تفسير الإمام العسكري عليه السلام

تفسير الإمام العسكري عليه السلام

كثيرة هي الكنوز والمعارف التي صدح بها أهل البيت – عليهم السلام - , ولو ثنيت لهم الوسادة لرأيت ما لا يعلمه إلا الله تعالى , وعلة ذلك أن علمهم من علم رسول الله – صلى الله عليه وآله – وهو من علم الله عزّ وجلّ . إلا أن هذه المعارف والعلوم عانت الكثير الكثير في سبيل الوصول إلينا . لذا نجد الشيخ الكليني – عليه الرحمة – يجمع كتاب الكافي في عشرين سنة من الأسفار الشاقة والسعي الدؤوب .

ولا يخفى على المتدين الواعي أن بعض كتبنا وصلت إلينا بالتواتر , وبعضها لم يصلنا , وبعضها وصل إلينا ولكن بدون تواتر أو بدون اطمئنان بالنسخة , وهذا من أسباب التفاوت في المكانة العلمية التي يحتلها هذا الكتاب أو ذاك.

ومن الكتب التي كثر الجدل حولها بين العلماء كتاب التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري – عليه السلام - . والأقرب أن للإمام العسكري – عليه السلام- كتابين في التفسير :

الكتاب الأول : جمعه الحسن بن خالد البرقي , كما ذكر ذلك ابن شهر أشوب في كتاب معالم العلماء , وهو تفسير يقع في مائة وعشرين مجلداً . ولكن لم يصلنا من هذا الكتاب شيء . والعجب من بعض المؤمنين حيث يبكي وينوح على تراث المعتزلة ولا ينوح ويبكي على تراث أهل البيت – عليهم السلام - . واعلم أن المحقق الطهراني استظهر أن هذا الكتاب من مرويات الإمام الهادي – عليه السلام – لا الإمام العسكري – عليه السلام - .

الكتاب الثاني : جمعه يوسف بن محمد بن زياد , وعلي بن محمد بن سيار . ورواه عنهما الاسترآبادي المعروف بأبي الحسن الجرجاني المفسّر . وهذا هو الكتاب الموجود لدينا وقد تم طبعه عدة مرات , وهو موجود أيضاً في بعض البرامج الكمبيوترية كبرنامج المعجم الفقهي .

وقد انقسم العلماء حول هذا الكتاب إلى ثلاثة آراء :

الرأي الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الكتاب ضعيف ولا يمكن أن يصدر من عالم , فضلاً عن إمام معصوم . ومن هؤلاء المحقق الداماد , والسيد الخوئي , فقد قال في معجم رجال الحديث ( هذا مع أن الناظر في هذا التفسير لا يشك في أنه موضوع ، وجلّ مقام عالم محقق أن يكتب مثل هذا التفسير ، فكيف بالإمام عليه السلام ) .

الرأي الثاني : ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الكتاب من الكنوز المأثورة عن أهل البيت – عليهم السلام - , ومن هؤلاء المجلسيين ( الأب والإبن ) .

قال المجلسي في شرح المشيخة ( وتوهم أن مثل هذا التفسير لا يليق أن ينسب إلى المعصوم مردود , ومن كان مرتبطا بكلام الأئمة يعلم أنه كلامهم عليهم السلام واعتمد عليه شيخنا الشهيد الثاني ونقل أخبارا كثيرة منه في كتبه واعتماد التلميذ الذي كان مثل الصدوق يكفى ، عفى الله عنا وعنهم ) .

أما الشيخ الصدوق فقد روى عن هذا الكتاب في كتاب الأمالي , والتوحيد , ومعاني الأخبار , ولكنه يروي في هذه الكتب الروايات الصحيحة والضعيفة . نعم , قد روى في من لا يحضره الفقيه رواية في التلبية اختلف العلماء في كونها من هذا الكتاب أو غيره . والسبب في ذلك أن الشيخ الصدوق التزم في بداية كتاب " من لا يحضره الفقيه " بأن لا يذكر في الكتاب إلا الروايات التي يراها حجة بينه وبين ربه عزّ وجلّ .

الرأي الثالث : حال هذا الكتاب كحال بقية الكتب أو أكثرها حيث يأخذ ببعض ما فيها و يترك البعض .

وقد وجهّت إلى هذا الكتاب عدة طعون , نذكر بعضها مختصراً :

الطعن الأول : عدم صحة بعض ما ورد فيه من الوقائع التاريخية المرتبطة بالسيرة , مثل ما ذكره في قصة المختار بن أبي عبيدة مع الحجّاج بن يوسف , والصحيح أن القصة وقعت مع عبيد الله بن زياد وليس مع الحجّاج .

وأجيب على ذلك بأن المخالفة لما ثبت قطعاً من السيرة قليل في الكتاب , وهو لا يضر باعتبار الكتاب . وأما مخالفة ما نقل في بعض كتب السيرة فليس بضار إذ الاختلاف في السيرة بين العلماء كثير , فليكن هذا منها .

الطعن الثاني : مخالفة بعض ما ورد فيه لضروريات المذهب , مثل الرواية عن الرسول – صلى الله عليه وآله – بأن الله تعالى رفع العذاب عن أبي جهل لأنه سيخرج من صلبه ذرية طيبة , وهي ابنه عكرمة . إلا أن الرسول – صلى الله عليه وآله – قد أمر بقتل عكرمة في فتح مكة ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة , وعكرمة من المبغضين لأمير المؤمنين – عليه السلام- . مضافاً إلى أن عكرمة كان كبيراً في زمن الدعوة , فكيف يقول الرسول لأبي جهل بأنه سيخرج من صلبه عكرمة !!! .

وأجيب على ذلك : لعل الخطأ من نسخ الكتاب أو من رسم الخط , وكان الصحيح أن الحديث مع أبي لهب , حيث أن ابنه عتبة ممن ثبت في غزوة حنين .

الطعن الثالث : عدم توثيق أبي الحسن الجرجاني المفسّر , وأجيب عليه بأن الشيخ الصدوق قد ترضى عليه كثيراً , وهذا كاف في استفادة التوثيق , ولا أقل من استفادة الحسن .

الطعن الرابع : عدم توثيق "يوسف بن محمد بن زياد" , و"علي بن محمد بن سيار" , وكل ما نعرفه عنهما أنهما من الشيعة الإمامية .

ويمكن أن يجاب على ذلك بكفاية أصالة العدالة عند من يؤمن بها , أو استظهار حسن حالهما من خلال رواية الكتاب وعدم الطعن فيهما , والله العالم بحقيقة الحال .

 

 

مقالات ذات صلة

تعلیقات