قصة في البحث عن الحب والكنز

601 2015-06-09 الفرد
قصة في البحث عن الحب والكنز

قال العلامة المجلسي- رحمه الله- :
وجدت في بعض الكتب أن عيسى -عليه السلام- كان مع بعض الحواريين في بعض سياحته، فمرّوا على بلد، فلما قربوا منه وجدوا كنزًا على الطريق، فقال من معه: ائذن لنا يا روح الله أن نقيم ههنا ونحوز هذا الكنز لئلا يضيع.
 فقال -عليه السلام- لهم: أقيموا ههنا وأنا أدخل البلد ولي فيه كنز أطلبه.
فلما دخل البلد وجال فيه رأى دارا خربة فدخلها فوجد فيها عجوزة، فقال لها : أنا ضيفك في هذه الليلة، وهل في هذه الدار أحد غيرك؟
قالت: نعم لي ابن مات أبوه وبقي يتيمًا في حجري، وهو يذهب إلى الصحارى ويجمع الشوك ويأتي البلد فيبيعها ويأتيني بثمنها نتعيش به.
فهيأت لعيسى -عليه السلام- بيتًا، فلما جاء ولدها قالت له: بعث الله لنا في هذه الليلة ضيفًا صالحًا ، يسطع من جبينه أنوار الزهد والصلاح، فاغتنم خدمته وصحبته، فدخل الابن على عيسى عليه السلام وخدمه وأكرمه فلما كان في بعض الليل سأل عيسى -عليه السلام- الغلام عن حاله ومعيشته وغيرها، فتفرس -عليه السلام- فيه آثار العقل والفطانة والاستعداد للترقي على مدارج الكمال، لكن وجد فيه أن قلبه مشغول بهم عظيم، فقال له: يا غلام أرى قلبك مشغولا بهمّ لا يبرح فأخبرني به لعله يكون عندي دواء دائك.
فلما بالغ عيسى -عليه السلام- قال : نعم في قلبي همّ وداء لا يقدر على دوائه أحد إلا الله تعالى،.
فقال: أخبرني به لعل الله يلهمني ما يزيله عنك.
فقال الغلام: إني كنت يومًا أحمل الشوك إلى البلد فمررت بقصر ابنة الملك فنظرت إلى القصر فوقع نظري عليها فدخل حبها شغاف قلبي وهو يزداد كل يوم ولا أرى لذلك دواء إلا الموت.
فقال عيسى -عليه السلام-: إن كنت تريدها أنا أحتال لك حتى تتزوجها، فجاء الغلام إلى أمه وأخبرها بقوله، فقالت أمه: يا ولدي إني لا أظن هذا الرجل يعد بشيء لا يمكنه الوفاء به، فاسمع له وأطعه في كل ما يقول.
فلما أصبحوا قال عيسى -عليه السلام- للغلام : اذهب إلى باب الملك، فإذا أتى خواص الملك ووزراؤه ليدخلوا عليه قل لهم: أبلغوا الملك عني أني جئته خاطبًا كريمته، ثم ائتني وأخبرني بما جرى بينك وبين الملك.
فأتى الغلام باب الملك، فلما قال ذلك لخاصة الملك ضحكوا وتعجبوا من قوله ودخلوا على الملك وأخبروه بما قال الغلام مستهزئين به، فاستحضره الملك، فلما دخل على الملك وخطب ابنته قال الملك مستهزئًا به: أنا لا أعطيك ابنتي إلا أن تأتيني من اللآلي واليواقيت والجواهر الكبار كذا وكذا، ووصف له ما لا يوجد في خزانة ملك من ملوك الدنيا.
فقال الغلام: أنا أذهب وآتيك بجواب هذا الكلام.
فرجع إلى عيسى -عليه السلام- فأخبره بما جرى، فذهب به عيسى -عليه السلام- إلى خربة كانت فيها أحجار ومدر كبار، فدعا الله تعالى فصيّرها كلها من جنس ما طلب الملك وأحسن منها، فقال : يا غلام خذ منها ما تريد واذهب به إلى الملك، فلما أتى الملك بها تحير الملك وأهل مجلسه في أمره، وقالوا لا يكفينا هذا، فرجع إلى عيسى عليه السلام فأخبره، فقال: اذهب إلى الخربة وخذ منها ما تريد واذهب بها إليهم، فلما رجع بأضعاف ما أتى به أولاً زادت حيرتهم، وقال الملك: إن لهذا شأنًا غريبًا، فخلا بالغلام واستخبره عن الحال، فأخبره بكل ما جرى بينه وبين عيسى -عليه السلام- وما كان من عشقه لابنته، فعلم الملك أن الضيف هو عيسى -عليه السلام- ، فقال: قل لضيفك: يأتيني ويزوّجك ابنتي.
فحضر عيسى -عليه السلام- وزوّجها منه، وبعث الملك ثيابًا فاخرة إلى الغلام فألبسها إياه وجمع بينه وبين ابنته تلك الليلة، فلما أصبح طلب الغلام وكلمّه فوجده عاقلا فهمًا ذكيًا ولم يكن للملك ولد غير هذه الابنة فجعل الغلام ولي عهده ووارث ملكه، وأمر خواصه وأعيان مملكته ببيعته وطاعته.
فلما كانت الليلة الثانية مات الملك فجأة وأجلسوا الغلام على سرير الملك وأطاعوه وسلموا إليه خزائنه، فأتاه عيسى -عليه السلام- في اليوم الثالث ليودعه، فقال الغلام: أيها الحكيم إن لك عليّ حقوقًا لا أقوم بشكر واحد منها لو بقيت أبد الدهر، ولكن عرض في قلبي البارحة أمر لو لم تجبني عنه لا أنتفع بشيء مما حصلتها لي.
فقال: وما هو؟
قال الغلام: إنك إذا قدرت على أن تنقلني من تلك الحالة الخسيسة إلى تلك الدرجة الرفيعة في يومين فلم لا تفعل هذا بنفسك، وأراك في تلك الثياب وفي هذه الحالة؟
فلما أحفى في السؤال قال له عيسى -عليه السلام-: إن العالم بالله وبدار كرامته وثوابه والبصير بفناء الدنيا وخستها ودناءتها لا يرغب إلى هذا الملك الزائل وهذه الأمور الفانية، وإن لنا في قربه تعالى ومعرفته ومحبته لذات روحانية لا نعد تلك اللذات الفانية عندها شيئًا، فلما أخبره بعيوب الدنيا وآفاتها ونعيم الآخرة ودرجاتها قال له الغلام: فلي عليك حجة أخرى لم اخترت لنفسك ما هو أولى وأحرى وأوقعتني في هذه البلية الكبرى؟
فقال له عيسى -عليه السلام-: إنما اخترت لك ذلك لأمتحنك في عقلك وذكائك، وليكون لك الثواب في ترك هذه الأمور الميسرة لك أكثر وأوفى، وتكون حجة على غيرك.
فترك الغلام الملك، و لبس أثوابه البالية، وتبع عيسى -عليه السلام- فلما رجع عيسى إلى الحواريين قال: هذا كنزي الذي كنت أظنه في هذا البلد فوجدته. والحمد لله.
المصدر: بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 14 - ص 280 – 282

27 / رمضان المبارك / 1434
في جوار وضيافة كريمة أهل البيت – عليهم السلام-

مقالات ذات صلة

تعلیقات