته؟ أو سينزل عليه العذاب، باعتبار أن كلمة (نار) في القرآن الكريم استعملت كثيرًا جدًا في العذاب؟!!

من الواضح لكل عاقل أنّ الله تعالى ينظر إلى المعنى المقصود للداعي، ولا ينظر إلى معنى ذلك اللفظ في اللغة العربية الأصيلة أو في القرآن الكريم.

 

3. القرآن الكريم هو مستوى إعجازي من اللغة العربية، فهو في أعلى المراتب بحيث لا تصله قدرة البشر. وهذا يعني أن اللغة العربية لها استعمالات أخرى صحيحة، وإن لم تكن قد وردت في القرآن الكريم.

وبعبارة أخرى:

عدم وجود كلمة في القرآن الكريم لا يدل على أنها ليست عربية.

أو عدم استعمال كلمة في معنى معين ضمن الآيات القرآنية، هذا لا يدل على أنها لا تستعمل في ذلك المعنى لدى العرب.

 

 

وحتى تتضح الفكرة أكثر، إليك بعض الأمثلة لتلك المقالات، مع نقد سريع لها:

 

في المقال الأول:

قال صاحب المقال (أطلق الله سبحانه وتعالى لفظ (الزّوجة) على الحالات التي تكون فيها المرأة على توافقٍ مع زوجها من ناحية الدّين والعقيدة، أو من ناحية التّوافق النّفسي، بينما جاء لفظ (المرأة) في القرآن الكريم ليدل على جنس المرأة والأنثى عمومًا، وكذلك أطلق هذا اللّفظ على الزّوجة التي انقطعت صلتها بزوجها من ناحية العقيدة أو التّوافق النفسي، أو لعدم وجود الذّريّة).

ثم استعرض مجموعة من الآيات القرآنية.

والتعليق السريع على ذلك:

قال الله تعالى (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا).

رغم وجود مشكلة بين النبي وأزواجه في سورة التحريم، إلا أنه أطلق عليهن (أزواجه) علمًا أنه (صلّى الله عليه وآله) لم ينجب إلا من السيدة خديجة ومن مارية القبطية.

 

في المقال الثاني:

قام صاحب المقال باستعراض الآيات القرآنية التي استعملت كلمة (مطر) كقوله تعالى (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) فوصل إلى نتيجة بأن (المطر) لا يكون إلا للنقمة والعذاب، ويحذر من الدعاء بنزول المطر، خوفًا من نزول العذاب علينا بسبب طلب نزول المطر، والصحيح أن نطلب نزول الغيث.

 

والتعليق السريع على ذلك:

1. قد عرفت أنّ الله تعالى ينظر إلى المعنى الذي قصده الداعي، ولا ينظر إلى المعنى اللغوي الأصيل للكلمة أو للاستعمال القرآني لتلك الكلمة.

فمن دعا الله تعالى لينزل عليه المطر، لن ينزل الله عليه العذاب، بسبب أن كلمة (المطر) تستعمل في القرآن للعذاب.

 

2. ورد في العديد من الأحاديث والأدعية كلمة (المطر) لمطر الخير والرحمة.

 

المثال الثالث:

يستعرض فيه الكاتب كلمة (مثوى) في القرآن الكريم في العديد من الآيات، كقوله تعالى (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) ويصل من خلال تلك الآيات إلى أن كلمة (المثوى) لم تستعمل في القرآن إلا في النار والعذاب.

ولذلك يحذر الناس من عبارة (انتقل فلان إلى مثواه الأخير) باعتبار أن المعنى (بنظره) أن فلان قد انتقل إلى النار وبئس المصير.

 

والتعليق السريع على ذلك:

1. قال الله تعالى (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ).

2. هذا مضافًا للعديد من الأحاديث الوارد فيها ذلك، مثل (وما كرم عبدٌ على الله إلا جعل الجنة مثواه)، وكذلك (ِإلهِي بِكَ عَلَيْكَ إِلاّ أَلْحَقْتَنِي بِمَحَلِّ أَهْلِ طاعَتِكَ وَالمَثْوى الصَّالِحِ مِنْ مَرْضاتِك).

 

والحاصل:

أمثال هذه المقالات إنما هي استخفاف بالعلوم والمعارف القرآنية، وتسطيح لها.

نحن بحاجة إلى الدراسات الجادة، التي تستلهم الدروس والعبر، والقيم والمبادئ، والمعارف الحقة، التي يستنير بها القارئ، ويهتدي بنورها، ليخرج من الظلمات إلى النور.

 

ومن المؤسف له قلة الاهتمام بهذا الجانب، مقارنة بالاهتمام بالجانب التجويدي للقرآن الكريم، مما أتاح الفرصة للجهال بأن يخبطوا خبط عشواء، ومهّد الأرضية لتلقي الناس تلك المقالات السطحية أو السخيفة حيث قلتّ البحوث المفيدة التي تنشر بين الناس.

 

والحق أن تلك البحوث المفيدة موجودة في بطون الكتب، ولكنها بحاجة إلى من يهتمّ بها من حيث التحصيل والتدريس والنشر والإعلام.

 

وما توفيقي إلا بالله تعالى

7- شهر رمضان المبارك- 1440 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات