ضوضاء القيل والقال

ضوضاء القيل والقال

روى الكليني بإسناده عن أبي الجارود قال : قال أبو جعفر عليه السلام : إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله ، ثم قال في بعض حديثه ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن القيل والقال ، وفساد المال، وكثرة السؤال ، فقيل له : يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله ؟ قال : إنّ الله عزّ وجلّ يقول : " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " وقال : "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً " وقال : " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " .
المصدر : الكافي 1: 59 , ح 5 .
سند الحديث :
الظاهر أن الحديث معتبر سنداً , إذ ليس فيه من يتوقف فيه إلا أبا الجارود, إلا أن الشيخ المفيد ذكره في الرسالة العددية بأنه من الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام ، والفتيا والأحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم .
ولا يبعد أن يكون أصله من الأصول التي اعتمد عليها الشيخ الصدوق في كتابه " من لا يحضره الفقيه" .
مؤيدات الحديث أعلاه :
أخرج البخاري :  كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الله كره لكم ثلاثاً, قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال . (صحيح البخاري 2 : 131) .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إن الله يرضى لكم ثلاثاً, ويكره لكم ثلاثاً, فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً, وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا, ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال . (صحيح مسلم 5 : 130).
التلوث السمعي :
التلوث المحيط بنا أنواع وأصناف مختلفة , منها التلوث البيئي , والتلوث الهوائي, ومنها أيضاً التلوث السمعي " الضوضاء " .
وقد اختلف العلماء في تفسير الضوضاء , ففي الموسوعة البريطانية " هو الصوت الغير مطلوب " وفي الموسوعة الأمريكية " هو الصوت الغير مرغوب" .
مصادر التلوث السمعي :
هي متعددة , نذكر منها :
1-    الصوت المرتفع للأجهزة كالتلفاز , والمذياع .
2-    صوت بوق السيارة , والفرامل , وصوت المحرك للسيارات أو الباصات القديمة.
3-    صوت المصانع .
4-    صوت جرس الباب .
5-    عمليات البناء أو الهدم .
أنواع التلوث السمعي :
العلماء المعاصرون يقصدون من التلوث السمعي درجة قوة الصوت وحدته, أما الإسلام فقد ذكر أبعاداً أخرى للتلوث السمعي , فهو تارة تلوث سمعي نوعي , كسماع الغيبة أو النميمة أو الغناء, وتارة تلوث سمعي كمي أي كثرة ما يسمعه الإنسان وتراكمه في الذهن بحيث يفقد الإنسان قدرته على التمييز أو التركيز ,  لهذا ورد " إذا ازدحم الجواب خفي الصواب " وجاء أيضاً النهي عن كثرة القيل والقال, وغير ذلك .
معنى النهي عن القيل والقال :
1- قيل: المراد أنه – صلّى الله عليه وآله- نهى عن فضول ما يتحدث به المتحدثون وزوائد ما يتكلم به المتجالسون, مثل الخوض في أخبار الناس وحكاية أقوالهم وأفعالهم ونقل أحداث الزمان ووقائعها مما لا يجدي نفعاً ولا يورث حكمة ، فإن ذلك يوجب فساد القلب ورينه وميله إلى أمثال تلك المزخرفات ، واشتغاله عن تعلم ما لا بد منه من العلوم الدينية ، والمعارف اليقينية .
2-    وقيل : نهى عن كثر الكلام مبتدئاً ومجيباً . ويؤيد ذلك الروايات الكثيرة في الحث على الصمت وذم الهذر وأمثاله.
3-    وقيل : نهى عن الأقوال التي توقع الخصومة بين الناس بما يحكى لبعض عن بعض.
4- وقيل : نهى عن المناظرة في العلم والمجادلة في البحث ، فإن المناظرة لقصد الغلبة في العلم والمفاخرة بالفضل تورث النفاق والعداوة والأخلاق المهلكة والذنوب المردية والآفات الكثيرة .
 والأحسن هو القول بالتعميم وإرادة جميع هذه الأمور فإنّ كلها مذموم عقلاً ونقلاً.
توضيح ذلك : العالم من حولنا مليء بضوضاء القيل والقال, مئات القنوات الفضائية, وأمثالها من الإذاعات , ناهيك عن الجرائد والمجلات والكتب, بشتى مجالاتها وأصنافها ومستوياتها, مضافاً إلى المنتديات والمجالس والمحافل .
هي ضوضاء اختلط فيها الحابل والنابل, والمفيد بالمضر والترهات والسخافات. ومن اشتغل بالفضول فاته المأمول , ومن اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه .
وكلنا يعلم أن الضوضاء تمنع الإنسان من سماع صوت الحق, فهو ما دام داخل زوبعة القيل والقال لا يمكنه أن يسمع صوت الحق, ولا يميزه, بل يفقد قدرته على التركيز والاستيعاب . لذا ورد النهي عن كثرة القيل والقال , وورد الحث الأكيد على أن يخلو الإنسان بنفسه , لا سيما في أوقات الأسحار – حيث تقل الضوضاء – فيتأمل ويتفكر ويستمع إلى صوت الفطرة الصافي , ويتلو كلام الله تعالى ويناجي ربه , كل ذلك بعيداً عن الصخب والضوضاء , قال الله تعالى (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران : 191] .  
ومن وصايا رسول الله – صلّى الله عليه وآله - :
يا أبا ذر : إن الله عز وجل عند لسان كل قائل ، فليتق الله امرؤ وليعلم ما يقول .
يا أبا ذر : اترك فضول الكلام وحسبك من الكلام ما تبلغ به حاجتك .
يا أبا ذر : كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع .
يا أبا ذر : ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان .
(مكارم الأخلاق : 467).
وعقد مسلم في صحيحه باباً أسماه ( باب النهي عن الحديث بكل ما سمع),وذكر في عدة أحاديث منها : قال رسول الله – صلّى الله عليه وآله – كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع . (صحيح مسلم 1 : 8).
معنى النهي عن فساد المال :
أي نهى عن فعل ما يوجب فساد المال مثل صرفه في غير الجهات المشروعة, وترك ضبطه وحفظه, وإعطاء الدين دون إشهاد, وإيداعه عند الخائن وأمثال ذلك .
معنى النهي عن كثرة السؤال :
هو كثرة السؤال عن أمور لا يحتاجونها ، سواء كانت من الأمور الدنيوية أو الدينية , ومنها الأسئلة والفرضيات البعيدة التي لا واقع لها ولا فائدة سوى التنطعات والتفلسف الفارغ والجدل العقيم وإضاعة الوقت والعمر.
ولعل منه كثرة السؤال عن أحوال الآخرين وتفاصيل حياتهم بحيث يصل إلى درجة الفضول والتدخل في خصوصياتهم وحياتهم.
وفيه أيضاً حث على ترك الجاهل الإلحاح في السؤال إذا كان لا يقدر على إدراك حقائق الأشياء كما هي, ومعرفة أصول العقائد كما ينبغي, وفهم غوامض المسائل من أحوال المبدأ والمعاد والجبر والقدر والتفويض وأمثال ذلك ، فإن ولوغه في ذلك يوجب حيرته وضلالته وكفره ، والأسلم له أن يكون من أهل التسليم والانقياد.
ويحتمل أن يكون السؤال هنا بمعنى الطلب والاستجداء, والمراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم .

مقالات ذات صلة

تعلیقات