تعريف المفهوم

تعريف المفهوم

" المفهوم " لغة هو ما وقع عليه الفهم و الإدراك , و عليه فالمفهوم من الكلام هو المعني الذي يفهم منه ويدرك و يعقل . إلا أنه لهذا المصطلح معنى خاصا في أصول الفقه , و قد وقع خلاف في تعريفه :

 

 

التعريف الأول :

قال الأخوند الخراساني – عليه الرحمة – " إن المفهوم – كما يظهر من موارد إطلاقه – هو عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أريد من اللفظ بتلك الخصوصية و لو بقرينة الحكمة , وكان يلزمه لذلك , وافقه في الإيجاب و السلب أو خالفه " انتهى [1].

 

توضيح :

قولك " إذا جاءك المسكين فأطعمه " , مفهومه " إذا لم يجئك المسكين فلا تطعمه " و من الواضح أن " لا تطعم " إنشاء .

قولك " إذا جاءك المسكين فأنا أطعمه " , مفهومه " إذا لم يجئك المسكين فأنا لا أطعمه " و من الواضح " أنا لا أطعمه " إخبار .

و قد فرّق الآخوند بين لوازم المدلول المطابقي و بين لوازم خصوصية في المدلول المطابقي – سواء كانت الخصوصية ثابتة بالوضع أو بمقدمات الحكمة - , فجعل القسم الثاني هو المفهوم دون الأول .

مثال لوازم المدلول المطابقي : وجوب المقدمة عند وجوب ذيها .

مثال لوازم خصوصية المدلول المطابقي : مفهوم الشرط لازم لخصوصية الربط بنحو العلية الانحصارية , وهذه الخصوصية تثبت بالإطلاق و قرينة الحكمة .

و المفهوم على نحوين :

النحو الأول : المفهوم الموافق و هو ما يوافق المنطوق في الإيجاب و السلب و لحن و فحوى الخطاب . قال تعالى (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً )) [الإسراء : 23] , و المفهوم الموافق لذلك هو حرمة الضرب و الشتم للوالدين .

النحو الثاني : المفهوم المخالف و هو ما يخالف المنطوق في الإيجاب و السلب كالمثال المتقدم أعلاه .

 

و قد أشكل الشهيد الصدر على تعريف الآخوند بثلاثة إيرادات [2]:

الإيراد الأول : بناء على تعريف الآخوند للمفهوم لا يعقل دخول المفهوم الموافق في المفاهيم , لأنه لازم لأصل المدلول المطابق لا لازم لخصوصية فيه .

الإيراد الثاني : محل البحث إنما هو تعريف المفهوم المخالف لا الأعم .

الإيراد الثالث : التعريف ليس مانعاً فإنه ينطبق على وجوب المقدمة الذي هو لازم لوجوب ذي المقدمة , بناء على أن المدلول المطابقي لصيغة الأمر هو الطلب , أما الوجوب فيستفاد من الإطلاق و مقدمات الحكمة , و عليه فوجوب المقدمة لازم لخصوصية في المدلول المطابقي مع أنه ليس من المفاهيم اصطلاحاً .

 

 

التعريف الثاني :

عرّف المحقق النائيني – عليه الرحمة – المفهوم بقوله " هو ما دلت عليه الجملة التركيبية بالدلالة الإلتزامية بالمعنى الأخص " [3] .

توضيح :

اللوازم تنقسم إلى لوازم بينة و لوازم غير بينة . أما اللوازم البينة فهي التي لا تحتاج إلى إقامة دليل و برهان , و اللوازم غير البينة بخلافه .

ثم قسموا اللوازم البينة إلى لوازم بينة بالمعنى الأخص و لوازم بينة بالمعنى الأعم . أما القسم الأول فهو الذي يكفي فيه حضور الملزوم في الذهن ليحضر اللازم و النسبة بينهما , مثاله : العمى , فإن مجرد حضور العمى في الذهن يكفي لحضور البصر و النسبة بينهما .

أما القسم الثاني و هو اللازم البين بالمعنى الأعم فهو الذي لو حضر الطرفان في الذهن لحكم بالتلازم بينهما . مثاله : الثمانية و الزوجية . فإن مجرد حضور الثمانية لا يستدعي حضور الزوجية في الذهن , نعم لو حضر الطرفان فإنك تحكم بالتلازم دون الحاجة إلى استدلال و برهنة .

 

و قد أشكل الشهيد الصدر – عليه الرحمة – بأن الأصوليين قد استدلوا لإثبات المفهوم بأدلة فلسفية كقاعدة الواحد , و هو قانون لا يدركه إلا الفلاسفة و ما حذى حذوهم فكيف يكون المفهوم الثابت بمثل هذا القانون الفلسفي لازما بينا بالمعنى الأخص ؟؟!!! [4].

و يجاب على إشكال الشهيد بأن المراد هو عدم حاجة المتلقي إلى دليل إضافي ليحكم بالمفهوم , سواء كان بإمكانه أن يدرك النكتة في الربط بين الأمرين أو يصعب عليه ذلك , و ذلك على نسق احتجاج العامة بالإطلاق أو القيد دون أن يدققوا النظر في حقيقة الإطلاق و مقدمات الحكمة أو احترازية القيود , و كذا حكمهم بوجوب المقدمة و استعمالهم للحروف دون علم بالأدلة و الإشكالات الأصولية على وجوب المقدمة أو المعاني الحرفية .

 

 

التعريف الثالث :

قسّم الشهيد الصدر القضايا التي تربط بين جزئين إلى قسمين :

القسم الأول : القضايا التي يكون فيها اللازم لازما لنفس لأحد الجزئين بحيث لو أبدلت ذلك الجزء فلا يثبت اللازم .

مثاله : " إذا جاءك ابن الكريم فأكرمه " .

فإن لازمه إكرام الكريم ذاته , و لكن لو أبدلت الجملة إلى " إذا جاءك اليتيم فأكرمه " فإنه لا يلزم منه وجوب إكرام أم اليتيم . و كذا وجوب تهيئة مقدمات الإكرام لازم لوجوب الإكرام و لكن لو أبدل إلى إباحة الإكرام فإنه لا يلزم منه وجوب تهيئة مقدمات الإكرام كما لا يخفى .

القسم الثاني : القضايا التي يكون فيها اللازم لازما للربط بين الجزئين بنحو يكون اللازم ثابتا ما دام الربط الخاص حتى و إن تغير طرفاه .

مثاله الجملة الشرطية فإنه مع تبدل الطرفان يبقى دلالة الجملة على الانتفاء عند الانتفاء , غاية الأمر مع تبديل أطراف منطوق الجملة يتبدل أطراف المفهوم لا أصله .

 

و قد أورد عليه السيد محمود الهاشمي بثلاثة إيرادات :

الإيراد الأول : عدم شموله للمفهوم الموافق لو أريد تعريف الأعم من الموافق و المخالف . و جوابه واضح إذ الشهيد في مقام تعريف المفهوم المخالف فقط , و هو محل البحث .

الإيراد الثاني : عدم شموله لمفهوم العدد الذي يكون المدلول الالتزامي فيه لنفس العدد الذي هو مفهوم اسمي لا للربط . و صحة هذا الإشكال يتوقف على قبول حجية المفهوم للعدد .

الإيراد الثالث : عدم مانعية التعريف . فيدخل فيه دلالة قولنا " من كان عالماً وجب إكرامه " على أن من لا يجب إكرامه فليس بعالم , مع أن ذلك ليس من المفهوم اصطلاحاً . و فيه تأمل .

 

و على كل حال فالتعاريف المذكورة شرح إسمي , و هو لا يخلو عادة – كما اعترف أصحابها - من النقض و الإشكال . و لا يكاد يخفى أن المراد من المفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم , و بذلك يمتاز عن قاعدة احترازية القيود التي يراد منها انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد .

 

--------------------------------------------------------------------------------------

[1]الكفاية ص 193 .

[2]تقريرات السيد الهاشمي ج 3 ص 139 .

[3]فوائد الأصول ج 1 ص 477 .

[4]تقريرات السيد الهاشمي ج 3 ص 138 .


مقالات ذات صلة

تعلیقات