معوّقات الاجتهاد

معوّقات الاجتهاد

لعل أكثر من يحزم أمتعته للهجرة إلى الحوزات العلمية, يحزم معها أمنيته للوصول إلى مرتبة الاجتهاد في الفقه. وإنما خصصت الفقه بالذكر باعتبار أن الفقه هو الصفة الأبرز للحوزة بحيث طغت على بقية العلوم الدينية, أما علم (أصول الفقه) فهو مقدمة للفقه نفسه.

هكذا يسافر طالب العلوم الدينية مع تلك الأمنية, ويمضي العديد من السنوات وهو يسعى نحو تلك الملكة ليكون قادراً معها على استنباط الأحكام الشريعة من أدلتها التفصيلية. إلا أن هناك العديد من المعوّقات التي تحول دون ذلك, فلا يصل إلى تلك الغاية إلا النزر القليل. وتلك المعوّقات قد تقسّم إلى قسمين :

القسم الأول: المعوّقات المادية : ونقصد بها تلك المعوّقات التي بإمكان سائر البشر إدراكها وفق الظروف الطبيعية, كابتلاء طالب العلم بالمرض أو السفر أو التبلد الذهني أو ما شابه, مما يعيق مواصلة الدراسة بالدرجة المطلوبة.

القسم الثاني: المعوّقات الغيبية : ونقصد بها تلك المعوّقات التي نعجز عن تحليلها وفق الأسباب المادية, فلا يبقى إلا أن نسلّم بأن العلم – ومنه الاجتهاد- نور, يقذفه الله في قلب من يشاء, وحيث لم يشأ الله تعالى وصول هذا الطالب أو ذاك لتلك الرتبة فلن يبلغوا مهما قاموا به من جهد ومثابرة.

ونحن – وإذ نؤمن- بالقاعدة التامة السارية في كل جزء وركن من هذا العالم (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير : 29] إلا أن هذا لا يعني أن نغفل أو نتغافل عن المعوّقات الخارجية التي نعاني منها. وإلا لأصبح حالنا كحال الذي يهمل دراسة أسباب الأمراض الجسدية وأسباب علاجها بناء على فهمه للآية الكريمة (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء : 80].

حاصل ما تقدّم : الآلاف من طلاب العلوم الدينية يقصدون الحوزات العلمية, ولكن أفراداً قلائل يصلون لما يريدون, فما هي الأسباب وراء ذلك؟ علينا أن نبحث عنها بموضوعية وإنصاف. وإليك بعض تلك المعوّقات:

المعوّق الأول : أسلوب التدريس العام :

أسلوب إلقاء الدرس على الطلاب, دون أن يلازم ذلك متابعة الحضور والغياب, وبدون متابعة الفهم والإدراك للمطالب المطروحة, وبدون وجود أعمال تحقيقية ومتابعات خارج الدرس (إن شئت فقل : واجبات منزلية) كل ذلك يؤدي بلا شك إلى فتور في فهم الطالب للمادة ومتابعته لها.

ليس هناك ما يلزمه بالتحضير ولا بالمراجعة, وليس هناك ما يكشف عن مقدار فهمه للمطالب بطريقة صحيحة وسليمة إلا ما يطرحه من إشكالات تكشف عن مستواه التحصيلي, وغالباً تكون تلك الإشكالات وليدة اللحظة, دون أن تمر بفترة من التفكير أو المراجعة والبحث. وقد شاع بين الطلاب أن الفضيلة العلمية التي يحصل عليها الطالب إنما هي نتيجة مجهوده الشخصي وتعبه الذاتي في التحصيل.

المعوّق الثاني : أسلوب التدريس في البحث الخارج :

الأسلوب المتبع حالياً في البحث الخارج هو في الواقع ممارسة لعملية الاجتهاد على مسمع من الحضور, وليس هو تدريب وتعليم لمهارة الاجتهاد. وقد تسأل ما الفرق بين الأمرين؟ الجواب يكون من خلال التأمل في المثال التالي, وهو تعليم (مهارة الخطابة الحسينية).

لدينا طريقان :

الطريق الأول: أن نمارس نحن الخطابة بحضور الطلاب, ويبقى على الطلاب أن يقوموا بتقليدنا في ذلك.

الطريق الثاني: أن يمارس الطلاب الخطابة بحضورنا, ونقوم بتصحيح المواضع التي هي بحاجة لذلك, من خلال تنبيه الطالب على تلك الجزئيات وكيفية علاجها.

من الواضح أن الطريقة الأولى تستهلك الكثير من الوقت والجهد, فالطالب لا يعرف أين الخلل لديه, ولا يعرف كيف يعالج الخلل, ولا يعرف مواطن قوته وضعفه. أما في الطريقة الثانية : فمن خلال تطبيق الطالب يدرك الأستاذ أن هذا الطالب يعاني من مشكلة في الطور الفلاني, أو في طريقة تحضير الموضوع أو غير ذلك, وبالتالي يقوم بإكمال النواقص وتصحيح الأخطاء.

ولنأت بمثال آخر لمزيد من التوضيح:

إذا أردنا تعليم الطالب مهارة سياقة السيارة, لدينا طريقان:

الطريق الأول: أن يركب الطالب معنا ونحن نقود السيارة, ثم نطالبه بأن يقوم لوحده بقيادة السيارة باعتبار أنه شاهد تلك العملية مراراً وتكراراً.

الطريق الثاني: أن نركب نحن معه في السيارة وهو يقودها, ونرى كيف يقوم بعملية السياقة, ونعطيه التوجيهات اللازمة, ونشرف على تطبيقها.

الآن أترك للقارئ الكريم أن يحكم بنفسه أي الطريقين هو الصحيح في تعليم المهارات.

المعوّق الثالث : المناهج الدراسية :

مع كمال التقدير والثناء على ما خطّه العلماء الأعلام من كتب وآثار في شتى فنون وصنوف العلوم, ومن ذلك ما ندرسه في الحوزات العلمية, إلا أن ليس كل كتاب قيّم فهو يصلح للتدريس. لا سيما مع تطوّر العلوم الدينية نفسها, لذا لزم التجديد في المناهج الحوزوية. ورغم أن دعاوى التجديد في المناهج صدرت وما زالت تصدر من جهابذة الحوزات العلمية كالشهيد الصدر – عليه الرحمة – إلا أن الاستجابة لتلك الدعوات ما زالت بطيئة في بعض الأوساط, وذلك استناداً إلى الحجة القائلة بأن هذه المناهج قد ثبت نجاحها بالتجربة, فقد تخرّج بدراستها أمثال السيد الخوئي –عليه الرحمة- , فما الداعي لدراسة كتب لم يثبت نجاحها؟

ونجيب على ذلك – بعد التأكيد مرة أخرى على احترامنا للمؤلفين الأعلام وقيمة تلك المؤلفات- لو أنصفنا وأمعنا النظر فيجب أن نقول أن تلك المؤلفات درسها آلاف الطلاب, ولكن لم يجتهد نصف ذلك العدد ولا عشره. لذا فنحن بحاجة إلى مناهج تكون أكثر نجاحاً في تحقيق هذا الهدف.

المعوّق الرابع : إهمال بعض العلوم في الحوزة :

هناك علوم يتفق الجميع على أهميتها في تحصيل عملية الاجتهاد والاستنباط, إلا أنها ما زالت تعيش على هامش المناهج الحوزوية وهامش الوقت الذي يبذله الطلاب والأساتذة, من ذلك علم الرجال وتطبيقاته, وعلم القواعد الفقهية.

فإذا كنا نسلّم مدخلية هذه العلوم في (الاجتهاد) ومع ذلك فهي مهملة في الوسط الحوزوي بشكل عام, إذن من الطبيعي أن لا نصل إلى الغاية.

المعوّق الخامس : الجو التثبيطي والتحبيطي العام :

من الآفات الرائجة في المجتمع الخليجي هو تثبيط وتحبيط الطاقات المحلية غالباً, على عكس المجتمع الفارسي الذي يميل إلى تشجيع طاقاته ومساندتها.

فمن عساك أن تكون لتنجز ما عجز عن إنجازه فلان وعلان؟

ومن تكون أنت لتبدي وجهة نظر, أو لتكتب تحقيقاً.

وتبدأ حملات من التشويه والحرب الشعواء, تحت شعار الغيرة على العلم, والذب عن الدين الحنيف من الخطر الذي يهدده دعوى (اجتهاد أو فضيلة) فلان.

ورغم جميع هذه المعوّقات وغيرها, تبقى الحكمة القائلة :

ومن يتهيب صعود الجبال **  يعش أبد الدهربين الحفر

 

مقالات ذات صلة

تعلیقات