مراتب الصوم

1167 2015-06-09 الصيام
مراتب الصوم

 

مراتب الصوم ثلاثة :
 المرتبة الأولى : صوم العوامّ :
وهو بترك الطعام والشراب وجميع المفطرات التي ذكرها الفقهاء في الرسائل العملية فقط , وليس للجوارح وللقلب نصيب من هذا الصيام. فالعين ما زالت تنظر إلى المحرّمات, واللسان مستمر في اللغو والغيبة, والبطن ما زال يستقبل طعام الشبهة, والقلب ما زال مشغولاً بغير الله تعالى.
إن التساهل في استماع الغناء أو مشاهدة الرقص تدل على أن الروح ما زالت بعيدة عن الصيام, فالصيام إنما شرّع لتحصيل التقوى, وحيث رأى الإنسان أفعاله وأقواله ما زالت بعيدة عن التقوى, فليعلم أنه ليس له نصيب إلا الجوع والعطش, ولم يقم بالصيام كما أراده الله تعالى.
إلا أن كثيراً من الناس قد يتساهلون في استماع الغناء بحجة أنه مقدمة المسلسل التلفزيوني, أو يتهاونون في مشاهدة الرقص بحجة أنه مسابقات رمضانية, أو يستخفون بالكذب بحجة أنه أبيض ومزح وترويح عن تعب وإرهاق الصيام. وكل ذلك من مصائد الشيطان ليحرم الإنسان من الاستفادة من الصيام والشهر الفضيل.
 المرتبة الثانية : صوم الخواصّ :
وهو ترك المفطرات الفقهية مع حفظ الجوارح عن مخالفات الله جلّ جلاله .
روي عن الإمام الصادق –عليه السلام-  قال: إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده. إنما للصوم شرط يحتاج أن يُحفظ حتى يتم الصوم، وهو الصمت الداخل، أما تسمع قول مريم بنت عمران (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً)[1] يعنى صمتاً، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا, ولا تحاسدوا, ولا تغتابوا, ولا تماروا, ولا تكذبوا, ولا تباشروا, ولا تخالفوا, ولا تغاضبوا, ولا تسابوا, ولا تشاتموا, ولا تنابزوا, ولا تجادلوا, ولا تبادوا[2], ولا تظلموا, ولا تسافهوا, ولا تزاجروا, ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة, وألزموا الصمت والسكوت والحلم والصبر والصدق, ومجانبة أهل الشر, واجتنبوا قول الزور والكذب والفراء والخصومة وظن السوء والغيبة والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرة منتظرين لأيامكم، منتظرين لما وعدكم الله, متزودين للقاء الله، وعليكم السكينة والوقار والخشوع والخضوع وذلّ العبد الخائف من مولاه, راجين خائفين راغبين راهبين قد طهّرتم القلوب من العيوب, وتقدّست سرائركم من الخب[3], ونظفت الجسم من القاذورات, تبرأ إلى الله من عداه[4], وواليت الله في صومك بالصمت من جميع الجهات مما قد نهاك الله عنه في السر والعلانية, وخشيت الله حق خشيته في السر والعلانية, ووهبت نفسك لله في أيام صومك، وفرّغت قلبك له, ونصبت قلبك له فيما أمرك ودعاك إليه, فإذا فعلت ذلك كله فأنت صائم لله بحقيقة صومه صانع لما أمرك، وكلما نقصت منها شيئاً مما بيّنت لك فقد نقص من صومك بمقدار ذلك - إلى أن قال: - إن الصوم ليس من الطعام والشراب, إنما جعل الله ذلك حجاباً مما سواها من الفواحش من الفعل والقول يفطر الصائم، ما أقل الصوّم وأكثر الجُوّاع[5].
ولا شك أن هذه الصفات المذكورة في الحديث الشريف تحتاج إلى همّة عالية ومراقبة ومحاسبة النفس. ونحن إذا قرأنا كل هذه الصفات ندرك كم نحن بعيدون عن الصوم المطلوب.
إن الوصول إلى تلك المرتبة لا يكون بين يوم وليلة, ولا يكون بالتهاون والاستخفاف والغفلة, بل يحتاج إلى عنصر جهاد النفس والمثابرة والاستمرار, ليرتقي الإنسان شيئاً فشيئاً, وإذا علم الله تعالى من عبده الصدق والرغبة أعانه ووفقّه وبارك في سعيه.
أيها الأحبة .. علينا أن نبدأ الحركة من الآن فلا وقت لتأخير العمل, ولا يأس فرحمة الله واسعة, وفضله عميم, وبالتدريج يمكن الإنسان أن يحصل جميع تلك الصفات الفاضلة.
المرتبة الثالثة: صوم خواصّ الخواصّ :
وهو ترك جميع ما تقدّم مضافاً إلى ترك كل ما هو شاغل عن الله من حلال أو حرام .
إذن صوم خواص الخواص هو عبارة عن الانقطاع عن كل ما سوى الله تعالى حتى المباحات. حتى النوم وتناول الطعام والشراب إنما يقوم به العبد بنية التقرّب إلى الله تعالى والتقوي على عبادته. فهو لا يأكل ولا يشرب لشهوة مادية, ولا يشغله مباح عن ذكر الله تعالى. ولذا يعلّمنا الإمام زين العابدين – عليه السلام- في مناجاة الذاكرين (وأستغفرك من كل لذة بغير ذكرك, ومن كل راحة بغير أنسك, ومن كل سرور بغير قربك, ومن كل شغل بغير طاعتك).
 
 

 

[1] سورة مريم: 26.
[2] لعل المراد هو الاختلاف والانقسام .
[3] الخب: الخداع والخبث والغش (لسان العرب 1: 341).
[4] أي تبرأ إلى الله من أعدائه.
[5] وسائل الشيعة 10: 166.


مقالات ذات صلة

تعلیقات