قصة يونس (ع) وبطن الحوت

قصة يونس (ع) وبطن الحوت

تحية طيبة ..
أيها الأحبة !! من الجميل والمفيد أن نستعرض القصص القرآنية ونحاول فهم جوانبها قدر الإمكان, وبالتالي نسعى للاستفادة من هذه القصص في واقعنا وسيرتنا, وهذه محاولة لكشف بعض جوانب قصة نبي الله يونس – عليه السلام-
المقال في خمسة محاور:

المحور الأول: استعراض الآيات القرآنية في قصة نبي الله يونس.
المحور الثاني: استعراض الأحاديث المشهورة في بيان القصة.
المحور الثالث: بيان رأي بعض العلماء في بعض مفاصل القصة.
المحور الرابع: روايات أخرى في بيان سبب القصة.
المحور الخامس: التأمل في الروايات الأخيرة.
المحور الأول: استعراض الآيات القرآنية في قصة نبي الله يونس:

قال الله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [87] فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ [88]) سورة الأنبياء.
وقال سبحانه (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [140] فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ [141] فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [142] فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ [143] لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [144] فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ [145]) سورة الصافات.
وقال عزّ وجلّ (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ [48] لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ [49] فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [50]) سورة القلم.
المحور الثاني: استعراض الأحاديث المشهورة في بيان القصة:
عيون أخبار الرضا (ع) - الشيخ الصدوق - ج 2 - ص 179
 فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) فقال الرضا عليه السلام: ذاك يونس بن متى عليه السلام ذهب مغاضبًا لقومه فظن بمعنى استيقن (أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) أي لن نضيق رزقه, ومنه قوله عزّ وجلّ : (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) أو ضيق وقتر (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) أي ظلمه الليل وظلمه البحر وظلمه بطن الحوت (أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت, فاستجاب الله وله وقال عزّ وجلّ: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) فقال المأمون : لله درك أبا الحسن عليه السلام.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 14 - ص 380 فما بعدها
2 - تفسير علي بن إبراهيم : أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : ما ردّ الله العذاب إلا عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام فيأبون ذلك، فهمّ أن يدعو عليهم وكان فيهم رجلان: عابد وعالم، وكان اسم أحدهما مليخا، والآخر اسمه روبيل، فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول: لا تدع عليهم فإنّ الله يستجيب لك، ولا يحبّ هلاك عباده، فقبل قول العابد ولم يقبل من العالم فدعا عليهم، فأوحى الله إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد، وبقي العالم فيها، فلما كان في ذلك اليوم نزل العذاب، فقال العالم لهم: يا قوم افزعوا إلى الله فلعله يرحمكم ويردّ العذاب عنكم.
فقالوا: كيف نصنع ؟
قال: اجتمعوا وأخرجوا إلى المفازة وفرقوا بين النساء و الأولاد، وبين الإبل وأولادها، وبين البقر وأولادها، وبين الغنم وأولادها، ثم ابكوا وادعوا، فذهبوا وفعلوا ذلك وضجوا وبكوا فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب, وفرّق العذاب على الجبال, وقد كان نزل وقرب منهم، فأقبل يونس ينظر كيف أهلكهم الله, فرأى الزارعون يزرعون في أرضهم، قال لهم: ما فعل قوم يونس؟
فقالوا له - ولم يعرفوه -: إن يونس دعا عليهم فاستجاب الله له ونزل العذاب عليهم فاجتمعوا وبكوا فدعوا فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم, وفرّق العذاب على الجبال، فهم إذا يطلبون يونس ليؤمنوا به، فغضب يونس ومرّ على وجهه مغاضبًا به كما حكى الله، حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت, وأرادوا أن يدفعوها فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه، فلما توسطوا البحر بعث الله حوتًا عظيمًا فحبس عليهم السفينة من قدامها، فنظر إليه يونس ففزع منه وصار إلى مؤخر السفينة فدار إليه الحوت وفتح فاه, فخرج أهل السفينة فقالوا: فينا عاص, فتساهموا فخرج سهم يونس، وهو قول الله عزّ وجلّ : " فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ" فأخرجوه فألقوه في البحر فالتقمه الحوت ومر به في الماء......
فلما رأى يونس ذلك نادى في الظلمات: " أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" فاستجاب الله له وأمر الحوت فلفظه على ساحل البحر وقد ذهب جلده ولحمه، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهي الدباء، فأظلته من الشمس فسكن، ثم أمر الله الشجرة فتنحت عنه ووقعت الشمس عليه، فجزع فأوحى الله إليه: يا يونس لم ترحم مائة ألف أو يزيدون وأنت تجزع من ألم ساعة؟
فقال: يا رب عفوك عفوك، فردّ الله بدنه ورجع إلى قومه وآمنوا به ، وهو قوله: " فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ " فقالوا :  ........ ثم قذفه فألقاه بالساحل، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، فكان يمصه ويستظل به بورقه، وكان تساقط شعره ورق جلده، وكان يونس عليه السلام يسبّح ويذكر الله الليل والنهار، فلمّا أن قوي واشتد بعث الله دودة فأكلت أسفل القرع فذبلت القرعة ثم يبست، فشق ذلك على يونس فظل حزينًا فأوحى الله إليه: مالك حزينًا يا يونس؟
قال: يا رب هذه الشجرة التي تنفعني سلطت عليها دودة فيبست.
 قال: يا يونس أحزنت لشجرة لم تزرعها ولم تسقها ولم تعن بها إن يبست حين استغنيت عنها، ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف؟ أردت أن ينزل عليهم العذاب؟ إن أهل نينوى قد آمنوا واتقوا فارجع إليهم...... .

وفي بعض الروايات أن يونس بقي في قومه 33 سنة يدعوهم, ولم يستجب منهم إلا رجلان, فدعا على قومه. انظر: بحار الأنوار 14 : 392.

روي عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: وهو رافع يده إلى السماء : " رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا، لا أقل من ذلك ولا أكثر" قال: فما كان بأسرع من أن تحدر الدموع من جوانب لحيته، ثم أقبل عليّ فقال: يا ابن أبي يعفور إن يونس بن متى وكلّه الله عزّ وجلّ إلى نفسه أقل من طرفة عين فأحدث ذلك الذنب. قلت: فبلغ به كفرا - أصلحك الله - ؟ قال: لا ولكن الموت على تلك الحال هلاك.
الكافي 2 :581

كما روي عن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أم سلمة النبي صلّى الله عليه وآله يقول في دعائه: " اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا " فسألته في ذلك، فقال صلّى الله عليه وآله: يا أم سلمة وما يؤمنني، وإنما وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين فكان منه ما كان.
بحار الأنوار 14: 384.
المحور الثالث: بيان رأي بعض العلماء في بعض مفاصل القصة:
تفسير قوله تعالى (أن لن نقدر عليه) أي لن نضيّق عليه في الرزق والقدر.
ويشهد لذلك الآيات القرآنية:
(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ....) [الطلاق : 7]
(اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ .... ) [الرعد : 26]
(وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) [الفجر : 16]
والتضييق الذي قدّره الله عليه, هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت.

تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي 10 : 99:
 ثم قال للنبي ( ص ): (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) في إبلاغ الرسالة، وترك مقابلتهم بالقبيح. وقيل: اللام تجري مجرى إلى، والمعنى: اصبر إلى أن يحكم الله بنصر أوليائك، وقهر أعدائك. وقيل: معناه فاصبر لحكم الله في التخلية بين الظالم والمظلوم، حتى يبلغ الكتاب أجله (وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ) يعني يونس أي لا تكن مثله في استعجال عقاب قومه، وإهلاكهم، ولا تخرج من بين قومك من قبل أن يأذن لك الله كما خرج هو (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) أي دعا ربه في جوف الحوت، وهو محبوس عن التصرف في الأمور والذي نادى به قوله: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين) وقيل: مكظوم أي مختنق بالغم إذ لم يجد لغيظه شفاء (لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ) أي لولا أن أدركته رحمة من ربه بإجابة دعائه، وتخليصه من بطن الحوت، وتبقيته فيه حيًا، وإخراجه منه حيًا (لَنُبِذَ) أي طرح (بِالْعَرَاء) أي الفضاء (وَهُوَ مَذْمُومٌ) ملوم مليم قد أتى بما يلام عليه، ولكن الله تعالى تداركه بنعمة من عنده، فطرح بالعراء، وهو غير مذموم (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ) أي اختاره الله نبيًا (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي من جملة المطيعين لله، التاركين لمعاصيه.

تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج 6 - ص 286 - 287
كان عليه السلام - على ما يقصه القرآن - قد سأل ربه أن ينزل على قومه العذاب فأجابه إلى ذلك فأخبرهم به فلما أشرف عليهم العذاب بالنزول تابوا إلى ربهم فرفع عنهم العذاب، ولما شاهد يونس ذلك ترك قومه، وذهب لوجهه حتى ركب السفينة فاعترضها حوت فساهمهم في أن يدفعوا الحوت بإلقاء رجل منهم إليه ليلتقمه وينصرف عن الباقين، فخرجت القرعة باسمه فألقي في البحر فالتقمه الحوت, فكان يسبح الله في بطنه إلى أن أمره الله أن يلقيه إلى ساحل البحر، ولم يكن ذلك إلا تأديبًا إلهيًا يؤدّب به أنبياءه على حسب ما يقتضيه مختلف أحوالهم، وقد قال تعالى : " فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " (الصافات : 144) فكان حاله في تركه العود إلى قومه وذهابه لوجهه يمثل حال عبد أنكر على ربه بعض عمله فغضب عليه فأبق منه وترك خدمته وما هو وظيفة عبوديته فلم يرتض الله له ذلك فأدّبه فابتلاه وقبض عليه في سجن لا يقدر فيه أن يتوسع قدر أنملة في ظلمات بعضها فوق بعض فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. ولم يكن ذلك كله إلا لان يتمثل له على خلاف ما كان يمثله حاله أن الله سبحانه قادر على أن يقبض عليه ويحبسه حيث شاء ، وأن يصنع به ما شاء فلا مهرب من الله سبحانه إلا إليه، ولذلك لقنه الحال الذي تمثل له وهو في سجنه من بطن الحوت أن يقر لله بأنه هو المعبود الذي لا معبود غيره، ولا مهرب عن عبوديته فقال : " لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ" ولم يناده تعالى بالربوبية، وهذا أوحد دعاء من أدعية الأنبياء عليهم السلام لم يصدر باسم الرب. ثم ذكر ما جرى عليه الحال من تركه قومه إثر عدم إهلاكه تعالى إياهم بما أنزل عليهم من العذاب فأثبت الظلم لنفسه ونزه الله سبحانه عن كل ما فيه شائبة الظلم والنقص فقال: " سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين" . ولم يذكر مسألته - وهى الرجوع إلى مقامه العبودي السابق - عدا لنفسه دون لياقة الاستعطاء واستحقاق العطاء استغراقا في الحياء والخجل ، والدليل على مسألته قوله تعالى بعد الآية السابقة : " فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ " (الأنبياء : 88). والدليل على أن مسألته كانت هي الرجوع إلى سابق مقامه قوله تعالى : " فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ ، وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ، وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ " (الصافات : 148) .
المحور الرابع: روايات أخرى في بيان سبب القصة:
في حديث أبي حمزة الثمالي أنه دخل عبد الله بن عمر على زين العابدين عليه السلام وقال: يا ابن الحسين أنت الذي تقول إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي؛ لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها؟
قال: بلى ثكلتك أمك.
قال : فأرني أنت ذلك إن كنت من الصادقين.
فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا, فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه، فقال ابن عمر: يا سيدي دمي في رقبتك, الله الله في نفسي.
فقال: هيه واريه إن كنت من الصادقين. ثم قال: يا أيتها الحوت.
قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم، وهو يقول: لبيك لبيك يا ولي الله، فقال: من أنت؟
قال: أنا حوت يونس يا سيدي.
قال: أنبئنا بالخبر.
قال: يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبيًا من آدم إلى أن صار جدك محمد إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبِلَها من الأنبياء سلم وتخلص. ومن توقف عنها وتمنع في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية, وما لقي نوح من الغرق، وما لقي إبراهيم من النار، وما لقي يوسف من الجب، وما لقي أيوب من البلاء، وما لقي داود من الخطيئة، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه أن يا يونس، تولّ أمير المؤمنين عليًا والأئمة الراشدين من صلبه - في كلام له - قال: فكيف أتولى من لم أره ولم أعرفه وذهب مغتاظًا، فأوحى الله تعالى إليّ أن التقمي يونس ولا توهني له عظمًا، فمكث في بطني أربعين صباحًا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث ينادي أنه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قد قبلت ولاية علي بن أبي طالب، والأئمة الراشدين من ولده، فلما أن آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر، فقال زين العابدين عليه السلام: ارجع أيها الحوت إلى وكرك ! واستوى الماء.
بحار الأنوار 46 : 39:


وفي نقل آخر للرواية السابقة: فقال (لها): لم حبس يونس في بطنك؟ فقالت (له): عرضت عليه ولاية أبيك فأنكرها، فحبس في بطني، فلمّا أقرّ بها وأذعن أمرت فقذفته، وكذلك من أنكر ولايتكم أهل البيت يخلد في نار الجحيم.
مدينة المعاجز 2 : 33

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض, أقرّ بها من أقرّ وأنكرها من أنكر, أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقرّ بها.
بصائر الدرجات : 95

المحور الخامس: التأمل في الروايات الأخيرة:
1/ في الرواية المتقدمة عن الإمام زين العابدين – عليه السلام- (ومن توقف عنها وتمنع في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية, وما لقي نوح من الغرق، وما لقي إبراهيم من النار، وما لقي يوسف من الجب، وما لقي أيوب من البلاء، وما لقي داود من الخطيئة)
فالرواية تعزي هذه الابتلاءات التي مرّ بها الأنبياء لرفضهم الولاية لأهل البيت, وهذا أمر لا يمكن قبوله لمخالفته النصوص القرآنية والروائية. فراجع الآيات والروايات بدقة. وكذا نوح لم يغرق هو, بل غرق قومه العصاة.
2/ عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من نبي نبئ, ولا من رسول أرسل إلا بولايتنا وبفضلنا عمن سوانا.
وهذا المعنى مستفيض في كثير من الروايات الشريفة, فانظر: بصائر الدرجات 94. والكافي 1 : 437.
بل نجد رواية عن أبي حمزة الثمالي – وهو نفس الراوي للحديث أعلاه- عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيًا قط إلا بها.
فإذا كان من أساس النبوة والرسالة لكل نبي ورسول؛ الاعتراف والإقرار بالولاية وبفضل أهل البيت- عليهم السلام- ولم يبعث نبي قط إلا بها, فكيف يكون يونس نبيًا لمدة 33 سنة قبل أن يقبل الولاية ؟؟!!!
ولذلك نجد العلامة المجلسي يقول (بيان: المراد بالإنكار عدم القبول التام, وما يلزمه من الاستشفاع والتوسل بهم).
فالحاصل:
إما أن نقول برأي العلامة المجلسي بأن المقصود هو عدم تمسك يونس بالدرجة والمستوى المطلوب منه في الولاية. وإما نوكل علم هذه الروايات إلى أهلها. ولا يمكن أن نعتقد بوجود نبي يستمر في النبوة هذه السنوات وهو ينكر ويرفض ولاية أمير المؤمنين.

وفي رواية أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة صرف الله عزّ وجلّ العذاب عن قوم يونس وقد أظلهم ولم يفعل ذلك بغيرهم من الأمم؟ فقال: لأنه كان في علم الله عزّ وجلّ أنه سيصرفه عنهم لتوبتهم، وإنما ترك إخبار يونس بذلك لأنه عزّ وجلّ أراد أن يفرّغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته.
علل الشرائع 1: 77

بعد ما صدر من يونس ما لا يليق بعلو مقام الأنبياء, أراد الله تعالى أن يوقع يونس في بطن الحوت, ليتفرغ للعبادة الخاصة هناك, فيستوجب الكرامة مرة أخرى (لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ [49] فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [50])
إذن فالاجتباء وجعله من الصالحين وقع بعد تجاوزه تلك المحنة بالطريقة الصحيحة.
والله العالم بحقائق الأمور
23/ ربيع الأول / 1436 هـ
في ضيافة كريمة أهل البيت – عليها ما لا يحصى من الصلوات والتحيات-

مقالات ذات صلة

تعلیقات