مقدمة في باب التعارض

مقدمة في باب التعارض
بعد أن آمن الإنسان بربه الذي خلقه, وآمن برسوله وشريعته, وأن المبدأ والمعاد إليه سبحانه, وأن نعمه وآلاءه لا تعد ولا تحصى, كان من المتعين عليه أن يمتثل أوامر الله تعالى ونواهيه, وذلك بالرجوع إلى كتاب الله العزيز وإلى السنة الطاهرة . قال الله تعالى ( ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [النحل : 44] . بيد أن القرآن الكريم لم يتعرض لتفاصيل الأحكام الفقهية بل أوكلها إلى الرسول – صّلى الله عليه وآله – ومن بعده إلى الإمام المعصوم – عليه السلام - [1]. ولهذا كان الحديث الشريف هو العمود الفقري لمعرفة الدين وأحكامه.أما الإجماع فحجيته – على التحقيق- تدور مدار كشفه عن السنة , والعقل لا يمكنه الجزم بالأحكام الشرعية التفصيلية.
 إلا أنا عندما نرجع إلى الحديث الشريف لنرتوي من عذب مائه ونستضيء بنور مصباحه تواجهنا صعوبات, منها إثبات الصدور , وفهم المراد , والتعارض بين الأحاديث, وغير ذلك .
 
·        تعريف التعارض :
قال الفيروز آبادي :
( وعارضه : جانبه ، وعدل عنه ، وسار حياله ، والكتاب : قابله، وأخذ في عروض من الطريق ، والجنازة : أتاها معترضاً في بعض الطريق ، ولم يتبعها من منزله ، وفلاناً بمثل صنيعه : أتى إليه مثل ما أتى ، ومنه المعارضة ، كأن عرض فعله كعرض فعله)[2].
قال الشيخ الأنصاري :
( وهو لغة : من العرض بمعنى الإظهار، وغلب في الاصطلاح على : تنافي الدليلين وتمانعهما باعتبار مدلولهما ، ولذا ذكروا : أن التعارض تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضاد) [3] .
وقال الآخوند الخراساني :
( التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد حقيقة أو عرضاً ، بأن علم بكذب أحدهما إجمالاً مع عدم امتناع اجتماعهما أصلاً) [4].
والخلاف حول التعريف ذو بعدين , الأول إصرار الآخوند على إخراج موارد الجمع العرفي عن نطاق التعريف, والثاني مسائل علمية خلافية لا يهمنا التعرض لها في هذا البحث بعد وضوح المراد بالتعارض [5].
 
·        أسباب وقوع التعارض :
وهنا قد يتساءل عن أسباب وجود التعارض في الأحاديث الشريفة – لا سيما مع إيماننا بعصمة الرسول والإمام - , علماً أن معرفة هذه الأسباب قد يساعدنا في حل المشكلة :
1-    الجانب الذاتي للتعارض :
الفقيه بمقدار ما يحيط بأسلوب الكلام العربي ومعاني الكلمات والكلام, ولحن الحديث وإشاراته, وأسس علمية لتحليل النص يكون أقدر على الفهم الصحيح للحديث. وبمقدار إخفاقه في ذلك يخفق في فهم الحديث , وبالتالي قد يتصور وجود تعارض بين بعض الأحاديث .
2-    تغيّر أحكام الشريعة بالنسخ :
إلا أن هذا العامل ينحصر دائرته في النصوص الصادرة عن النبي – صلّى الله عليه وآله – ولا تعم النصوص الصادرة عن الأئمة – عليهم السلام – لما ثبت في محله من انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر النبي , وأن أحاديث الأئمة المعصومين ليست إلا بياناً لما شرّعه النبي من الأحكام وتفاصيلها .
3-    ضياع القرائن :
قد تضيع بعض القرائن المكتنفة بالنص أو السياق جراء تقطيع الحديث وذكر كل قطعة في بابها الخاص, أو جراء غفلة الراوي في مقام النقل . وتكثر الغفلة عن القرائن إذا كانت ارتكازية عامة تنشأ من البيئة وظروف النص , لأنها حينئذ تكون معاشة في ذهن كل إنسان فلا يشعر الراوي بحاجة إلى ذكرها باللفظ .
4-    تصرف الرواة بالنقل بالمعنى :
لا شك أن النقل بالمعنى يؤثر على مرتبة دلالة النص وصراحته, بل في بعض الأحيان يؤثر على المعنى الأصلي المراد, وذلك نتيجة غفلة الراوي أو نسيانه أو جهله.
ولو تأملنا فيما يحدث في حياتنا العادية عندما ينقل أحدنا قضية أو خبر ما إلى آخرين – لا سيما إذا تسلسل النقل وتعددت الوسائط – لأدركنا ماذا يحدث أيضاً في نقل الحديث وروايته, ولكن مع الفارق إذ يولي الثقات لرواية الحديث مزيد رعاية وعناية.
5-    التدرج في البيان :
لم يكن الأئمة – عليهم السلام – يفصحون عن الحكم وتفاصيله وكل أبعاده دفعة واحدة وفي مجلس واحد في أكثر الأحيان, بل كانوا يؤجلون بيان التحديدات والتفاصيل إلى فرصة أخرى أو يتصدى الراوي بنفسه للسؤال عنها ثانية . ولعل السبب الداعي إلى التدرج في البيان هو مراعاة حال المتشرعة التي لم تكن تسمح باستيعاب التفاصيل كلها دفعة واحدة في ظل تلك الظروف السياسية, ومع تلك الإمكانات المحدودة المستعصي معها التعليم والتعلم من جهة, وتطبيقاً لفكرة التدرج الطبيعي في مجال التربية والتثقيف على الأحكام الشرعية كما فعل الرسول – صّلى الله عليه وآله – في دعوته .
وقد أشكل بعض المحققين – أعلى الله مقامه- كما نقل عنه بأن التدرج في بيان الأحكام ووجود مصلحة في تأخير البيان عن وقت الحاجة , مستلزم لتعطيل الأحكام, ومخالف لقول رسول الله – صلّى الله عليه وآله – في حجة الوداع ( معاشر الناس, ما من شيء يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به, وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه)[6].
ويجاب عليه أن تعطيل الأحكام سبّبه البشر ذاتهم, إذ حرفوا الخلافة عن أهلها وقتلوا وشردوا أهل البيت – عليهم السلام – كما تسببوا في غيبة الإمام المعصوم – عليه السلام - . وأما الحديث المزبور فلا يلازم عدم التدرج في بيان الأحكام مرة أخرى , لا سيما مع المنع من كتابة الحديث النبوي والظروف الصعبة التي لقاها الدين وأتباع المذهب الحق . هذا , ووجود أحاديث مطلقة أو عامة لا شك فيه , ولهذه الأحاديث مقيدات ومخصصات , فإما أن يكون الإمام المعصوم – عليه السلام – قد ذكر جميع ذلك للراوي نفسه ولكن الراوي لم ينقلها , وهذا يخدش إما العدالة وإما الضبط , وكلاهما كما ترى . وإما أن نلتزم بعدم علم الراوي بمخصص أو مقيد, وهذا يساوق مبدأ التدرج في بيان الأحكام في المآل . هذا على أن التدرج في التعليم أمر مشهود لدى العقلاء جميعاً دون نكير .وليس المدعى تأخر التخصيص أو التقييد ونحوهما أربعين سنة مثلاً – لمجرد التدرج في البيان - , إذ من المطمئن إليه صدروها في مجالس أخرى , وغاية ما في الباب أن الراوي نفسه لم يطلع عليه , ولم ينقل لنا المخصص أو المقيد إلا عبر راوٍ آخر جاء بعد سنوات .
6-    دخالة الزمان والمكان :
كم من حكم ثابت ظاهراً , ولكن لأجل تغيّر الروابط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية يفقد الحكم الأول , ويستدعي حكماً جديداً .
7-    التقية :
لم يكن الأئمة – عليهم السلام – يتقون من الحكام الجائرين فحسب , بل كانوا يواجهون ظروفاً اضطرتهم إلى أن يتقوا أيضاً من الرأي العام وبعض المذاهب. وكذا في بعض الموارد تقع التقية من الأصحاب أيضاً إذا لم يكونوا يحتملون صريح الحق في المسألة. والحاصل أن التقية عدة أقسام ولها العديد من الأسباب والأهداف المذكورة في الدراسات الخاصة , ومنها لكي لا يُعرف المؤمنون فيؤخذوا.
8-    ضياع الكثير من الأحاديث :
المنع من كتابة الحديث بعد وفاة الرسول – صلّى الله عليه وآله – والظروف التي كانت يعيشها أصحاب الأئمة – عليهم السلام – حالت دون وصول الكثير من الكتب والأصول الحديثية, ولا شك أنه لو وصلتنا تلك الكتب لساهمت بدرجة معينة في شرح وفهم بعض الأحاديث الأخرى . هذا مضافاً إلى نسيان الراوي بعض الحديث أو السهو والخطأ في الكتابة ونسخ الكتب.
وقد أشكل بعض المحققين – أعلى الله مقامه- كما نقل عنه بأن احتمال السهو النسيان في جميع الأحاديث أمر غير عقلائي ولا يرتضيه أحد [7].
ويرد على هذا الإشكال بأن السهو والنسيان ملازم عادة للطبيعة البشرية – إلا من عصم ربي – وإنكار وقوعه عند الرواة مكابرة , ولم أجد من قال بوقوعهما في الأحاديث كلها أو في جميع الروايات المتعارضة . بل هما بعض العوامل في الجملة لا بالجملة .
9-    الدس والتزوير في كتب الأصحاب :
مثال ذلك : قال الكشي : حدثني محمد بن قولويه ، والحسين بن الحسن بن بندار القمي ، قالا : حدثنا سعد بن عبد الله ، قال : حدثني محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، أن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر ، فقال له : يا أبا محمد ما أشدك في الحديث ، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا ، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث ؟ فقال : حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول : لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة ، فإنّ المغيرة بن سعيد - لعنه الله - دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي ، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا صلّى الله عليه وآله فإنا إذا حدثنا ، قلنا قال الله عزّ وجلّ ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله .
قال يونس : وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين ، فسمعت منهم وأخذت كتبهم ، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام . وقال لي : إنّ أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله - عليه السلام- , لعن الله أبا الخطاب ، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله عليه السلام ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة ، إنا عن الله وعن رسوله نحدث ، ولا نقول قال فلان وفلان ، فيتناقض كلامنا ، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أولنا ، وكلام أولنا مصادق لكلام آخرنا ، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه وقولوا أنت أعلم وما جئت به ، فإن مع  كل قول منا حقيقة وعليه نوراً ، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان [8].
 
·        أقسام التعارض :
 القسم الأول : يرى الذهن التعارض والتنافي بين المدلولين في بادئ الأمر , بيد أنه سرعان ما يرى سبيلاً للتوفيق بينهما بحسب القوانين العرفية في التخاطب والتقنين والتشريع (الجمع العرفي) . ويسمى هذا القسم بالتعارض غير المستقر .
أما القسم الثاني فهو ليس كذلك, بل يسري التنافي إلى دليل الحجية . ويسمى هذا القسم بالتعارض المستقر.
 
·        معنى الجمع العرفي :
الجمع العرفي هو ما يرتضيه العرف للتوفيق بين الدليلين , بعد ملاحظة أسلوب التقنين والتشريع.
 
·        أبرز أقسام الجمع العرفي :
1-    تقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم .
2-    تقديم الخاص على العام .
3-    تقديم المقيد على المطلق .
4-    تقديم النص على الظاهر .
5-    تقديم الأظهر على الظاهر .
6-    الحمل على مراتب الاستحباب .
7-    الحمل على كون القضية في واقعة .
 
·        قاعدة الجمع مهما أمكن :
قال ابن أبي جمهور الأحسائي (( ظهر لك من هذا الحديث [ مقبولة عمر بن حنظلة ] معرفة الجمع بين الأحاديث الواردة عنهم ( عليهم السلام ) ، التي ذكرتها في هذا الكتاب ، بل ما ورد عنهم مما هو مذكور في كتب الأصحاب مما ظاهرها التعارض ، إذا لم يمكن التوفيق بينهما ، لتكون عاملاً بالدليلين. فتعمل على ما هو مذكور في هذا الحديث . ولهذا اخترته عن جميع ما رويته في هذا المجموع، لتعرف به أن كل حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك ، أولاً البحث عن معناهما وكيفيات دلالات ألفاظهما ، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل والدلالات ، فأحرص عليه واجتهد في تحصيله ، فإن العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما وتعطيله بإجماع العلماء . فإذا لم تتمكن من ذلك ، أو لم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث))[9].
تقريب الدليل بشكل قياسي : لولا وجوب الجمع بين الدليلين المتعارضين مهما أمكن للزم إما طرحهما , أو طرح أحدهما . وهما باطلان , فنقيض التالي حق , وهو جوب الجمع مهما أمكن .
وأشكل عليه بأن قوله ( مهما أمكن ) إن كان إمكاناً عقلياً فبطلان الشق الأول من التالي ممنوع , لأن الدليلين حينئذ يصيران من المتعارضين المتساويين وهما متساقطان عقلاً, وإن شئت قلت : إن كون الأصل في الدليلين الإعمال , مسلم في كل واحد منهما من حيث هو , دون مقام التعارض , فإنه فيه غير صحيح بنحو الإيجاب الكلي , فلا ينتج القياس [10].
والحق أن المراد هو إمكان الجمع العرفي الذي يقبله العقلاء لا العقلي .
واعلم أن الجمع على نحوين :
النحو الأول : الجمع الدلالي وهو التصرف في الدلالة بحيث يرجع أحد الدليلين إلى الآخر , أو يرجع كلاهما إلى معنى ثالث , بحيث يرتفع التنافي بينهما بعد التصرف .
النحو الثاني : الجمع العملي بأن يؤخذ بهما في مقام العمل مع إبقاء دلالتهما على حالها .
مثال ذلك : لو قال ( أكرم العلماء ) وقال أيضاً ( لا تكرم العلماء ) إن جمعنا بينهما بحمل الأول على العلماء العدول , والثاني على العلماء الفساق فهو جمع دلالي وإن كان يستتبع العمل أيضاً . وأما إذا أبقينا كل منهما على حاله وشموله للجميع وقمنا بأخذ بعض في كل من الحكمين فهو جمع عملي, نظير تعارض البينتين في ملكية الدار مثلاً, حيث لا يتصرف في لفظ البينتين بل يعمل بهما ويحكم بتنصيف الدار .
إذ قد علمت ذلك فقد اتضح لك أن الجمع المقصود في كلام ابن أبي جمهور هو الجمع الدلالي إذ قال ( البحث عن معناهما وكيفيات دلالات ألفاظهما ، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل والدلالات ، فأحرص عليه واجتهد في تحصيله) والحق معه في ذلك.
 
·             الفرق بين التزاحم والتعارض :
اتضح مما تقدم أن التعارض عبارة عن التنافي في نفس الجعل , بحيث لا يمكن إنشاء كلا الحكم في الواقع, وأما التزاحم فهو عبارة عن عدم قدرة المكلف على الجمع بين التكليفين في عالم الامتثال .
 
·        أهمية البحث عن رأي المتقدمين في علاج التعارض :
مسألة التعارض بين الأحاديث ليست مسألة مستجدة في العصر الحاضر, بل هي مشكلة كان يعيشها المؤمنون في عصر رسول الله – صلّى الله عليه وآله – وفي عصر الأئمة من بعده , ولا شك أن المؤمنين كانوا يتعاملون مع هذه الأحاديث وفق منهجية ما أو مناهج متعددة . فإن كانت تلك المنهجية والطريقة مأخوذة من تعاليم المعصوم أو موافقة لها فهو ما نحتاجه نحن أيضاً . وإذا كانت تلك المنهجية مخالفة لما يرتضيه المعصوم لتوجب على المعصوم التنبيه والنهي على ذلك .
وإذا كان لآراء الفقهاء المتقدمين الأثر البالغ في الفقه, ولا يمكن التغاضي عن استقراء آرائهم في مسألة ما – لا سيما من كان كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي – فمن الواضح أن آرائهم الفقهية مبنية على أسس وقواعد كانوا يؤمنون بها , وفي طليعة ذلك ما يرونه لعلاج التعارض بين الأحاديث .
ولشدة اهتمام العلماء من أصحابنا ومن المخالفين بالتعارض بين الأحاديث تراهم أفردوا علم (مختلف الحديث ) بالبحث والدراسة وكتبوا وصنفوا في ذلك . ولعل أول جهد في هذا المضمار لأصحابنا هو كتاب (الاستبصار فيما اختلف من الأخبار) لشيخ الطائفة الطوسي – أعلى الله مقامه – حيث قام بكتابته بناء على طلب جماعة من أصحابنا, فلاحظ مقدمة الكتاب الآنف الذكر .
 
·             الأصل في علاج التعارض :
بعد أن آمنا بأن الأدلة الشرعية طريق لمعرفة الحكم الشرعي وليست سبباً له؛ وآمنا بحجية خبر الواحد ؛ حيث أمضى الشارع سيرة العقلاء من العمل بالخبر الموثوق, لذا يتوجب علينا أن نرجع إلى سيرة العقلاء أيضاً عند تعارض الأخبار.
من تأمل سيرة العقلاء في المقام يشهد بوضوح أنهم يعملون بخبر الواحد لإفادته الوثوق النوعي بمفاد الخبر, وعندما يتعارض الخبران أو الأخبار فالمصير إلى المرجحات حيث تفيد الوثوق النوعي بمفاد طرف من أطراف التعارض . لذا ترى سيرة العقلاء على تقديم الأكثر – شريطة أن تكون الأكثرية واضحة لا طفيفة- , وكذا تقديم الأكثر خبرة , وتقديم الأضبط , وغير ذلك , وليس في المقام ضابطة محددة , بل الأمر يدور مدار الوثوق النوعي , وربما كانت الأكثرية في طرف , والخبروية في طرف فيختلف الناس في الترجيح وقد يقال بالتوقف . وبذلك ينقدح أنه في حالة التساوي أو التكافئ بين الخبرين المتعارضين لا يحصل وثوق بأحدهما لذا يتوقف العقلاء عن ترجيح أحدهما ويبقى على الحالة السابقة أوالقانون السابق إن وجد. ونحن لا نرتاب في وجود هذه السيرة حتى في زمن الرسول – صّلى الله عليه وآله – وحضور الأئمة المعصومين – عليهم السلام - , ولو كانت هذه السيرة معارضة لما يرتضيه الشارع لكان عليه أن يبين ذلك ويوضحه بشكل يتناسب مع استحكام هذه السيرة عند العقلاء , لذا وجب صرف النظر إلى ما يمكن أن يكون رادعاً عن هذه السيرة أو يمكن أن يكون مؤسساً لمنهج آخر في علاج التعارض بين الأحاديث الشريفة .
 
 


[1] وهنا فوارق بين النبي والإمام ذكرت في محلها من علم العقيدة , وعلى رأس هذه الفوارق أن الإمام لا يوحى إليه .
[2] القاموس المحيط 2 : 336 .
[3] فرائد الأصول 4 : 11 .
[4] كفاية الأصول : 437 .
[5] مثلاً : هل التنافي بين المدلولين أو بين الدلالتين ؟ .
[6] التعادل والترجيح – الإمام الخميني : 12 .
[7] التعادل والترجيح – الإمام الخميني : 11 .
[8] اختيار معرفة الرجال 2 : 489 .
[9] عوالي اللآلي 4 : 136 .
[10] التعادل والترجيح – الإمام الخميني : 60 .

مقالات ذات صلة

تعلیقات