ومضات في الحج (31-40)

ومضات في الحج (31-40)

ومضة (31) :  كثيرة هي الأهواء والآمال التي تحتل مساحة كبرى في تفكيرنا ونسعى لاهثين للوصول إليها, وهكذا ينتهي العمر ونحن نعيش هواجس متعددة وأمنيات لا تنتهي, ولا نحصل إلا على سراب وأوهام. ولكن مناسك الحج تريد أن تعلمنا كيف نترك الدنيا كلها ونسافر إلى الله تعالى, لنذكر الله في أيام معدودات ذكرًا يستوجب أن نستمر على ذكره أبدًا. نرتشف غرفة من حب الله تعالى, فيصبح القلب بحبه متيمًا.

قال الله تعالى: {..وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}.

سمي عتيقًا لأنه أعتق من ملك البشر, فهو ملك لله وحده, ولم ولن يملكه إلا الله. وهكذا الطائف يجب أن لا يملكه شيء إلا الله عزّ وجلّ. نتعلم ونتربى كيف يصبح الله تعالى هو المحور الذي نتحرك حوله لوحده, فلا نطيع إلا الله, ولا نتعلق إلا بالله, ولا يشغلنا عن الله سبحانه شيء.

قال الإمام الخميني – عليه الرحمة- : (الطواف حول بيت الله مؤشر لعدم الالتفاف حول غير الله).
ومضة (32) : طواف المعلولين والمسنين في سطح المسجد الحرام :

رأي السيد الخامنئي: الأحوط وجوبًا أن يطوف بنفسه في الطابق العلوي ويستنيب أيضًا من يطوف عنه في صحن المسجد الحرام, فإن تمكن من صلاة الطواف بنفسه في صحن المسجد الحرام فبها, وإلا صلّى في الطابق العلوي واستناب أيضاً للصلاة في صحن المسجد.

رأي السيد السيستاني: إذا كان الطابق الثاني أعلى من الكعبة المشرفة فواجبه الاستنابة, وإن كان الأحوط استحبابًا ضم الإطافة من الطابق الثاني إليها.

رأي السيد الشيرازي: حيث يمنع ذوي الأعذار من الطواف في سطح المسجد يصح طوافهم من الطابق الآخر ولا يلزم الاستنابة.

ومضة (33) : صلاة الطواف :

1- بعد أن تنهي الطواف؛ عليك أن تبادر إلى صلاة الطواف. ولا يجوز تأخير الصلاة بدون عذر.

2- مكان صلاة الطواف هو خلف مقام إبراهيم – عليه السلام- (حسب المشهور).

3- مقام إبراهيم هي الصخرة التي عليها آثار أقدام إبراهيم – عليه السلام- .

4- عادة لا تتمكن من الصلاة خلف المقام مباشرة, وذلك بسبب زحام الطائفين والمصلين, وفي مثل هذه الحالة صلّ في أقرب مكان (ممكن) خلف المقام. و(لو) تمكنت من الصلاة بجانب المقام فالاحتياط أن تعيد الصلاة هناك أيضًا.

5- صلاة الطواف ركعتان, ويتخير في القراءة بين الجهر والإخفات.

6- يجب أن تكون الصلاة صحيحة وتامة الأجزاء والشروط, ومن ذلك قراءة الفاتحة والسورة, وأذكار الركوع والسجود وغيرها.

7- من أسرار صلاة الطواف: أن تلخص الطواف بـ ((الصلاة)) التي هي عمود الدين, وتتعهد بالسير والاقتداء بمنهج إبراهيم الخليل, قال الله سبحانه (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه).

وهكذا نسير خلف أهل البيت – عليهم السلام- ولا نتقدم عليهم في شيء, بل لا نتقدم على آثار أقدامهم.

ومضة (34) : حكاية بئر زمزم :

 (صحيح) معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: إنّ إبراهيم (ع) لما خلف إسماعيل بمكة عطش الصبي فكان فيما بين الصفا والمروة شجر، فخرجت أمه حتى قامت على الصفا فقالت: هل بالبوادي من أنيس فلم تجبها أحد، فمضت حتى انتهت إلى المروة، فقالت: هل بالبوادي من أنيس؟ فلم تجب، ثم رجعت إلى الصفا وقالت ذلك حتى صنعت ذلك سبعاً، فأجرى الله ذلك سنة وأتاها جبرئيل فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا أم ولد إبراهيم، قال لها: إلى من ترككم؟ فقالت: أما لئن قلت ذلك لقد قلت لـه حيث أراد الذهاب: يا إبراهيم إلى من تركتنا؟ فقال: إلى الله عزّ وجلّ. فقال جبرئيل(ع): لقد وكلكم إلى كافٍ.

 قال(ع): وكان الناس يجتنبون الممر إلى مكة لمكان الماء، ففحص الصبي برجله فنبعت زمزم قال: فرجعت من المروة إلى الصبي، وقد نبع الماء فأقبلت تجمع التراب حوله مخافة أن يسيح الماء، ولو تركته لكان سيحاً، قال: فلما رأت الطير الماء حلقت عليه فمرّ ركب من اليمن يريد السفر، فلما رأوا الطير قالوا: ما حلقت الطير إلاّ على ماء فأتوهم فسقوهم من الماء، فأطعموهم الركب من الطعام وأجرى الله عزّ وجلّ لهم بذلك رزقاً، وكان الناس يمرّون بمكة فيطعمونهم من الطعام ويسقونهم من الماء.

المصدر : الكافي 4 : 202.
ومضة (35) : الشرب من ماء زمزم :

1- بئر زمزم تأخذك إلى قصة إبراهيم وزوجته وابنه, وكيف وضعهما حيث أمره الله تعالى بوادٍ غير ذي زرع, تسليماً لأمر الله تعالى, لتتعلم كيف تتوكل على الله تعالى, وأن الله لا ينسى عباده, وكيف ينبع الماء من تحت قدمي إسماعيل.

2- يستحب الشرب من ماء زمزم في جميع الأوقات, لا سيما بعد الانتهاء من صلاة الطواف وقبل الشروع في السعي.

3- يستحب أن تقول حين تشرب: "اللَّهُمَّ اجعَلهُ عِلْماً نَافِعاً وَرِزْقاً وَاسِعاً وشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَسُقمٍ" .

4- الأمراض والأسقام الروحية (كالحسد وحب الدنيا والكذب) أهم وأعظم من الأمراض والأسقام البدنية. ومناسك الحج وماء زمزم قادرة على مساعدتنا في علاج أمراضنا الروحية إذا أخلصنا النية وأقبلنا على الله تعالى. أما لو أتينا بالمناسك بطريقة خاطئة أو رياءً عندئذ سنكون من الضجيج لا الحجيج.

ومضة (36) : اقرأ قبل ان تحج

مسائل ينبغي معرفتها قبل الذهاب للحج


http://www.olamaa.net/new/prints/readb4hajj.pdf

ومضة (37) : في أحكام السعي :
1- يبدأ السعي بجبل الصفا, وينتهي بجبل المروة.

2- الذهاب شوط مستقل, والإياب شوط مستقل, ولذا تنتهي سبعة أشواط عند المروة.

3- لا يشترط الطهارة أثناء السعي.

4- (( إذا )) لم تطمئن بأن التوسعة العرضية واقعة بين الجبلين, فعليك أن تسعى في طبقة السرداب, وذلك لكون السرداب واقعًا بين الجبلين, وهو حاليًا موازي للعرض القديم من المسعى. ولعله أقل زحامًا أيضًا.

5- اختلف الفقهاء حول اشتراط الموالاة في السعي.

6- يمكنك الاستراحة قليلًأ أثناء السعي بحيث لا يضر بالموالاة العرفية, ثم تكمل السعي من حيث توقفت.

7- يستحب الهرولة للرجال فقط, وذلك في الجزء الواقع بين النورين الأخضرين. ولا تستحب الهرولة للنساء أبدًا.

8- أشكل بعض الفقهاء في ركوب العربة أثناء السعي, إلا لمن اضطر لذلك لمرض أو كبر سن أو ما شابه.

9- لا مانع أن يدفع الساعي أثناء سعيه عربة فيها شخص يسعى أيضًا, مثلًا : لا مانع أن يقوم الساعي بدفع العربة التي تجلس عليها أمه (كبيرة السن). ولعل هذا العمل يكون سببًا في رضا الله تعالى وقبول الطاعة.

ومضة (38) : قال الشيخ النراقي – صاحب كتاب جامع السعادات - فيما ينبغي في الحاج :

(أن يخلى نفسه عن كل ما يشغل القلب، ويفرق الهمّ في الطريق، أو المقصود، من معاملة أو مثلها، حتى يكون الهمّ مجرداً لله، والقلب مطمئناً منصرفاً إلى ذكر الله وتعظيم شعائره، متذكراً عند كل حركة وسكون أمراً أخروياً يناسبه....

أن يحسن خلقه، ويطيب كلامه، ويكثر تواضعه، ويجتنب سوء الخلق والغلظة في الكلام، والرفث والفسوق والجدال. والرفث اسم جامع لكل فحش ولغو وخنى. والفسوق اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله. والجدال هو المبالغة في الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ويفرق الهم ويناقض حسن الخلق.

قال رسول الله – صلّى الله عليه وآله - : " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " ، فقيل: يا رسول الله، ما برّ الحج؟ قال: " طيب الكلام وإطعام الطعام ". فلا ينبغي أن يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجماله، وعلى غيرهما من أصحابه، بل يلين جانبه، ويخفض جناحه للسائرين إلى بيت الله، ويلزم حسن الخلق، وليس حسن الخلق مجرد كف الأذى، بل احتمال الأذى، وقيل: سمى السفر سفراً، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال).

ومضة (39) : في التقصير:

1- يمكنك التقصير في أي مكان في مكة المكرمة, ولا يجب أن يكون التقصير على جبل المروة.

2- يشترط الترتيب بعد السعي والتقصير.

3- لا تشترط الموالاة أو المبادرة بين السعي والتقصير.

4- من أراد التقصير بتقليم شيء من الأظفار, فالاحتياط أن يبدأ بتقصير الشعر ثم الظفر.

5- المشهور بين الفقهاء عدم جواز أن يقوم المحرم بالتقصير لغيره. لذا عليك التقصير لنفسك أولاً ثم يمكنك التقصير لغيرك.

6- يجوز أن يتولى المخالف التقصير للشيعي بشرط أن ينوي المقصّر له.

7- سبحان الذي جعل إزالة الشعر قبل دقائق معصية, وعليها كفارة, وجعل إزالة الشعر الآن عبادة واجبة, وعليها الأجر والثواب. وعلينا نحن أن نسمع ونطيع في كلتا الحالتين. وهكذا الحال في شهر رمضان يجب الصيام, وفي يوم العيد يحرم الصيام, فتأمل !!

ومضة (40) : الدروس الإلهية في مكة المكرمة :

هناك فرق كبير بين أن تسمع الدرس وأنت في بيتك, وبين أن تذهب إلى مسرح الأحداث  بنفسك. وأنت في مكة المكرمة تحتك مباشرة بآيات تحرّك عقلك, ومشاعر تثير منك الشعور.

الحج عبارة عن معهد لتدريب وتخريج  البشر الربانيين, يتلقون الدروس عبر التاريخ من إبراهيم الخليل, ومن رسول الله وأهل البيت, وبعد ذلك يرجعون إلى بلدانهم حاملين الرسالة المحمدية.

هناك في معهد التدريب الإلهي لنشهد المواطن التي وقف فيها إبراهيم الخليل, ورسول الله محمد وآله الطاهرين, هناك لنسمع صرخة التوحيد ما زالت تتردد, وما زالت الصخور والأحجار تشهد بما فعله رسول الله وأهل بيته, ولكن هناك من يسير في شعب مكة وهو أصمّ لا يسمع, وهناك من يسمع ويرى.

كل صخرة في مكة لها حكاية مع تضحيات الرسول وخديجة وأبي طالب, كل شعب في مكة ما زال يتذكر رسول الله وهو يسير داعيًا إلى رب البيت (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا), كل قطرة من ماء زمزم ما زالت تجيب استغاثة هاجر. وما زال إبراهيم واقفًا على تلك الصخرة. ومن اللطيف أن الحجر الأسود أخرج من مكة سنوات عديدة على يد القرامطة, وأما آثار أقدام إبراهيم فلم ولن تفارق البيت الحرام حتى قيام الساعة.

 

الحمد لله الذي وفقّ لكتابة ما مضى من (ومضات في الحج), فأتممنا بعض المسائل الهامة حتى أكملنا العمرة, وكان الأمل أن نكمل الحديث إلى نهاية الحج, إلا أن بعض الأعمال والمشاغل تحول دون ذلك. لذا أشكر جميع من شجّع على الكتابة, لا سيما الإخوة في (قافلة البتول للحج والعمرة والزيارة), وكذا كل من شاركنا بالقراءة, أو ساهم بالنشر بصورة أو بأخرى.

وأدعو الله تعالى لجميع الحجاج المؤمنين بالحج المبرور, والسعي المشكور, والذنب المغفور, والتجارة التي لن تبور, وأن يرجعوا سالمين غانمين إلى سالمين غانمين.

 

إلهي إن كان قلّ زادي في المسير إليك, فلقد حسن ظني بالتوكل عليك

وصلّ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم
 

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات