المنهج القويم في العلاقة بكتاب الله الحكيم

844 2015-06-09 الفرد
المنهج القويم في العلاقة بكتاب الله الحكيم
قال الله سبحانه (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة : 2].
يختلف الناس في علاقتهم بالقرآن الكريم إلى عدة مناهج, ونحن هنا نكتفي بذكر أربعة مناهج:
المنهج الأول: منهج الإهمال:
أصحاب هذا المنهج قطعوا علاقتهم بالقرآن الكريم على مستوى التلاوة فضلاً عن غيره. وحجتهم في ذلك أن المهم هو العمل بالقرآن وليس مجرد تلاوته.
والجواب على ذلك: لا يمكن أن يكون الإنسان عاملًا بالقرآن الكريم وتعاليمه بدون أن يرتبط بتلاوته. فالقراءة الصحيحة والتلاوة المستمرة هي أول مستويات العلاقة والارتباط, وبدونها لا يمكن أن نصل لدرجة التطبيق والتنفيذ.
 
المنهج الثاني: منهج إضاعة الوقت:
أصحاب هذا المنهج يعطون الأهمية لأمور لا تنفع من علم بها, ولا تضر من جهلها, فهم يمضون الوقت ويصرفون الجهود في أمور كالتالي:
أ- ما هي الكلمة التي تقع في منتصف القرآن الكريم؟
ب- ما هي أطول كلمة في القرآن الكريم؟
ج- الصفحة رقم كذا, تبدأ بأي آية؟
د- الآية الفلانية تقع على يمين المصحف أو يساره؟
هـ - ما أسماء الحيوانات المذكورة في القرآن؟
و - كم مرة تكررت ذكر كلمة (الجنة والنار) في القرآن؟
ز- كم عدد كلمات القرآن الكريم؟
ولا أعلم ما هي الفائدة في الدين أو الدنيا أو الآخرة لهذه المعلومات نفسها حتى نشغل أنفسنا والناس بالبحث عنها وحفظها؟؟!!
نعم, بعض هذه المعلومات تفيد فئة من الناس في حدود أو مجالات معينة.
مثلاً: معرفة الآية التي تبدأ بها الصفحة, هذا ينفع من يحفظ القرآن الكريم وفق رسم (عثمان طه) مثلاً, ولكنه ليس من صميم المعرفة القرآنية, ولذا يمكن أن نكتب المصحف بحيث تكون الأسطر في الصفحة الواحدة أكثر أو أقل, مما سيؤدي إلى اختلاف مكان تواجد الآيات, واختلاف الآيات التي تبدأ بها الصفحات.
 
المنهج الثالث: منهج الخوارج:
أصحاب هذا المنهج يبذلون الجهود الكبيرة في تلاوة القرآن الكريم وحفظه, ولكن مع إيقاف العقول عن التأمل والتدبّر والتفكير ومحاولة فهم القرآن الكريم وفق الأسس الإسلامية الصحيحة.
ولذلك فهم يستحلون قتل الأبرياء والنساء والأطفال, وينتهكون الحرمات, كل ذلك باسم القرآن الكريم.
وروي عن رسول الله –صلّى الله عليه وآله (...فإنه سيجيئ من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم, قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم) الكافي 2 : 614.
ويجب أن نلاحظ في هذا الحديث قوله (وقلوب من يعجبه شأنهم), فمن يعجبه هذا المنهج في التعامل مع القرآن, بحيث لا يجوز التراقي, فقلبه هو أيضًا مقلوب.
وروي عن رسول الله -صلّى الله عليه وآله- : (ربّ تال للقرآن، والقرآن يلعنه). مستدرك الوسائل 4: 249.
وروي عن رسول الله -صلّى الله عليه وآله- : ( ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا : بلى يا رسول الله، قال : من لم يقنط الناس من رحمة الله، ومن لم يؤمنهم مكر الله، ومن لم يرخص لهم في معاصي الله، ومن لم يدع القرآن رغبة إلى غيره، لأنه لا خير في علم لا تفهم فيه، ولا عبادة لا تفقه فيها، ولا قراءة لا تدبر فيها) مستدرك الوسائل 4: 241.
 
المنهج الرابع: منهج أهل البيت – عليهم السلام- :
أهل البيت – عليهم السلام- هم القرآن الناطق, ومع ذلك فقد كانوا يكثرون من تلاوة القرآن الكريم, وفي بعض الروايات أن الإمام المعصوم يختم القرآن كل ثلاثة أيام, وكان الإمام زين العابدين يقرأ القرآن فربما مرّ به المار فصعق من حسن صوته (انظر: الكافي 2 : 615).
ولكن هذه القراءة لها خصائص يجب توفيرها, ولذا نجد الدعاء المروي عن الإمام الصادق – عليه السلام- عند قراءة القرآن (...اللهم فاجعل نظري فيه عبادة وقراءتي فيه فكرًا وفكري اعتبارًا، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قراءتي كتابك على قلبي، ولا على سمعي, ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها, بل اجعلني أتدبر آياته وأحكامه آخذًا بشرائع دينك, ولا تجعل نظري فيه غفلة, ولا قراءتي منه هذرًا, إنك أنت الرؤوف الرحيم ...) الاختصاص: 141.
 
ولنأت بمثالين:
المثال الأول:
علينا أن نتعلم عدم الوقف على قوله تعالى (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ) بل نوصلها بقوله (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ).
ولكن مجرد تعلّم ذلك ليس هو الغاية والنهاية.
وليس مجرد تلاوة الآيات بطريقة صحيحة هو كل الهدف.
بل الهدف أن نسعى ونحقق بجدية هذا الأمر, بحيث لا نكون نحن من الذين هم عن صلاتهم ساهون.
صحة التلاوة مهمة, وتكرار التلاوة مهمة, والأهم من كل ذلك هو تطبيق ذلك في الخارج.
 
المثال الثاني:

(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : 46]
صحة تلاوة الآية الكريمة أمر مهم, وتكرار التلاوة واستماعها مهم, وفيه الأجر والثواب, والأهم من كل ذلك أن نطبّق ذلك في سيرتنا وسلوكنا وحياتنا الواقعية.
 
وما توفيقي إلا بالله تعالى
23 / جمادى الأولى / 1436 هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات