تقبيل آثار الصالحين

تقبيل آثار الصالحين

قال ابن تيمية في مجموع فتاواه - كتاب الحج و العمرة- ((وأما الركن اليماني فلا يقبل على القول الصحيح، وأما سائر جوانب البيت، والركنان الشاميان، ومقام إبراهيم فلا يقبّل، ولا يتمسح به باتفاق المسلمين المتبعين للسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏ فإذا لم يكن التمسح بذلك، وتقبيله مستحبًا، فأولى ألا يقبل ولا يتمسح بما هو دون ذلك‏)) انتهى.‏
 
الرد على ذلك :
أما تقبيل الركن اليماني فهو موضع خلاف عند أهل السنة ولذا قال ابن تيمية (على القول الصحيح). وحيث أن بعض العلماء قال باستحباب أو جواز تقبيل الركن اليماني فلا يصح النهي عن ذلك بحجة أنه بدعة , ولا يصح إلزام الناس بترك التقبيل كما يفعل بعض الجهلة في هذه الأعصار .
 
( أ ) إليك بعض من قال بجواز تقبيل بقية أركان الكعبة المشرفة :
قال محمد بن الشربيني  (( والمراد بعدم تقبيل الأركان الثلاثة إنما هو نفي كونه سنة ، فلو قبلهن أو غيرهن من البيت لم يكن مكروهاً ولا خلاف الأولى ، بل يكون حسناً كما نقله في الاستقصاء عن نص الشافعي ، وقال : وأي البيت قبّل فحسن ، غير أنا نؤمر بالاتباع . قال الاسنوي : فتفطن له فإنه أمر مهم)) مغني المحتاج (1/ 488).
 
قال الشرواني والعبادي (( قوله : ( ومن ثم قال الخ ) عبارة النهاية والمغني والمراد بعد تقبيل الأركان الثلاثة إنما هو نفي كونه سنة فلو قبّلها أو غيرها من البيت لم يكن مكروهاً ولا خلاف الأولى,  بل يكون حسناً كما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه بقوله وأي البيت الخ اه‍ قوله : ( أن مراده بالحسن هنا الخ ) أي فلا ينافيه قوله غير أنا نؤمر بالاتباع نهاية قوله : ( سرا الخ ) أي ما لم يخش الغلط عند الإسرار ع ش )) حواشي الشرواني (4 / 86).
 
( ب ) إليك بعض من قال بجواز التبرك بحجرة الرسول أو منبره :
قال عبد الله بن قدامه: (( قال أما المنبر فقد جاء فيه يعني ما رواه إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عبد القارئ أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه )) المغني (3 / 591) .
 
قال عبد الرحمن بن قدامه : (( قال أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم بن عبد الله بن عبد القارئ أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجه )) الشرح الكبير (3 / 496 ) .
 
قال البهوتي : (( قلت : بل قال إبراهيم الحربي يستحب تقبيل حجرة النبي (ص))) كشاف القناع (2 / 175).
 
قال ابن حجر : (( فائدة أخرى استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الأركان جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره فأما تقبيل يد الآدمي فيأتي في كتاب الأدب وأما غيره فنقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل قبره فلم ير به بأساً, واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك)) فتح الباري (3 / 380) .
 
قال العيني : ((وقال شيخنا زين الدين : وأما قول الشافعي : ومهما قبّل من البيت فحسن ، فإنه لم يرد بالحسن مشروعية ذلك ، بل أراد إباحة ذلك ، والمباح من جملة الحسن ، كما ذكره الأصوليون . قلت : فيه نظر لا يخفى ، وقال أيضاً : وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك ، وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية ، وقد سأل أبو هريرة الحسن ، رضي الله تعالى عنه ، أن يكشف له المكان الذي قبّله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سرته ، فقبّله تبركاً بآثاره وذريته ، صلى الله عليه وسلم ، وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس ، رضي الله تعالى عنه ، حتى يقبّلها ، ويقول : يد مست يد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
 وقال أيضاً : وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال : رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ ، أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وتقبيل منبره ، فقال : لا بأس بذلك ، قال : فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك ، ويقول : عجبت أحمد عندي جليل يقوله ؟ هذا كلامه أو معنى كلامه ؟ وقال : وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به ، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة ؟ وكيف بآثار الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ؟ ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول :
* أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدار *
* وما حب الدار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا *
وقال المحب الطبري : ويمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل ما في تقبيله تعظيم الله تعالى ، فإنه إن لم يرد فيه خبر بالندب لم يرد بالكراهة . قال : وقد رأيت في بعض تعاليق جدي محمد بن أبي بكر ، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الصيف : أن بعضهم كان إذا رأى المصاحف قبّلها ، وإذا رأى أجزاء الحديث قبّلها ، وإذا رأى قبور الصالحين قبّلها ، قال : ولا يبعد هذا ، والله أعلم في كل ما فيه تعظيم لله تعالى )) عمدة القاري ( 9 / 241 ).
 
( ج ) إليك بعض من قال بجواز تقبيل قبور الصالحين :
قال الشرواني والعبادي : ((  نعم إن قصد بتقبيل أضرحتهم التبرك لم يكره كما أفتى به الوالد رحمه الله فقد صرحوا بأنه إذا عجز عن استلام الحجر يسن أن يشير بعصا وأن يقبلها, وقالوا أي أجزاء البيت قبّل فحسن نهاية.  قال ع ش قوله م ر بتقبيل أضرحتهم ومثلها غيرها كالأعتاب وقوله فقد صرحوا الخ أي فيقاس عليه ما ذكر وقوله بأنه إذا عجز الخ يؤخذ من هذا أن محلات الأولياء ونحوها التي تقصد زيارتها كسيدي أحمد البدوي إذا حصل فيها زحام يمنع من الوصول إلى القبر أو يؤدي إلى اختلاط النساء بالرجال لا يقرب من القبر بل يقف في محل يتمكن من الوقوف فيه بلا مشقة ويقرأ ما تيسر ويشير بيده أو نحوها إلى الولي الذي قصد زيارته أي ثم قبّل ذلك اه‍ ع ش واعتمد شيخنا ذلك أي ما تقدم عن النهاية وع ش وقال البصري بعد ذكر كلام النهاية المتقدم وذكر السيوطي في التوشيح على الجامع الصغير أنه استنبط بعض العلماء العارفين من تقبيل الحجر الأسود تقبيل قبور الصالحين انتهى اه‍ أقول في الاستنباط المذكور مع صحة النهي عما يشعر بتعظيم القبور توقف ظاهر, ولو سلم فينبغي لمن يقتدى به أن لا يفعل نحو تقبيل قبور الأولياء في حضور الجهلاء الذين لا يميزون بين التعظيم والتبرك والله أعلم )). حواشي الشرواني (3 / 175) .
 
( د ) إليك بعض من قال بجواز تقبيل يد العالم ورجله :
قال ابن نجيم المصري : (( ورخص السرخسي وبعض المتأخرين في تقبيل يد العالم المتورع والزاهد على وجه التبرك وقد تقدم )) البحر الرائق (8 / 364) .
 
قال  محيى الدين النووي: ((( الرابعة ) يستحب تقبيل يد الرجل الصالح والزاهد والعالم ونحوهم من أهل الآخرة )) المجموع (4 / 636) .
 
قال موسى الحجاوي : (( ويسن تقبيل يد الحي لصلاح ونحوه من الأمور الدينية كعلم وزهد ، ويكره ذلك لغنى أو نحوه من الأمور الدنيوية كشوكة ووجاهة ، ويسن القيام لأهل الفضل إكراماً لا رياء وتفخيماً )) الإقناع (2 / 71) .
 
قال الشرواني والعبادي : (( تنبيه : قد تقرر أنه يسن تقبيل يد الصالح بل ورجله )) حواشي الشرواني (4 /84) .
 
( د ) إليك بعض من قال بجواز تقبيل المصحف الشريف :
قال الشرواني والعبادي: (( واستدل السبكي على جواز تقبيل المصحف بالقياس على تقبيل الحجر الأسود ويد العالم والصالح والوالد إذ من المعلوم أنه أفضل منهم اه‍ )) حواشي الشرواني (1/ 155) .
 
قال ابن حجر : ((ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين وبالله التوفيق )) فتح الباري (3 / 380) .

مقالات ذات صلة

تعلیقات