جاء صاحب الجراب

جاء صاحب الجراب

 

كثيرة هي صفات الإمام السجّاد العظيمة, ولا غرو في ذلك, فهو أحد أئمة الهدى ومصابيح الدجى. وقد اخترت في هذا المقال أن أتحدث عن اهتمام الإمام السجّاد – عليه السلام- بصدقة السر, وابتعادنا نحن عنها.
في رواية محمد بن إسحاق : انه كان في المدينة كذا وكذا بيتا يأتيهم رزقهم وما يحتاجون إليه, لا يدرون من أين يأتيهم ، فلما مات زين العابدين فقدوا ذلك ، فصرخوا صرخة واحدة.
كان الإمام السجّاد –عليه السلام-  يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره حتى يأتي باباً باباً فيقرعه ثم يناول من كان يخرج إليه، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه.
وفي رواية أنه كان إذا جنّ الليل وهدأت العيون قام إلى منزله فجمع ما يبقى فيه من قوت أهله, وجعله في جراب ورمى به على عاتقه, وخرج إلى دور الفقراء وهو متلثم, ويفرّق عليهم, وكثيرًا ما كانوا قيامًا على أبوابهم ينتظرونه، فإذا رأوه تباشروا به وقالوا : جاء صاحب الجراب.
رأى الزهري الإمام علي بن الحسين في ليلة باردة تمطر, وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي فقال له : يا ابن رسول الله ما هذا ؟
قال الإمام : أريد سفرًا أعدّ له زادًا أحمله إلى موضع حريز.
فقال الزهري : فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى الإمام ، فقال الزهري: فأحمله عنك فاني أرفعك عن حمله، فقال الإمام : لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني في سفري ويحسن ورودي على ما أرد عليه سألتك بالله لما مضيت في حاجتك وتركتني، فانصرف الزهري عنه ، فلما كان بعد أيام قال له : يا ابن رسول الله لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثرًا ؟
قال الإمام: بلى يا زهري ليس ما ظننت, ولكنه الموت, وله كنت استعد.
وعندما استشهد الإمام السجّاد رأوا على ظهره أثر الجراب الذي كان يحمله, وهذا يدل على ثقل الجراب والاستمرار في حمله مدة طويلة, بحيث حفر الجراب أثراً في جلد الإمام, وبقي ذلك الأثر كما بقي أثر الجامعة على جسده المبارك.
خلاصة ما مضى :
1. حرص الإمام الشديد على صدقة السر, وأن لا يعرفه أحد.
2. التكرار والاستمرار في صدقة السر.
3. حرص الإمام أن يحمل ذلك بنفسه إلى المحتاجين, ورفضه أن يشاركه أحد في ذلك.
 
وما أجمل قصة البهلول حينما جاء إلى مسجد بناه أحدهم – وقيل أنه هارون- وحينما انتهى من بناء المسجد علق عليه البهلول لوحة مكتوب عليها (مسجد البهلول) فغضب هارون على البهلول وقال: نحن نبني المسجد ونتعب ثم أنت تكتب عليه مسجد البهلول ؟!
فقال البهلول: هل بنيته لوجه الله أم لكي يقول الناس أنك بنيته؟
فقال هارون: بل لوجه الله.
قال البهلول : الله يعلم أنك أنت بنيته حتى لو علقت عليه لوحة كتب عليها هذا مسجد البهلول.
 
وهكذا يتضح حقيقة نوايا بعض الناس الذي لا يقومون بأي عمل خيري, إلا بعد كتابة أسمائهم عليها, وما لم يكتب اسمه في الصفحات الأولى وبالبنط العريض فلا صدقة, ولا خير, ولا بر, ولا صلة, ولا حقوق.

مقالات ذات صلة

تعلیقات