و لكم في القصاص حياة

و لكم في القصاص حياة

كانت العرب في الجاهلية إذا اعتدى فرد عليهم أباحوا دمه و دم قومه . و ليس بخاف ما جرى بين بكر و تغلب من حرب سميت بحرب البسوس , و كان باعثها عدوان كليب وائل على ناقة لما رآها في مرعى قد حماه , فهرعت البسوس تنشد الشعر , فثار جساس بن مرة فطعن كليبا طعنة أثقلته فمات منه . و دامت الحرب أربعين سنة سفكت فيها الدماء و أبيحث فيها الأعراض و هلك فيها الحرث و النسل . و ليست حرب داحس و الغبراء عنها ببعيد . و عندما بزغ نور الإسلام في مكة المكرمة كان من أهم مقاصد الشريعة حفظ الأنفس و حقن الدماء و إعمار الأرض , فأنزل الله في كتابه العزيز{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة — 179 . فمن همّ بالقتل فتذكر القصاص يرتدع عن القتل فكان ذلك حياة له و لمن همّ بقتله ، و من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض يقتل بمفرده و لا ذنب لأهله و لا لأهل القتيل . فكان القصاص حياة للفرد وللمجتمع. و حيث وصفت الآية القصاص بأنه حياة فدّل ذلك على أن تشريع غيره كالسجن المؤبد لا يؤدي إلى الهدف . و القصاص ليس وحشية أو ظلم فهو كبتر العضو من الجسد في سبيل بقاء الجسد على قيد الحياة . وأينما تتعطل الحدود الإلهية تنتشر الجرائم , فقدأعلن مكتب التحقيقات الاتحادي الامريكي ان عدد جرائم القتل وحالات الاغتصابالمسجلة في الولايات المتحدة زاد عام 2002. وذكر مكتب التحقيقات في تقريرهالسنوي عن الجريمة في الولايات المتحدة أن جرائم القتل زادت بنسبة 1% ووصلت إلى16204جريمة مقارنة بعام 2001.

نعم حثّ الإسلام على العفو عن المذنب في حقنا ما لم يصل إلى حد الإفساد و الحرابة . إلا أن المصلحة العامة قائمة على تشريع حق القصاص في حالات العمد , مع الندب إلى الرحمة و الرأفة .

كسرت الربيع - وهى ابنة النضر - ثنية جارية فطلبوا الأرش وطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فقال أنس ابن النضر أ تكسر ثنية الربيع يا رسول الله ؟! لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال: يا أنس كتاب الله القصاص. فرضي القوم وعفوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو اقسم على الله لأبره . زاد الفزارى عن حميد عن أنس فرضى القوم وقبلوا الأرش .أخرجه البخاري .و كانت العرب تقول ( القتل أنفى للقتل ) . إلا أن القرآن معجزة في كل شأن من شؤونه , فلا مقارنة بين الآية الكريمة و بين هذه العبارة و أمثالها , و يمكن أن نذكر بعض الوجوه :

أحدها —الآية الكريمة أكثر فائدة , لما فيها من إبانة العدل لذكره القصاص , وإبانة الهدف و الغرض و هو الحياة , و استدعاء أولي الألباب .

و ثانيها -أنها أوجز في العبارة , فحروف ( في القصاص حياة ) مع التنوين أحد عشر وحروف ( القتل أنفى للقتل ) أربعة عشرة , علماً أن المدار على الحروف الملفوظة لا المكتوبة .

و ثالثها —خلو الآية من تكرار الكلمة .

و رابعها -أنها أحسن تأليفا بالحروف المتلائمة . فإن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة ، لبعد الهمزة من اللام . وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام .

و خامسها -ما يفيده تنكير " حياة " من التعظيم و التكثير .

و سادسها —اطراد المعنى في الآية . فالقصاص مطلقا سبب للحياة بخلاف القتل فانه قد يكون انفي للقتل كالذي على وجه القصاص وقد يكون ادعى له كالقتل ظلما .

و سابعها-استغناء الآية عن تقدير محذوف , بخلاف قولهم فإن تقديره القتل أنفى للقتل من تركه .

و ثامنها-اشتمال الآية على صنعة المطابقة وهي الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة كالقصاص والحياة .

و تاسعها - تضمن الآية للحث والترغيب فإنها تدل على حياة مذخورة للناس عند تطبيقهم لهذا الحكم .

و عاشرها — مشّرع القصاص لا يريد بقوله هذا إلا حفظ منافعهم ورعاية مصلحتهم من غير عائد يعود إليه حيث قال ( و لكم ).

و كلما زدت في الآية تدبرا زادتك في تجلياتها بجمالها وغلبتك بنورها , وكلمة الله هي العليا .

مقالات ذات صلة

تعلیقات