قواعد الاجتهاد الفذ

قواعد الاجتهاد الفذ

راج في الأوساط الثقافية والاجتماعية في الآونة الأخيرة تقسيم المجتهدين إلى قسمين :
القسم الأول : المجتهدون النصيون , وهم الباقون على الفتاوى الفقهية التي أكل عليها الدهر وشرب, وذلك من خلال التزامهم بالنصوص التزامياً حرفياً, بحيث يصفهم خصمهم بالجمود على النص وبالتحجر الفكري والتقليد للماضين .
القسم الثاني : المجتهدون الفذون, وهم الذين يجددون في الفتاوى بما يتناسب مع التطور البشري والتكنولوجي المعاصر, وذلك من خلال قواعد سنذكرها في هذا المقال, بحيث يصفهم أنصارهم بالأفذاذ , والمجددين, والمنفتحين فكرياً, والمجتهدين الواقعيين .
وإذا أردت أن تصبح من المجتهدين الأفذاذ فعليك أن تقتفي القواعد التالية :
القاعدة الأولى : المصدر الرئيسي الوحيد للتشريع هو ما يتناسب مع الثقافة العصرية الراهنة , وينسجم مع الحقوق العالمية المعاصرة, سواء تعلقت بالإنسان مطلقاً أو المرأة , أو غير ذلك .
القاعدة الثانية : التشدد الكبير في توثيق رجال الأسانيد وتصحيح الأسانيد, مما يعبّد الطريق أمامك للتخلص من الكثير من الأحاديث بحجة ضعف السند .
القاعدة الثالثة : إذا كان هناك أحاديث تعارض ما تريد إثباته من حكم عصري , فلا تتضايق, فالأمر أسهل مما تتصور, يمكن أن تضرب بجميع هذه الأحاديث الصحيحة - مهما بلغت من الكثرة – عرض الجدار , وذلك تحت ذريعة مخالفتها لما تستوحيه من القرآن الكريم . وكل ما خالف القرآن الكريم فهو زخرف .
مثال ذلك : مهما بلغت أخبار التنصيف في دية أعضاء المرأة بعد الثلث كثرة وصحة فاضرب بها عرض الجدار, وتمسك بمخالفتها لآيات العدل وآيات نفي الظلم وآيات تساوي البشر وعدم المزية لأحد على الآخر.
القاعدة الرابعة : إذا كان ما تريد من حكم عصري يتعارض مع آية قرآنية , فأمامك طريقان – حسب ما تملك من جرأة - :
الطريق الأول : تفريغ النص القرآني من المضمون .
مثال ذلك : قوامة الرجل على المرأة لا تتناسب مع المساواة بين الجنسين , وتتضمن استنقاص المرأة إذ كيف تحتاج المرأة إلى قيّم عليها؟؟!! وحيث أن القوامة مذكورة في القرآن الكريم , فلا مجال للتشكيك في الصدور, إذن نتجه إلى تفريغ القوامة من أي صلاحية ونجعل دائرتها ضيقة جداً وهي عدم خروجها من بيت الزوج إذا أراد أن يستمتع بها , إلا بعد حصولها على إذنه .
وهذا ما يعبّر عنه في الفكر المعاصر بالتجديد في قراءة النص, بحيث نفهم النص ونفسره بما يتناسب مع العصر والتطور, دون الرجوع إلى أي مصدر آخر أو دليل .
الطريق الثاني – وهو يحتاج إلى جرأة أكبر - : أن تقول بأن أحكام القرآن الكريم , حالها كحال الأحكام النبوية قابلة للتغيير والتطور وليست ثابتة . بعبارة أخرى : كما أن الحكم المبين في الأحاديث خاضع للزمان والمكان, وقابل للتغيّر بتغيّر الظروف , كذلك الأحكام القرآنية خاضعة لذلك .
ومن هذا المنطلق نرفض – مثلاً - التمسك بالحكم المذكور في قوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) وذلك من خلال تخصيص هذا الحكم بالزمن السابق قبل دخول الإنسان عصر العولمة .
القاعدة الخامسة : لا تخف من مخالفة الإجماع أو الأقوال السابقة في المسألة, إذ مخالفتهم في الفتوى هي التي تجعلك فذاً مجدداً, ولو وافقتهم الرأي فأنت مقلد.
ولا بأس ونحن في ختام هذا المقال أن نذكر بعض الأمثلة لاجتهادات فذة مع تعليق عاجل عليها :
المثال الأول : قال أحدهم (لو كان الحجاب واجباً على المرأة لوجب أيضاً على الرجل , لأن الأحكام مشتركة بين الرجال والنساء كالصلاة والصيام والزكاة والحج) .
ويجاب على ذلك : هناك عدة أحكام خاصة بالرجال لا يشترك فيها النساء , والعكس كذلك , وهذا لا يخفى على المسلمين قاطبة فكيف يخفى على من نصب نفسه مفتياً في الدين .
مثال ذلك :
أ‌-       للرجل أن يتزوج أكثر من امرأة في وقت واحد , ولا يحق للمرأة ذلك .
ب‌- الزوج هو الذي يدفع المهر وليس المرأة .
ت‌- المرأة تعتد للطلاق ولوفاة زوجها , ولا عدة على الرجال.
المثال الثاني : قال أحدهم (القرآن عندما قال "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" كان ذلك في إطار الحديث عن لباساجتماعي سائد في ذلك الوقت، فالرجال يلبسون العمائم والنساء تختمر لتقي نفسها منالتراب أو من الشمس، وبالتالي فالمسألة لا علاقة لها بالدين) .
ويجاب عليه :
1-    إذا كان الخمار لباساً اجتماعياً سائداً في ذلك الوقت, ولا يريد القرآن أن يلزم المجتمع به, فلماذا يذكره بصيغة الأمر .
2-    لم يكن الحجاب سائداً في المجتمع آنئذ, بل كان السفور هو السائد إلى أن نزل الأمر بالحجاب, ويدل على ذلك الأحاديث الكثيرة , مثال ذلك : أخرج البخاري عن عائشة قالت يرحم الله نساء المهاجرات الأول لمّا انزل الله وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن به .
وهذا الدليل واضح بأن الاختمار وقع بعد نزول الآية , ولم يكن لباساً اجتماعياً سائداً قبل ذلك.
3-    لماذا لا نكمل الآية القرآنية ذاتها (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ ....... ) فهل عدم إبداء الزينة إلا للبعولة والمحارم أيضاً خشية الشمس والتراب .
المثال الثالث :
أجاز أحدهم زواج المرأة المسلمة من الرجلالكتابي "مسيحياً كان أو يهودياً"،،معتبرا أن النصارى واليهود هم من "أهل الكتاب" وليسوا بالتالي كفرة, وواصفاً القول بحرمة هذا الزواج بأنه مجرد أقاويلوتخرصات وأوهام وتضليل" الهدف منها جر المرأة إلى الوراء.
ويجاب عليه :
1-    نصوص التحريم لا تختص بالكفار كقوله تعالى (فَلاتَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَلَهُنَّ ), بل تشمل المشركين , ومنه قوله تعالى ( وَلا تُنْكِحُواالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) .
2-    أهل الكتاب يصدق عليهم أنهم مشركون, وهم كفار أيضاً .
ويدل على ذلك آيات عديدة , نذكر منها :
أ – ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) [البقرة : 93] .
ب- ( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) [البقرة : 105]
ج – ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة : 73]
المثال الرابع : نفى أحدهم ما يقال من أن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد، وقال (ليس ذلك من الدين أوالإسلام، بل هو مجرد أوهام وأباطيل وتدليس أريد بها تغييب وسجن العقول في الأفكارالظلامية التي لا تمت للإسلام في شيء) انتهى .
أقول : انظر إلى جرأتهم في رمي خصومهم بشتى التهم دون أي تورع أو خجل أو حرمة لقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء) ودون أي تقسيم لمجال الشهادة ومحلها, بل تجده ينفي المسألة نفياً مطلقاً ويخرجه من الدين بضرس قاطع مع وجوده في القرآن الكريم .

مقالات ذات صلة

تعلیقات