على هامش مقال (سياسة التجهيل والتهويل)

على هامش مقال (سياسة التجهيل والتهويل)

تحدثنا في مقال (المجتمع ضحية سياسة التجهيل والتهويل) عن مسألة مهمة جداً تمس واقع ومستقبل العمل التبليغي, وحيث وصلتني العديد من الرسائل المطوّلة, ولا يسعني الإجابة على كل شخص بمفرده, لذا أحببت إتمام المقال بهذا الهامش التوضيحي لبعض الجوانب.
النقطة الأولى :
كل من يكتب مقالاً , فهو لم يكتبه ليبقى في عالم النسيان, بل طرحه ليكون موضع النقاش والتداول على أكبر مساحة ممكنة. ومن الطبيعي أن تختلف وجهات النظر حول ما طرحه, فيكون هناك المؤيد, وهناك المعارض. إذن قيام بعض المؤمنين بالتعليق أو الرد أو ما شابه, هذا أمر لا يتعارض مع هدف المقال, بل هو جزء من الهدف المنشود.
النقطة الثانية :
من حق القارئ أو المستمع أن يبدي وجهة نظره, سواء وافق القائل أو الكاتب أو عارضه, وذلك ضمن ضوابط البحث العلمي, وأدب الحوار. ولا يمكن سلب هذا الحق من الناس.
النقطة الثالثة :
لو قامت أي شخصية (كالشيخ الصفار أو السيد منير الخباز مثلاً أو غيرهما) بكتابة مقال أو إصدار بيان أو إلقاء خطبة, وأصبح ذلك محلاً للنقاش والتداول في الصحف أو المواقع والمنتديات والمجالس.
فهل من واجب ووظائف صاحب المقال أو الخطبة أن يتتبع جميع التعليقات وردود الأفعال ليرد ويجيب عليها ؟؟!!
يخطأ من يظن بأن من واجبات ووظائف الكاتب أو الخطيب أن يرد على جميع المنتقدين والمعلقين أينما كانوا, وكيفما كانت تعليقاتهم.
النقطة الرابعة:
بعض الأخوة الأعزاء فهم من المقال الهجوم على حزبه, فأراد أن يرد عليّ عبر البريد الأكتروني, فكتب عدة أمثلة يريد من خلالها اتهام أحزاب أخرى وتيارات بأنها هي التي تمارس سياسة التجهيل والتهويل. فكان جوابي على رسالته, أن هذه الأمثلة – لو صحت- فهي لا تعارض مقالي, بل تؤكد المقال وتدعمه, وهي أمثلة تثبت محور المقال (سياسة التجهيل والتهويل). ولم يهدف المقال إلى اتهام حزب معين أو تيار معين, وقد ذكرت ذلك بشكل صريح, وقلت  ما هذا نصه (كما أؤكد في بداية حديثي على أن هذه المشكلة لا توجد لدى تيار إسلامي واحد معين، بل هو أمر شارك ويشارك فيه العديد من التيارات الإسلامية بنسب تزيد هنا، وتنقص هناك( وأوضحت ذلك أيضاً من خلال الأمثلة في المقال.
ومن يحاول نقد مقالي بوجود أمثلة أخرى في تيارات أخرى أو جماعات تمارس سياسة التجهيل, فهو في الواقع لا يرد على مقالي, بل يدعمه.
النقطة الخامسة:
من يحاول نقد المقال من خلال مناقشات نحوية أو بلاغية أو مغالطات, فهو لا ينقض كلامي, بل يقدم بنفسه مثالاً عينياً متجسداً على سياسة التجهيل, فالموضوع يتكلم عن موضوع حسّاس جداً وخطير يمس دين الناس ودنياهم, وهو تجهيل الناس بدل تعليمهم, وهذا الأخ الكريم مشغول بالتعليق على أخطاء إملائية أو نحوية أو مصدر قصة القرود وما شابه !!!
وحتى لا تعتقد أخي الكريم أن كلامي تهرب وعجز عن الرد على تلك الإشكالات , أقدّم إليك ثلاثة أمثلة بسيطة وخفيفة :
المثال الأول :
قال الأخ الكريم (ثم إن المتعارف في كتابة هذه الكلمة هو أن تكتب بالنون " إذن " إذا كانت ناصبة بأن تلاها فعل مضارع، وبالتنوين "إذاً" إذا لم تكن كذلك، والأمر سهل) انتهى.
والجواب على ذلك  ضمن ثالث نقاط :
أ- طالب العلم لا يستدل بـ (المتعارف) هكذا جزافاً, بل يستدل بالمصادر العلمية.
ب- قال ابن هشام الأنصاري (ويبتني على الخلاف في الوقف عليها خلاف في كتابتها, فالجمهور يكتبونها بالألف, وكذا رسمت في المصاحف, والمازني والمبرّد بالنون, وعن الفرّاء إن عملت كتبت بالألف, وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا, وتبعه ابن خروف) المصدر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب, ج 1 ص 31 - علماً أن هذا الكتاب من الكتب المهمة في الحوزة-.
قد عرفتم بالمصدر الخلاف في كتابة (إذن), وأن ما ذكره هو رأي في المسألة, ورأي المازني والمبرّد هو كتابة (إذن) بالنون سواءً عملت أو لا.
ج- إذا كان (الأمر سهل) فما هو الهدف من ذكر هذه المسائل وأشباهها في الرد على المقال إلا أن يكون الرد بنفسه مثالاً متجسداً لسياسة التجهيل لإلهاء الناس عن محور المقال الأساسي.
المثال الثاني :
قال الأخ الكريم (ولا أعرف - في حدود علمي بالعربية - أن " كيف " تقع مضافاً إليه).
والجواب عليه :
1- مشكلة المعترض أنه قرأ جملتي بطريقة مختلفة , فالجملة هي ( هذا درسٌ كيف يمارس الإنسان رفضاً حاسماً) وحيث أنه قرأ كلمة (درس) بدون تنوين, وقع في هذا الخطأ.
2-  نرجع مرة أخرى إلى كتاب مغني اللبيب, وهو من الكتب التابعة لمرحلة المقدمات في الحوزة العلمية.
قال ابن هشام (تنبيه - قوله تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) لا تكون كيف بدلاً من الإبل ، لأن دخول الجار على كيف شاذ ، على أنه لم يسمع في إلى ، بل في علي ، ولأن إلى متعلقة بما قبلها ، فيلزم أن يعمل في الاستفهام فعل متقدم عليه ، ولأن الجملة التي بعدها تصير حينئذ غير مرتبطة ، وإنما هي منصوبة بما بعدها على الحال ، وفعل النظر معلق ، وهي وما بعدها بدل من الإبل بدل اشتمال ، والمعنى إلى الإبل كيفية خلقها ، ومثله (ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل ) ومثلهما في إبدال جملة فيها كيف من اسم مفرد قوله :
 إلى الله أشكو بالمدينة حاجة * وبالشام أخرى كيف يلتقيان
 أي أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما) مغني اللبيب ج 1 ص 273.
المثال الثالث :
قال الأخ الكريم ((ويجيب على السؤال بقوله: أكيد سيكون الجواب: لا ندري ولكن وجدنا آباءنا وأجدادنا له ضاربين.
وهذه محاولة فجة وغير مقبولة من الكاتب لمعارضة كتاب الله في قوله ﴿ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴾ من غير مناسبة على الإطلاق، مع ذكر عبارة عامية قبلها بقوله: أكيد سيكون الجواب... )) انتهى.
أقول :
أ‌- عبارة (معارضة كتاب الله) لها معنى خاص, وهو أن يحاول إنسان تحدي إعجاز القرآن بالإتيان بمثله. وليس هناك عاقل يفهم من كلامي هذا الأمر الخطير .
ب‌- يقول السيد الخوئي (وليس معنى المعارضة أن يقلّد الكلام المعارض في تركيبه وأسلوبه, ويتصرف فيه بتبديل بعض ألفاظه ببعض) البيان في تفسير القرآن ص 96. وهذا نص من أحد العلماء على أن ما قمت به أساساً لا يعد من معارضة القرآن الكريم.
ج-  متى أصبحت الاستفادة من التعبيرات والصور القرآنية معارضة للقرآن الكريم؟؟!! وهي أبواب مشهورة يعرفها كل الناس لا سيما الشعراء ومن درس البلاغة.
وإليك مقطعاً من كتاب مختصر المعاني – وهو من الكتب الحوزوية في مرحلة المقدمات أيضاً- :
يقول سعد الدين التفتازاني [ ( وهو ) أي الاقتباس ( ضربان ) أحدهما ( ما لم ينقل فيه المقتبس عنه معناه الأصلي كما تقدم ) من الأمثلة ( و ) الثاني ( خلافه ) أي ما نقل فيه المقتبس عن معناه الأصلي ( كقول ابن الرومي لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي ، لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع ) هذا مقتبس من قوله تعالى (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) لكن معناه في القرآن واد لا ماء فيه ولا نبات وقد نقله ابن الرومي إلى جانب لا خير فيه ولا نفع ( ولا بأس بتغيير يسير ) في اللفظ المقتبس ( للوزن أو غيره كقوله ) أي كقول بعض المغاربة ( قد كان ) أي وقع ( ما خفت أن يكونا ، إنا إلى إليه راجعونا ) وفى القرآن إنا لله وإنا إليه راجعون] مختصر المعاني ص 309 – 310.

ومن الضروري أن أقول: بأني لم أدع العصمة لأي فعل من أفعالي, أو لأي مقال من مقالاتي, فالعصمة لأهلها. ولا شك أن مقالاتي وخطبي لا تخلو من أخطاء لغوية وغيرها. ولكني أستغرب ممن ينصب نفسه عميداً للأدب العربي, ثم يخبط خبط عشواء وهو بصدد إقامة (محكمة في اللغة العربية), وقد عرفت بعض الأمثلة على تخبطه, وفي هذا كفاية, وأربأ بنفسي عن النزول إلى مستوى تتبع هفوات الأخ الكريم النحوية أو الإملائية  أو غيرها.

مقالات ذات صلة

تعلیقات