سامراء.. قرية كفرت بأنعم الله

سامراء.. قرية كفرت بأنعم الله

 

لن نتحدث عن التاريخ السحيق لمدينة (سامراء) وكيف كانت , وأين أصبحت, ولماذا. فالكل قد سمع أو قرأ أنها كانت تدعى سابقًا بـ (سرّ من رأى) لجمالها وحداثتها, حتى قيل في وصفها (زهرة البلدان, ودرة التيجان, لا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكاً منها).
لنترك التاريخ السحيق الغابر, ولنتحدث عن التاريخ الذي عاصرناه, فمنذ سنوات كانت مدينة سامراء عامرة بالناس, والمحلات, والمصانع التجارية. يقصدها زوّار الأئمة الطاهرين فيشمل اليُمن أهل سامراء, لما لمجيء الزوّار المؤمنين من بركة وسعة في الرزق وحركة تجارية وسياحية. هكذا كانت سامراء إلى أن كفر أهلها بتلك النعمة, وحدث عمليتي تفجير قبة الإمامين العسكريين والمأذنتين. فانطبق عليها قول الله تعالى (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [112] وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [113]) سورة النحل .
إذن تلك القرية منّ الله تعالى عليها بأربعة جوانب وأبعاد :
البعد الأول : الأمن. ونعمة (الأمن) لا يعرف قدرها إلا من فقدها, وهذا هو شأن سائر النعم, فمن يرفل بالنعمة (كالصحة والأمن والشباب) لا يعرفها قيمتها ودورها إلا بعد رحيلها.
تلك القرية أمنت المخاطر كمهاجمة الأشرار, وشن الغارات, وقتل النفوس, وسبي الذراري, ونهب الأموال, والاعتقالات التعسفية, وكذا أمنت الحوادث الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيضانات.
البعد الثاني : الطمأنينة والاستقرار. اطمأنت وسكنت فلم يضطر أهلها إلى الجلاء والتفرق, ولا إلى الاغتراب وقطع الفيافي وركوب البحار وتحمل المشاق البالغة في طلب الرزق وجلبه إليها.
البعد الثالث : يأتيها رزقها رغدًا كثيرًا وافرًا من كل مكان. فالرزق هو الذي يسعى إليها من كل مكان, فلا حاجة إلى تغرّب وهجرة في سبيل توفير لقمة العيش.
البعد الرابع : إرسال رسول إليهم منهم. ووظيفة الرسول قد بينته آيات أخر من القرآن الكريم. إذن أراد الله تعالى أن يكمل نعمته عليهم, فأرسل إليهم من يهديهم, ويعلمهم الكتاب والحكمة, ويرشدهم لما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم. فالأنبياء والرسل قد أتوا لإصلاح وسعادة البشرية في هذا العالم, وفي عالم الخلود.
إذن النعم الثلاث المتقدمة لا تكتمل إلا باتباع تعاليم السماء, وذلك من خلال الرسول, وخلفاء الرسول, ومن خلال التمسك بالثقلين (كتاب الله والعترة الطاهرة). إلا أن تلك القرية – وهكذا سامراء- لم تقم بواجب الشكر والاستجابة لتعاليم السماء, بل كفرت بأنعم الله, وكذبت الرسول وخلفائه, فاستحقت أن تسلب منها تلك النعم.
نعم, تآمروا على تفجير قبة الإمامين العسكريين, وبعد ذلك أعادوا الكرة بتفجير المأذنتين, (فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) كما يشمل اللباس البدن ويحيط به, فذلك المقدار من الجوع والخوف شملهم وأحاط بهم كما يشمل اللباس بدن الإنسان. ووصلت الدرجة كأنهم يتذوقون ذلك بألسنتهم. وهو تعبير عن أشد حالات الخوف ومنتهى حالات الفقر والذي يمكن أن يصيب جميع وجود الإنسان. هكذا أصبح (سامراء) أرضًا مقفرة, ودوراً خربة خالية من البشر إلا النزر اليسير. خانوا الرسول في أهل بيته, فأذاقهم الله تعالى لباس الجوع والخوف جزاءً لعملهم.
سنة المجازاة بالعمل؛ من السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية, وهي لا تقتصر على المجازاة في العالم الأخروي, بل تشمل أيضًا هذا العالم. وعلينا كأفراد وكمجتمعات أن ندرك هذه السنة, فالكفران بالنعمة والتكذيب للرسول وآل الرسول هي الجريمة التي صدرت من أهالي سامراء – بشكل عام- فحلّ بها هذه النتيجة.
كانت سامراء آمنة, مطمئنة, يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان, وأودعهم الله تعالى اثنين من أئمة الهدى وخلفاء الرسول – صلّى الله عليه وآله- . ولكنهم لم يقبلوا دعوة أهل البيت, وكرهوا بقاء الأئمة بين ظهرانيهم, وآذوا الزوّار, واعتدوا على الحرم الطاهر مرتين, فأصبحت أرضًا بلاقع.
وهكذا كل مجتمع أو فرد يكفر بنعمة الله, ويعتدي على حرمات الله ورسوله, ويسرف ويبذّر, ويغرق في المعاصي والشهوات؛ يكون عرضة لسلب النعمة وحلول النقمة. ولسنا نجازف إن قلنا أن الغزو الصدامي لدولة الكويت كان من هذا القبيل, فالكويت آنئذ قد وقفت مع الظالم الطاغية صدّام حسين, ودعمت ظلمه وعدوانها, فأذاقها الله لباس الجوع والخوف, فهل آن لنا أن نتعظ ونأخذ الدروس ؟!!
ومما يؤسف له أن عملية إعمار الحرم الطاهر ما زالت تسير ببطء, وما زال حرم الإمامين العسكرين يحكي مظلومية أهل البيت – عليهم السلام- .
 
 
 

مقالات ذات صلة

تعلیقات