خصائص البيت الفاطمي من خلال سورة الإنسان

خصائص البيت الفاطمي من خلال سورة الإنسان
تعرّض القرآن الكريم في سورة الإنسان المباركة إلى قصة وفاء أهل البيت – عليهم السلام- بالنذر – وتصدّقهم في اليوم الأول بطعامهم على المسكين,  وفي اليوم الثاني على اليتيم, وفي اليوم الثالث على الأسير.
ويمكن أن نستلهم من السورة المباركة بعض الصفات الهامة, وذلك لنطبقها على حياتنا الفردية والعائلية:
الخاصية الأولى: العبودية لله تعالى, لا للأنا, ولا للدنيا, ولا للأهواء والشهوات, قال الله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً) إذن فالصفة الأساس, والتي تختصر بقية الصفات العظيمة والمهمة, أنهم عباد الله, وتحقيق العبودية لله تعالى وحده هو الغاية من بعثة الأنبياء والمرسلين.
عباد الله تعالى هم الذين يطيعون الله في كل صغيرة وكبيرة, ويمتثلون أوامره ونواهيه, ويكون الله تعالى أحبّ إليهم من كل شيء, ويحبون الله عزّ وجلّ ويشتاقون للقائه ورضاه.
الخاصية الثانية: الخوف من الله تعالى, ومن الوقوف بين يديه في يوم القيامة والحساب, وقد تكررت هذه الخاصية في آيتين (وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) وفي قوله تعالى (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً).
الإيمان بيوم المعاد والحساب, يعتبر من أصول العقيدة والدين الإسلامي, ومن ينكر يوم المعاد فهو ليس بمسلم, ومن يؤمن بيوم المعاد والقيامة فعليه أن يستعدّ لذلك اليوم, وللوقوف بين يدي الله عزّ وجلّ.
كثير من الناس يؤمنون بيوم القيامة على المستوى النظري, ولكنهم لا يراعون ذلك في أعمالهم وتصرفاتهم. والسبب في ذلك أن قلوبهم لم تؤمن وتصدّق بيوم القيامة بدرجة قوية وواضحة.
توضيح الفكرة: إذا تيقن العاقل بوجود امتحان ومحاسبة في دراسته أو وظيفته, فإنه يستعد لذلك بدرجة قوية, فيسهر الطالب في مراجعة دروسه ليستطيع الإجابة على أسئلة الامتحان, وكذلك يجدّ العامل في وظيفته ويتقن أعماله, لأنه يدرك وجود من يحاسبه ويراقبه, فكيف إذا كان الرقيب هو العليم الخبير, الذي لا يفوته صغير ولا كبير, لا سيما وأن ذلك الحساب يتوقف عليه الخلود في الجنة  والنعيم المقيم أو الخلود في النار وبئس المصير.
والحاصل: نسبة كبيرة من مشاكلنا التي نعانيها ترجع إلى عدم إيماننا بالدرجة المطلوبة بيوم القيامة, والوقوف للحساب بين الله سبحانه.
الخاصية الثالثة: إطعام الطعام على حبّ الله تعالى بالرغم من حاجتهم الماسة لذلك الطعام. وقد أولت الشريعة المقدسة أهمية واضحة لإطعام الطعام, لا سيما إذا كان للفقراء والمساكين والأيتام وأمثالها. وقد شرعت العديد من القوانين في الشريعة المقدسة لخدمة هذه الفئات الكادحة, وبعض ذلك القوانين على مستوى الوجوب والإلزام كوجوب الزكاة مثلاً, والبعض الآخر من القوانين على مستوى الاستحباب كما هو الحال في استحباب الصدقة مثلاً.
الخاصية الرابعة: عدم انتظار الجزاء أو الشكر من المخلوقين. فالعامل لله تعالى يريد بعمله وجه الله سبحانه, أو يريد الثواب والأجر من الله تعالى, ولذا فهو  لا يبحث ولا ينتظر الأجر والثواب من العباد, بل ولا يريد منهم كلمة (شكرًا).
ولذلك يجب أن نبحث في حقيقة نياتنا وأهدافنا, فإذا وجدنا أن قلوبنا تريد المدح والثناء والإطراء من البشر, بحيث نفرح بذلك, ونحزن إذا لم نجد ذلك من الناس, فلنعلم عندئذ أن النية ليست خالصة لله تعالى, بل ما زلنا نعمل من أجل الحصول على رضا الناس .
الخاصية الخامسة: الاستمرار والثبات على تلك المبادئ, لذا نجد أن شدة الجوع, وصغر سن الحسنين لم تثنِ أهل البيت – عليهم السلام- عن الاستمرار في الطريق الحق والتضحية والفداء.
وهذه من العقبات التي تواجه المؤمنين و العاملين في سبيل الله, فعنصر الاستمرار والثبات من أهمّ الأمور. فمشوار الإيمان طويل, وإلى اللحظة الأخيرة من الحياة. لا يكفي أن تصلي أو تصوم يوم  أو شهر أو سنة, بل يجب أن توطن النفس على الاستمرار في هذا النهج إلى آخر لحظات العمر.
الخاصية السادسة: وجود الجو العائلي المتناغم في سبيل نفس الأهداف, فنجد هذا التعاون في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى, فيجب على الوالدين رعاية الجو الإيماني في الأسرة بحيث تكون الأسرة بجميع أفرادها في طليعة المؤمنين.
جاءت التعاليم الإسلامية في الحثّ على أن نقي أنفسنا وأهلينا نارًا وقودها الناس والحجارة, وكذلك أن نأمرنا أهلنا بالصلاة ونصطبر عليها. إذن فالمسؤولية الأولى أن نهذّب أنفسنا ونربيها, والمسؤولية الثانية أن نهذّب عائلتنا وأهلينا, وذلك يحتل رتبة أولى وأسبق من الاهتمام بالأشخاص البعيدين عنا. وكما نعلّم : فإن العائلة إذا كان كامل أفرادها أو أكثرهم من المؤمنين الصالحين فهذا يشكل أرضية أكبر ليستقيم الإنسان نفسه وتكون طاقته المعنوية والإيمانية مضاعفة, وبالتالي يعضد بعضهم بعضًا في سبيل زيادة التقوى والتعاهد عليه.
الخاصية السابعة: الصبر, لا شك أن التصدق بالطعام الوحيد والإفطار على الماء فقط, مع صيام اليوم التالي, كل ذلك يحتاج إلى صبر قوي. وأين نحن من هذا الصبر؟!!!
وكما نعلّم فإن منزلة الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, فمن لا صبر فلا إيمان له. فالمواظبة على الطاعات بحاجة إلى صبر, وكذلك المواظبة على ترك المحرمات, وأخيرًا: الصبر على المصائب والبلايا.
الخاصية الثامنة: إخفاء العمل الصالح عن الآخرين, فأهل البيت لم يظهروا قصة تصدّقهم أمام الناس, وهذا مما يعزز روح الإخلاص في القلوب, فما دام العمل لله تعالى فلا حاجة لإعلانه أمام الناس. وقد ورد الحث على صدقة السرّ, وأنها تطفئ غضب الربّ.
الخاصية التاسعة: تطبيق المبادئ والقيم على النفس والعائلة, قبل طرحها على الآخرين ومطالبتهم بتطبيقها, فأهل البيت – عليهم السلام- لم يأمرونا بخير إلا وقد سبقونا إليه.
والله ولي التوفيق.
5/ رجب الأصب / 1436 هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات