وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ

وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ

قال الله تعالى (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف : 29].
الله سبحانه هو العدل, وقد أمر عباده بالعدل والقسط. وهذا العدل لا يقتصر على جانب واحد من جوانب الحياة, فالإنسان عليه أن يقوم بحقوق الله تعالى وحقوق الوالدين والزوجة والأولاد والعمل والنفس وغيرها من الحقوق.
ومن الخطأ الذي قد يقع فيه الإنسان هو أن يهمل جانباً ما, ولا يقوم بحقه. وهذا الظلم يمنع الإنسان من الانطلاق إلى رحاب العبادة والخشوع والخضوع. إذ كيف يخشع قلب وجوارح تعصي الله تعالى ولا تقوم بالحقوق الواجبة عليها تجاه الآخرين.
إذن القسط مقدمة ضرورية لإقامة الوجوه عند كل مسجد, فما المقصود من إقامة الوجوه؟
هنا ذكرت عدة آراء, منها:
1- إن معناه توجهوا إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة.
2- إن معناه أقيموا وجوهكم إلى الجهة التي أمركم الله بالتوجه إليها في صلاتكم، وهي الكعبة، والمراد بالمسجد أوقات السجود، وهي أوقات الصلاة.
3- إن المراد إذا أدركتم الصلاة في مسجد، فصلّوا ولا تؤخروا الصلاة إلى أن ترجعوا إلى مسجدكم، والمراد بالمسجد موضع السجود.
4- إن معناه اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة فريضة.

ولكن الأقرب هو ما يلي:
لاحظوا قوله تعالى (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام : 79].
ليس المقصود من الوجه هنا هو الوجه المادي, بل الإقبال والاهتمام والسعي. فهو يبحث عن الله تعالى.
إذن هنا مقام: توجيه الوجه إلى فاطر السماوات والأرض.
وهناك مقام آخر: وهو مقام إقامة الوجه, أي الاستمرار والثبات والاستقامة على ذلك. وهنا نتذكر قول الإمام السجّاد – عليه السلام- (وأستغفرك من كل لذة بغير ذكرك، ومن كل راحة بغير أنسك, ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك). كما أن الإنسان أثناء صلاته قد يعرض عليه سرحان الفكر والعقل, لذا فهو بحاجة إلى التكبير قبل الركوع وقبل وبعد السجود, وذلك ليرجع حضور قلبه بدرجة أشد, فليس هناك أمر يستحق التفكير به أثناء الصلاة إلا الله. إذن توجيه القلب والوجه في بداية الصلاة؛ بحاجة إلى استمرار وثبات وإقامة.
إذا وصلنا إلى هذا المقام عندئذ نكون مؤهلين لندعو الله تعالى مخلصين له الدين بلا شك أو شرك. أما قبل إقامة الوجوه, فقد يدعو الإنسان ربه, ولكنه يدعو وقلبه متعلق بالأسباب وينسى المسبب الحقيقي وهو الرب.
وفي نهاية الآية الكريمة يقيم القرآن الكريم الدليل على المعاد. فإن البشر قد يستبعد وينكر المعاد وقدرة الخالق على ذلك. فالذي خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً, هو أقدر على إعادته. فالبشر يرى بنفسه أن تأسيس الشيء وإبداعه أصعب بكثير من إعادته. قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الروم : 27].

مقالات ذات صلة

تعلیقات