الرد إلى الله والرسول

الرد إلى الله والرسول

قال المعاند :

قال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) [1].

إنّ الله عزّ وجلّ أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر منهم ، لكن عند التنازع فالردّ لا يكون إلا إلى الله والرسول دون أولي الأمر ، لأنّ الله عزّ وجلّ هو الربّ ، والرسول هو المبلغ عن الله وهو معصوم لا يخطأ في بيان الحق عند التنازع ، أما أولي الأمرفلأنهم ليسوا مبلغين عن الله ولا عصمة لديهم بل مسلمون امتنّ الله عليهم بالسلطة وأمرنا الله بطاعتهم ما أقاموا الدين ، ولذلك لم يجعل الله الرد إليهم.ولو كان أولي الأمر معصومين ومبلغين عن الله - كما تذكر النظرية الشيعية- لجعل الله الرد إليهم أيضاً .

 

 

الرد على ذلك :

1- القرآن الكريم يضع القاعدة الرئيسية في آية أو آيات , ويفصّل أكثر ويفرّع في آية أو آيات أخرى . لذا تجد القرآن الكريم في سورة الأنعام – 57 , وسورة يوسف 40 , وسورة يوسف – 67 يقول ( إِنِ الحُكمُ إِلاَّ للهِ ) , ولكنه في هذه الآية يأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر أيضاً . وكم لهذا الأمر من نظير , ومثاله أيضاً قوله تعالى في سورة النساء – 139( فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعاً ) وفي سورة يونس – 65 ( إِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) , ولكنه يقول في سورة المنافقين – 8 ( وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) .

2- أرجع الله تعالى في المتنازعين إلى أولي الأمر في آية أخرى في نفس السورة وهي قوله تعالى (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) [2].

3- أمرنا الله تعالى وأمرنا رسوله بالتمسك بأهل البيت وأخذ الدين من طريقهم , فلماذا لم يرو أهل السنة والجماعة إلا النزر اليسير جداً من العقيدة والفقه والأحاديث التي رواها أهل البيت – عليهم السلام - .

( أ ) روى أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الخدرى قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدى الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض [3].

( ب ) أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول : يا أيها الناس إني تركت فيكم من [ ما ] إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي " . وفى الباب عن أبى ذر وأبى سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد . هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه . وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم [4].

( ج ) أخرج الترمذي أيضاً عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى ; أحدهما أعظم من الآخر ; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " هذا حديث حسن غريب [5].

( د )أخرج الحاكم في مستدركه عن زيد بن أرقم يقول نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بين مكة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجرات ثم راح رسول الله صلى الله عليه وآله عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال ما شاء الله أن يقول ثم قال أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي . ثم قال أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من كنت مولاه فعلي مولاه * وحديث بريدة الأسلمي صحيح على شرط الشيخين [6].

4- هناك كثير من الاختلافات والنزاعات في تفسير الآيات الكريمة , وفي تصحيح أو تضعيف الحديث , وفهم الحديث , فإلى ماذا نتحاكم في هذا التنازع ؟ .

5- بعض العلماء قالوا بأن الاقتصار في الآية الكريمة على الردّ إلى الله ورسوله , إنما هو لأجل أن الأئمة – عليهم السلام – مبلغون عن الله ورسوله , وليسوا مشرعين من عند أنفسهم . بل كل ما لديهم فهو من الله تعالى والرسول – صلى الله عليه وآله - , وهذا بخلاف الرسول – صلى الله عليه وآله – حيث أن له حق تشريع بعض الأحكام.

6- الآية الكريمة تقول بأن حل التنازع بالرجوع إلى الله والرسول , ولكن عمر بن الخطاب يقول "حسبنا كتاب الله "

‏أخرج البخاري في صحيحه ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏قال ‏‏لما حضر النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال وفي البيترجال فيهم ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏قال ‏ ‏هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده قال ‏ ‏عمر‏ ‏إن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب اللهواختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله ‏ ‏صلى اللهعليه وسلم ‏ ‏كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال ‏ ‏عمر ‏ ‏فلما أكثروااللغط ‏ ‏والاختلاف عند النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال قوموا عني قال ‏ ‏عبيدالله ‏ ‏فكان ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ‏ ‏صلىالله عليه وسلم ‏ ‏وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم [7]‏.

7 – من الملاحظ أن الله تعالى أوصى الإنسان بوالديه إحساناً , وحيث أن الوالدين ليسا معصومين , فقد نبّه القرآن الكريم هناك ( وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) [8] , أما إطاعة ولاة الأمر مع أنها أخطر وأعظم لكن لم يذكر فيها أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق , ومن أسباب ذلك أن ولاة الأمر الحقيقيون معصومون , ولا يأمرون إلا بالطاعة . ولذا قال تعالى عن رسوله الأكرم ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [9] , حيث أن الرسول معصوم لم يشترط في الامتثال أوامره ونواهيه أن يكون طاعة لله تعالى , لأن الله تعالى نصب رسوله مقياساً للحق ولما يريده من الناس .

 


[1]النساء – 59 .

[2]النساء – 83 .

[3]مسند احمد 3 :59 .

[4]سنن الترمذي 5 : 327 ح 3874 .

[5]سنن الترمذي 5 :328 ح 3876 .

[6]المستدرك على الصحيحين3 : 110 .

[7]صحيح البخاري - الحديث رقم 6818 .

[8]العنكبوت – 8 .

[9]الحشر – 7 .

مقالات ذات صلة

تعلیقات