إن عدة الشهور عند الله

إن عدة الشهور عند الله

المحور الأول: قال الله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ .... ) [التوبة : 36].
النقطة الأولى: من المتفق عليه بين البشر – في حدود ما نعلم – أن عدد الشهور اثنا عشر, سواء كانت السنة هجرية قمرية أو هجرية شمسية أو ميلادية أو رومانية أو غير ذلك.
النقطة الثانية: هذه الآية الكريمة تنص على أن هذا العدد ثابت ومقرر عند الله تعالى في كتابه يوم خلق السماوات والأرض. ولم يظهر لنا في حدود ما طالعنا من تفاسير وجه التأكيد على هذه النقطة بعدة ألفاظ متتالية (عند الله) (في كتاب الله) (يوم خلق السماوات والأرض). ولكن يبقى أن هذه القيود تدل على أن هذه العدة لا سبيل للتغير والاختلاف إليها لكونها عند الله كذلك ولا يتغير علمه.
النقطة الثالثة: المراد بالشهور القمرية, والدليل عليه الاتفاق على أن الأشهر الحرم أنما هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. ولم يقل أحد من العلماء بغير ذلك. ويؤيد ذلك أن العبادات الشرعية مرتبطة بالأشهر القمرية, فالصيام في شهر رمضان, والحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. وصيام أيام البيض وأعمال أول الشهر وآخره وأعمال شهر رجب وشهر شعبان, وأوقات عقد النكاح والجماع وغير ذلك, كل هذا مرتبط بالأشهر القمرية.
النقطة الرابعة: معنى " حرم " أنه يعظم انتهاك المحارم فيها أكثر مما يعظم في غيرها. وإنما جعل الله تعالى بعض الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم في ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها، فعظم منزلتها، وأنه ربما أدّى ذلك إلى ترك الظلم أصلاً لانطفاء النائرة تلك المدة وانكسار الحمية، فإن الأشياء تجر إلى أشكالها.
قيل أن حرمتها من شريعة خليل الرحمن إبراهيم – عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام- ، وكانت العرب تحترمها حتى في الجاهلية حتى أن الرجل لو لقي قاتل أبيه لم يهجه لحرمته, غير أنهم ربما كانوا يحولون الحرمة من شهر إلى شهر سنة أو أزيد منها بالنسيء.
النقطة الخامسة: قوله : ( ذلك الدين القيم ) ، الإشارة إلى حرمة الأربعة المذكورة ،والدين كما تطلق على مجموع ما أنزله الله على أنبيائه تطلق على بعض الأحكام, فالمعنى أن تحريم الأربعة من الشهور القمرية هو الدين الذي يقوم بمصالح العباد. كما يشير إليه في قوله : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ).
النقطة السادسة: قوله " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " نهي منه تعالى لخلقه عن أن يظلموا أنفسهم, لأن من فعل قبيحاً يستحق عليه العقاب فقد ظلم نفسه بذلك بإدخال الضرر عليها. والضمير راجع إلى الأشهر الحرم ولا يرجع إلى الاثني عشر شهراً, ويدل عليه :
1-      لو كان راجعاً إلى (اثنا عشر) المذكور سابقاً لكان الظاهر أن يقال (فلا تظلموا فيها أنفسهم), لا (فيهن).
2-      لو كان راجعا إلى ( اثنا عشر) وهى تمام السنة لقال : فلا تظلموا أنفسكم أبداً.
3-      لا يظهر وجه لتفريع عدم الظلم على عدة الشهور اثنا عشر. ولكن لما كانت الأشهر الحرم أربعة تفرع على حرمتها عند الله أن تكفوا فيها عن ظلم أنفسكم رعاية لحرمتها وعظم منزلتها عند الله سبحانه, فإنما هي أربعة أشهر فإن لم تتق الله تعالى طوال السنة فلا أقل من رعاية الحرمة وعدم ظلم النفس في هذه الأشهر القليلة.
4-      الأشهر الحرم أقرب  لفظاً إلى الضمير, وعود الضمير إلى الأقرب أولى.
 
المحور الثاني: قوله تعالى : " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ".
الله سبحانه جعل الكعبة بيتاً حراماً احترمه، وجعل بعض الشهور حراماً، ووصل بينهما حكماً كالحج في ذي الحجة الحرام وجعل هناك أمورا تناسب الحرمة كالهدى والقلائد كل ذلك لتعتمد عليه حياة الناس الاجتماعية السعيدة . فإنه جعل البيت الحرام قبلة يوجه إليه الناس وجوههم في صلواتهم, ويوجهون إليه ذبائحهم وأمواتهم، ويحترمونه في جميع حالاتهم، فيتوحد بذلك جمعهم، ويجتمع به شملهم، ويحيى ويدوم به دينهم، ويحجون إليه من مختلف الأقطار وأقاصي الآفاق فيشهدون منافع لهم ، ويسلكون به طرق العبودية .
ونظير ذلك الكلام في كون الشهر الحرام قياما للناس وقد حرم الله فيه القتال ، وجعل الناس فيه في أمن من حيث دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ويصلحون فيه ما فسد أو اختل من شؤون حياتهم، والشهر الحرام بين الشهور كالموقف والمحط الذي يستريح فيه المتطرق التعبان، وبالجملة البيت الحرام والشهر الحرام وما يتعلق بذلك من هدى وقلائد قيام للناس من عامة جهات معاشهم ومعادهم .
وكان المراد من ذكر هذه الحقيقة عقيب الآيات الناهية عن الصيد هو دفع ما يتوهم أن هذه أحكام عديمة أو قليلة الجدوى، فأي فائدة لتحريم الصيد في مكان من الأمكنة أو زمان من الأزمنة ؟ وأي جدوى في سوق الهدى ونحو ذلك ؟ وهل هذه الأحكام إلا مشاكلة لما يوجد من النواميس الخرافية بين الأمم الجاهلة الهمجية . فأجيب عن ذلك بأن اعتبار البيت الحرام والشهر الحرام وما يتبعهما من الحكم مبنى على حقيقة علمية وأساس جدي وهو أنها قيام يقوم به صلب حياتهم.
 
المحور الثالث: قال الإمام الرضا – عليه السلام- ( يا بن شبيب ، إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته ، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها (صلى الله عليه وآله) ، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته ، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله ، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً) .
ومع جميع ما للكعبة المشرفة من حرمة ومكانة عند الله تعالى, إلا أن حرمة المؤمن أعظم وأعلى كما نطقت بذلك الكثير من الروايات. فكيف بحرمة حبيب الله محمد وأهل بيته الذين اصطفاهم الله تعالى وجعلهم باباً لدينه, وأوجب علينا مودتهم ومحبتهم وموالاتهم والبراءة من أعدائهم.

ولكن بني أمية لم يراعوا لا الأحكام الإسلامية ولا أحكام الجاهلية وقوانينها, فقاتلوا وقتلوا ابن بنت رسول الله في محرّم الحرام. وهنا الإمام يركز على سبي نساء النبي, فتلك النسوة هن عرض الرسول – صلى الله عليه وآله-, علماً باتفاق المسلمين على حرمة وعدم صحة سبي نساء المسلمين, فكيف بنساء نبي الإسلام, وانتبهوا ثقل الرسول , فلم يرعوا لا حرمة دم ذرية الرسول ولا عرضه ولا ماله ولا أي حرمة ومكانة للرسول , فلا غفر الله لهم أبداً.

مقالات ذات صلة

تعلیقات