من منا يكرم اليتيم؟

من منا يكرم اليتيم؟

 

(اليتامى) من أكثر المواضيع التي اهتم بها الإسلام, فجاء التأكيد على الإحسان إليهم ورعايتهم في العديد من الآيات القرآنية الكريمة فضلاً عن الروايات الشريفة. وفي آيتين من القرآن الكريم تقدّم ذكر الإحسان إلى اليتامى على (إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة), وهذا يدل على أهمية هذا الموضوع .
قال الله تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ) [البقرة : 83]. ولاحظ أيضاً سورة البقرة : 177.
والتعامل مع اليتامى له بعدان رئيسيان:
البعد الأول: هو البعد المادي :
وقد أولى الإسلام أهمية كبرى في رعاية أموال اليتيم – إن كان غنيًا- وفي الإنفاق عليه – إن كان فقيرًا-.
قال الله سبحانه (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...) [الأنعام : 152], وكذا في سورة الإسراء : 34.
وهنا نلاحظ التأكيد الشديد على الموضوع, فحتى مجرد (الاقتراب) من أموال اليتيم لا يكون إلا (بالتي هي أحسن), ولا تكفي الحسنى فقط. ومن أعظم المعاصي أكل أموال اليتيم ظلماً, وقد كشف القرآن الكريم عن الصورة الملكوتية الواقعية لذلك بأنهم (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) النساء : 10.
وروي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) - في وصيته قبل الموت - : (الله الله في الأيتام ، فلا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : من عال يتيمًا حتى يستغني أوجب الله عزّ وجلّ له بذلك الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار) ميزان الحكمة ج 4 - ص 3708.
فهل فكرنا ما معنى (فلا تغبّوا أفواههم) ؟
أغبّ القوم : جاءهم يومًا وترك يومًا، أي : صلوا أفواههم بالإطعام ولا تقطعوه عنها.
بعبارة ثانية : الإمام ينهي أن يكون إطعام الأيتام متقطعًا, فيجوعون يومًا, ويشبعون يومًا. بل كما يسعى المؤمن ليشبع أفراد عائلته في كل يوم, هكذا يجب أن يسعى للأيتام في كل يوم يشبعون.
أما حالة الكفالة الناقصة والمتقطعة للأيتام, وإن كان أفضل من العدم, إلا أنه لا تزل شعور اليتيم بالنقص إزاء بقية أفراد المجتمع.
كفالة اليتيم هي أن يعيش اليتيم كما يعيش أواسط الناس, فلا يكفي فيها سد الرمق وبعض الحاجات الضرورية فقط.
البعد الثاني : هو البعد المعنوي:
من الجوانب الناقصة في كفالة اليتيم, جانب العاطفة والأحاسيس والمعنويات. فاليتيم إنسان فقد مشاعر الحب والحنان والعطف, فيحتاج إلى تعويض من هذه الجهة أيضًا.
قال الله سبحانه (كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) [الفجر : 17].
وفي تفسير الأمثل ج20 ص 189 (والملاحظ أن الآية لم تخص اليتيم بالإطعام بل بالإكرام ، لأن الوضع النفسي والعاطفي لليتيم أهم بكثير من مسألة جوعه . فلا ينبغي لليتيم أن يعيش حالة الانكسار والذلة بفقدان أبيه ، وينبغي الاعتناء به وإكرامه لسد الثغرة التي تسببت برحيل أبيه ، وقد أولت الأحاديث الشريفة والروايات هذا الجانب أهمية خاصة ، وأكدت على ضرورة رعاية وإكرام اليتيم . فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، إنه قال : " ما من عبد يمسح يده على رأس يتيم رحمة له إلا أعطاه الله بكل شعرة نورا يوم القيامة ").
نعم, هناك روايات عديدة في الحث على المسح على رأس اليتيم, ولعل السبب في ذلك هو إبداء العواطف والحنان تجاه اليتيم.
وقال عزّ وجلّ (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) [الضحى : 9].
ولعل الآية الكريمة تنظر إلى الجهة المعنوية والعاطفية أكثر من الجهة المادية.
وقال جلّ وعلا (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) [الماعون : 2].
والدع هو عبارة عن الرد بعنف وجفاء وخشونة.
والخلاصة من جميع ما تقدّم :
أن كفالة اليتيم مسؤولية اجتماعية جسمية ومهمة جداً, ولا يكفي فيها الجانب المادي, بل لا بد من الرعاية العاطفية والمعنوية والحب والحنان, كما لا يكفي الدعم المادي الضئيل بحيث يجوع اليتيم يومًا ويشبع يومًا, بل لا بدّ من إجزال العطاء والبذل كما نبذل لأنفسنا وأهلينا.

مقالات ذات صلة

تعلیقات