الوصاية على المجتمع

الوصاية على المجتمع

 

·      إطلالة على عبارة (الوصاية على المجتمع) :

 

هناك عدة من المصطلحات يكثر استعمالها على الألسن أو الأقلام تحت صبغة أنها علامات تدل على انتماء مستعملها إلى الطبقة الراقية مادياً أو ثقافياً, ككلمة (برستيج) (اتكيت), والتلاعب في التعبير مثل (الهروب نحو الأمام) , و(السقوط إلى الأعلى), وهكذا (الرأي والرأي الآخر) وأمثالها.

إذن هذه المصطلحات تمثل في بعد من أبعادها إلى ديكور ومظهر انتماء إلى طبقة ما, لذا يكثر البعض من استعمالها ليوحي إلى نفسه وللآخرين بأنه من الطبقة المثقفة أو الراقية مادياً.

كما أن مصطلح (الوصاية على المجتمع) يستعمل في كثير من الأحيان لتشويه صورة الآخر, وذلك على حد وصم الآخر بــ (الإرهابي) أو (المجتمع الذكوري) أو (التحجر والرجعية) أو غيره من المصطلحات التي تحمل في طياتها رفض الآخر وتشويهه.

·      ما معنى (الوصاية على المجتمع)  ؟

تتلخص الفكرة في وجود فرد أو  مجموعة أفراد يجمعهم رابط مشترك كالقبيلة أو العقيدة سواء كانت دينية أو عقيدة لا دينية أو غيرها من الروابط، تحاول تلك المجموعة منع المجتمع من التفكير واتخاذ القرار, بل يتفرد ذلك الفرد أو تلك المجموعة بالتفكير نيابة عن المجتمع ويفرضون أفكارهم بشتى الوسائل، وعلى الآخرين الامتثال لهم، وإلا ستمارس ضدهم شتى أصناف العقوبات.

فالأمر أقرب ما يكون إلى تشبيه المجتمع بالطفل الصغير الذي لا يقوى على التفكير واتخاذ القرار, ولا يقوى على تدبير ما يصلحه ويقوم بشؤونه, وقد فقد الطفل الصغير أباه وجده فأصبح بحاجة إلى وصيّ ليدير شؤون الطفل العاجز.

وهكذا نجد (المجتمع) - بنظر البعض – طفلاً عاجزاً لا يستطيع اتخاذ القرار, ولا يستطيع إدارة مقدراته وثرواته فيحتاج إلى الوصي عليه.

وفي مقابل هذه النظرة, نجد نظرة أخرى إلى المجتمع بأنه وصل إلى مرحلة من النضج كنضج الرجل اليافع الرشيد, وأصبح بإمكانه أن يعرف الحق من الباطل, ويستطيع أن يدير ثرواته ومقدارته بنفسه, ويستطيع أن يتخذ القرار ويتحمل النتيجة بنفسه.

·      الوصاية درجات متفاوتة :

بناء على ما تقدّم يتضح أن الوصاية التي يحاول فرضها على المجتمع على درجات متفاوتة, فالحكام المستبدون والطغاة يعتبرون من أبرز مظاهر الوصاية إذ الشعب في رؤيتهم لم يصل إلى مستوى من النضج ليشارك في صنع القرار أو تطبيقه. ويصل الحال في بعض الحكام كيزيد بن معاوية حيث يمارس بشكل أو بآخر دعوى الربوبية أو ما يقاربها, فيأخذ من الناس البيعة على أساس أنهم عبيد ليزيد يبيعهم كما يشاء, وعلى نهجه سار الحجّاج بن يوسف الثقفي وصدّام حسين وآخرون. وهكذا يحاول الطغاة السيطرة على المستضعفين حتى في طريقة التفكير وما يدور في خلدهم.

·      الوصاية على المذهب أو الدين :

هناك من يمارس الوصاية على الدين, فهو الممثل الوحيد لذلك الدين, ولا يمكن فهم الدين إلا من خلاله, ولا يمكن تطبيق الدين إلا على يده. وهناك أيضاً من يمارس الوصاية على المذهب فيصبح هو الممثل للمذهب أو الممثل للعقيدة الصحيحة أو التامة, لذا فمن لا ينتمي إليه فهو ضعيف العقيدة أو صاحب عقيدة مهجنة أو ما شابه. وهكذا يصبح المؤيد لظاهرة أو سلوك ما قوي العقيدة, ومن يعارضه ضعيف العقيدة, أو بالعكس... وهكذا في بقية الأمثلة.

·      الفرق بين الدعوة وبين الوصاية :

كل مدرسة فكرية وكل حزب سياسي أو اجتماعي يسعى بما أوتي من قوة إلى بسط أفكاره ونفوذه على الأمة لتكون مدرسته أو حزبه هي الرافد التي ترفد المجتمع, ومنه يرضع المجتمع الحقيقة والمنهج, فالعلماني إنما يسعى لنشر العلمانية لا الإسلام, ويضع البرامج والخطط والمشاريع في سبيل نشر العلمانية, وفي المقابل أيضاً تجد الإسلاميين يسعون لنشر الإسلام بحيث يكون هو المسيطر والمحرّك للأمة.

إذن سعي كل شخص أو تيار لنشر فكره وبرمجة الأمة وفق تلك الرؤى والأدوات لا يعد من الوصاية إلا إذا كان بأسلوب القوة والعنف وسلب حق اتخاذ القرار والاختيار من الأمة.من هنا نرفض وصف كل دعوة إسلامية بوصمة أنها وصاية على المجتمع لمجرد السعي إلى نشرها وتطبيقها. 

وفي المقابل نجد قطاعاً من النخب العلمانية تمارس دور محاكم التفتيش بأسلوب حديث، لتكون هي الوصي على المجتمع من جهة, وعلى التعاليم الليبرالية من جهة أخرى, فهي تتصرف بناء على كونها هي الممثل لذلك التيار والقادر على فهم جزئياته وكل شؤونه, أما غيرهم فهو متطفل على العلمانية والليبرالية. فهي وصاية مزدوجة, وصاية على المجتمع ووصاية على الفكر ذاته الذي يدعو له.

·      الدوافع والآثار للوصاية :

أما الدوافع :

1.    قد يصل الإنسان إلى قناعة أن الفكر أو المجتمع بحاجة إلى وصايته. و بدون أن يمارس هو هذا الدور قد يضيع الفكر أو المجتمع.

2.    إحساس الإنسان بضعفه الفكري أو الاجتماعي .. حتى يغطي هذا الضعف و يستره بأن يقوم بالوصاية على الفكر و يقصي منافسيه باستعمال الإشاعات وغيرها ليكون هو الوحيد الممثل للفكر وللمدرسة في المجتمع. فهو لا يستطيع أن يثبت جدارته؛ لذا يختبئ خلف الألقاب والمناصب وصرف الأنظار عن منافسيه.

3.    الحسد .. فعندما يحسد الإنسان غيره يحاول إقصاءه, فيرفض أن ينظر إليهما نظرة تقييم بل يرى نفسه فوق أن يقرن أو يقاس بالآخر.

4.    حب الدنيا .. و لا شك أن صفة (دعاة التوحيد الخالص) أو (أصحاب العقيدة الصحيحة) مثلاً منصب يطمح إليه الكثير .

وأما الآثار :

1.    محاولة فرض الوصاية يؤدي إلى نزاع من الآخرين, وبالتالي استنزاف مقدرات الأمة في هذا الصراع, وتمزّق الأمة وضعفها وذهاب الريح والقوة.

2.    في حال التمكن من فرض الوصاية ؛ عندئذ تفتقد الأمة التعددية والتنوع في الأفكار والآراء، ما يؤدي إلى الجمود وسيادة نمطية واحدة من التفكير والنظر. 

·      هل الإلزام بالقانون يعتبر وصاية مذمومة ؟

عندما ينتخب الشعب مثلاً مجلس الشورى أو مجلس الأمة أو ما شابه, ويقوم ذلك المجلس بإمضاء قرار, عندئذ فمطالبة جميع الشعب بتطبيق ذلك القرار لا يكون من باب فرض الوصاية عليهم, بل هذا القرار والإلزام بتطبيقه هو مقتضى العدل ونتيجة لفعل الإنسان ذاته وقراره السابق, وليس من باب الوصاية عليه.

وبذلك اتضح :

1. الدستور إذا كان بالأغلبية, فمحاولة تطبيقه على الجميع لا تكون وصاية مرفوضة, بل هو تطبيق لما اختاره الشعب بنفسه.

2. ليس كل ألوان الجبر أو تضييق الميول الشخصية يعتبر من الوصاية الممقوتة, وإلا لكان رفض الوصاية يساوق عندئذ المطالبة بأن يكون المجتمع منفلتاً بلا نظام ولا قانون يحكمه.

أما القوانين التي تفرض على الشعب دون أن يكون له دور فيها, لا شك أنها لون واضح وصريح من الوصاية التي قد تصل في بعض الأحيان إلى دعوى الربوبية عند الطغاة.

·      هل الإسلاميون يرون حقهم بالوصاية على المجتمع ؟

الدين الإسلامي يرى نفسه أنه أحق بالسيطرة على الكرة الأرضية كاملة (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) لا سيما وهو الدين الذي أنزله الخالق الرب, ولكن الطريق الذي رسمه لذلك هو الأخلاق والإقناع بالدليل كحالة افتراضية (وإنك لعلى خلق عظيم) (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (لست عليهم بمصيطر), وإن بقي للقتال والعنف بعض المجالات أو المساحات .

وبناء على ما تقدّم من نقاط يتضح أن الإسلاميين يرون حركة المجتمع يجب أن تكون داخل دائرة الإسلام وفي إطاره, لا خارجه ولا في مقابله ومخالفته.

إذن :

1-   نسعى لسيطرة الإسلام على المجتمع ليكون هو المنبع الوحيد, وليتغذى المجتمع عليه ويرضع منه.

2-   الطريق الافتراضي والأساس هو الإقناع بالأخلاق والفكر السليم الواضح.

3-   نسمح بالاجتهاد في فهم الإسلام لمن يحمل المؤهلات لذلك.

4-   نرفض التلاعب في المفاهيم والأحكام الدينية تحت أي ذريعة أو زخرف.

ولتوضيح الفكرة:

عندما يريد إنسان أن يمارس التنظير للدين, فمن الطبيعي أن يحيط بالمقدار الكافي بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة, ويستطيع التمييز بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف وأمثال ذلك من الشرائط للاجتهاد في الدين, أما من يفتقد هذه الإحاطة ويريد التنظير للدين تحت ذريعة تعدد القراءات مثلاً, فهو لا يريد التنظير للدين في الواقع – إذ هو لم يحط بالأدلة الشرعية- بل هو ينظر لهواه وميولاته ويلصقها بالدين. من هنا برزت وما زالت تبرز على السطح بين فينة وأخرى فتاوى جديدة تتصادم مع الكثير من الأدلة الشرعية ودون أن يكون لصاحب الفتوى جواباً على تلك الأدلة المعارضة لفتواه. ومنع هؤلاء من الفتوى لا يدخل تحت عنوان الوصاية المذمومة أبداً, بل هو كمنع أي إنسان من ممارسة مهنة الطب أو  الهندسة المعمارية أو غيرها قبل أن يدرس سنوات في الكلية المتخصصة  ويتخرج منها. فهل منع هؤلاء من ممارسة تلك المهن قبل الدراسة يعتبر من الوصاية المذمومة عند العقلاء, أم هو واجب عقلائي وديني ووطني في سبيل المحافظة على أرواح الناس وأجسادهم وأديانهم ؟!!

·      هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من الوصاية ؟

عندما آمن الإنسان بالإنسان واعتنقه, فهو يلتزم بجميع ما في الإسلام من بنود وأحكام, لا سيما ضروريات الدين. ومن ضروريات الدين التي يعرفها الجميع ونطقت به العديد من الآيات القرآنية بشكل صريح وواضح, وتواتر في الأحاديث والسنة, واتفق عليها جميع الفقهاء هو مسألة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق شروط ومراتب ومراحل.

ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ليست سلطة وعلو, بل مسؤولية وواجب ديني يهدف إلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر, ليساعد بعضنا بعضاً في التغلب على مصائد ومكائد الشيطان الرجيم. فهي أشبه بإنقاذ إنسان من الانجرار  والغرق في وحل ومستنقع المخدرات.

نحن ندرك خطورة المخدرات, ولا نرى النهي عنها تدخلاً في الشؤون الشخصية, بل إنقاذ لذلك الشخص ولعائلته من عواقب المخدرات. ولكنا لا ندرك خطورة الذنوب والمعاصي في تحطيم الحياة الدنيوية والأخروية للإنسان وللمجتمع كله, فالذنوب تغيّر النعم, وتنزل النقم, وتحبس قطر السماء, وتوجب غضب الله تعالى .... الخ.

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }التوبة71.

إذن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من باب الوصاية على الأطفال الصغار, بل من باب الولاية وإعانة الآخر ونصره وتأييده في حربه ضد إبليس والدنيا والأهواء.

·      هل يمارس رجال الدين المحليون وصاية على المجتمع ؟

1. لست بصدد الحديث عن شخصية معينة لنعطي حكماً بشأن تصرفاتها أو أفعالها, ولكن تقدمت الضابطة الكلية لمعنى الوصاية, ولمعنى الدعوة, وتحدثنا عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأسلوب العمل الافتراضي, ولكن يبقى مجال واسع للاختلاف في تطبيق ما تقدّم في الخارج, فهذا (الشيخ) يعمل ويسعى فيتهمه البعض بممارسة الوصاية على المجتمع, وتارة يتهم بالتخاذل وعدم القيام بالوظيفة الشرعية والواجب الوطني والاجتماعي. إذن المسألة تخضع لما يراه المقيّم نفسه من واجبات وحقوق, وتقييمه لطريقة عمل هذا أو ذلك. فما يراه الأول وصاية مذمومة, يراه الثاني واجباً دينياً ووطنياً, وهكذا.

2. من الواضح أن رجال الدين وطلاب العلوم الدينية في بلادنا لا يمارسون أي وصاية على صعيد الفتوى والحكم, فذلك من مختصات مراجع الدين, أما فيما يرتبط بتشخيص المواضيع فيجب أن ندرك ما يلي:

أ- هناك صنف من القضايا الفقهية بحاجة إلى المجتهد الجامع للشرائط ليقوم بتطبيقها على المجتمع, ولا يمكن فتح المجال فيها لا للمشائخ ولا لغيرهم من أبناء المجتمع.

ب- بعض المسائل راجعة إلى تشخيص المكلف ذاته, فلا يكون تشخيص إنسان آخر حجة عليه. وتبقى مساحة واسعة للاختلاف الموضوعي من جهة, وللتلاعب من جهة أخرى.

ولنأت بمثال واقعي: حيث قام بعض المنشدين أو الرواديد بإدخال ألحان استوردها من أغاني راقصة, ومع ذلك يزعم بأنه غير مطربة, ولا أعلم هل يخادع نفسه أو الجمهور أو ربه عزّ وجلّ.

في مثل هذه القضايا نحن بحاجة إلى لجان تقييم جودة من ناحية الفكر ومن ناحية اللحن وغيرها. وتقوم تلك اللجان بتقييم تلك الإصدارات, والسماح بالجيد ومنع الرديء, وليس هذا من باب الوصاية المذمومة, بل هو على نسق اللجان المتخصصة في تقييم جودة (الأطعمة والآلات الكهربائية) وغيرها قبل أن يسمح بدخولها إلى السوق المحلية. ولعمر الحق فإن الاهتمام بالأغذية الروحية والفكرية أولى بكثـــــــــــــير من الاهتمام بالأغذية الجسدية.

ج- الصحيح في القضايا التي لها مساس بالمجتمع بشكل عام أن يكون هناك تشاور وتبادل وجهات نظر, فلا يستقل كل إنسان بتشخيصه ويريد أن يفرض رأيه على المجتمع.

وبعبارة أخرى: القضايا العامة بحاجة إلى تشاور وتعاون, وبحاجة إلى وضع آلية لئلا يكون المجتمع هو الفريسة.

والله ولي التوفيق.

مقالات ذات صلة

تعلیقات