(ثلاثة نفر) تعبير عربي فصيح

(ثلاثة نفر) تعبير عربي فصيح
اطلع بعض الأحبة على حديث جاء فيه عبارة (ثلاثة نفر) فأشكل الأمر عليهم, وتخيلوا أن هذا التعبير خاطئ, ونحن في هذه المقال نكشف النقاب عن بعض الأمور اللغوية التي قد تغيب أو تخفى.
أولاً: كلمة (نفر) تارة تكون فعلاً, وتارة تكون اسمًا, ويجب التفريق بينهما.
ثانيًا: وردت كلمة (نفر) فعلاً في قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة : 122].
ومن هذا المعنى الاشتقاقات (النفور, والنفرة, ومستنفر, واستنفار, .... ).
ثالثاً: وردت كلمة (نفر) اسمًا في قوله تعالى (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً) [الجن : 1].
لاحظوا أيها الأحبة أن كلمة (نفر) هنا اسم وليست فعلاً, وذلك بدليل وقوعه فاعلاً للفعل استمع, ولذلك تم تنوين كلمة (نفر) علمًا أن التنوين من علامات الأسماء.
من جهة أخرى, كلمة (نفر) لا تعني (واحد) بل تعني مجموعة, وذلك بدليل (فقالوا إنا سمعنا) فهم مجموعة إذن. أرجو التدقيق أن القرآن الكريم لم يقل (استمع أنفار) بل قال (استمع نفر) مع أنهم مجموعة.
قال الجوهري (والنفر بالتحريك: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. والنفير مثله، وكذلك النفر والنفرة بالإسكان. قال الفراء: نفرة الرجل ونفره ، أي رهطه) الصحاح 2 : 833 .
رابعًا: كلمة (رهط) وكلمة (نفر) مترادفان أو متشابهان:
قال ابن منظور(والنفر، بالتحريك، والرهط: ما دون العشرة من الرجال، ومنهم من خصص فقال للرجال دون النساء، والجمع أنفار. قال أبو العباس: النفر والقوم والرهط هؤلاء معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم ....) لسان العرب 5 : 225.
وقال أبو هلال العسكري (الفرق بين النفر والرهط: أن النفر الجماعة نحو العشرة من الرجال خاصة ينفرون لقتال وما أشبهه، ومنه قوله عزّ وجلّ " مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض " ثم كثر ذلك حتى سموا نفرًا وإن لم ينفروا. والرهط الجماعة نحو العشرة يرجعون إلى أب واحد وسموا رهطا بقطعة أو لم يقطع أطرافها مثل الشرك فتكون فروعها شتى وأصلها واحد تلبسها الجارية يقال لها رهط والجمع رهاط) الفروق اللغوية : 547 .
خامسًا: في باب الأعداد, أن العدد ثلاثة إلى التسعة, يضاف العدد إلى ((جمع))
فنقول مثلاً:
ثلاثة أقلام, وخمسة دفاتر, وسبع ورقات.
الآن نأتي للسؤال:
هل نقول (ثلاثة نفر) أو نقول (ثلاثة أنفار) ؟
الجواب:
إذا كان المعنى المقصود: مجموعة واحدة مكونة من ثلاثة أشخاص, فتقول عندئذ (ثلاثة نفر).
وإذا كان المعنى المقصود: ثلاثة مجموعات, وكل مجموعة مكونة من أفراد ما بين الثلاثة والعشرة, عندئذ تقول (ثلاثة أنفار).
لاحظ قوله تعالى (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [النمل : 48].
المعنى أنهم كانوا مجموعة واحدة مكونة من تسعة أشخاص.
ولو قيل (تسعة أرهاط) لكان معناه تسعة مجموعات.
قال أبو هلال العسكري (وتقول ثلاثة رهط وثلاثة نفر لأنه اسم لجماعة) الفروق اللغوية : 548.
وأخيرًا: جاء هذا التعبير (ثلاثة نفر) في روايات عديدة عند الشيعة والسنة, والمقصود بها كما تقدّم (مجموعة واحدة مكونة من ثلاثة) ونحن نكتفي هنا بنقل حديثين فقط:
الحديث الأول:
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السماوات الفردوس وجنة عدن وطوبى [ و ] شجرة تخرج من جنة عدن، غرسها ربنا بيده. (الكافي 2 : 200 )
الحديث الثاني:
 أنّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر, فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وذهب واحد, قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم [وآله]  فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها, وأما الآخر فجلس خلفهم, وأما الثالث فأدبر ذاهبًا. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة, أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله, وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه, وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه (صحيح البخاري 1: 24).

مقالات ذات صلة

تعلیقات