كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه

كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه

قال الله تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)) [المائدة].

عندما يتحدّث القرآن الكريم عن قوم ملعونين على لسان الأنبياء، فمن أهداف ذلك أن نتعظ ونعتبر، لئلا نقع فيما وقعوا فيه، فنستحق نحن اللعنة كما استحقوها.

فما معنى (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ)؟

هنا معنيان رئيسيان:

المعنى الأول:

(التناهي) بمعنى الانتهاء، يقال: انتهى عن الأمر وتناهي عنه إذا كفّ عنه.

ويكون المعنى عندئذ أنهم كانوا يفعلون المعصية ولا ينتهون عنها، أي لا يتوبون منها ولا يستغفرون.

فالمشكلة إذن في الاستغراق في المعاصي بدون أن يرجع الإنسان إلى ربه وإلى رشده، فيراجع نفسه ويستغفر ويتوب.

المعنى الثاني:

التّناهي: تفاعل من النّهي، أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا عن المنكر.

فالمشكلة إذن في ترك (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

وهنا يُطرح سؤال:

كيف يطلب منهم أن ينهوا عن المنكر وهو فعلوا ذلك المنكر؟

الجانب الأول:

حتى من فعل المنكر، مطلوب منه أن ينهى نفسه وينهى الآخرين عن ذلك المنكر، ومطلوب منه أن يصرّح بقبح ذلك الفعل، عسى أن يؤثر ذلك النهي في نفسه أو في الآخرين، ولئلا تنقلب الصورة بحيث يصبح المنكر معروفًا في أذهان الفاعلين والمجتمع.

إذن المطلوب أن يبقى العاصي معترفًا بسوء عمله، وصادحًا علانية بقبح ذلك الفعل، حتى لا تسوّل له نفسه أكثر، فيرى المنكر معروفًا، ويرى المعروف منكرًا.

الجانب الثاني:

هناك قوم لم يفعلوا نفس المعصية والمنكر، ولكنهم حيث أنهم تركوا النهي عن المنكر، فاعتبرهم القرآن الكريم مشاركين وفاعلين للمنكر، كل ذلك بسبب عدم نهيهم وعدم غضبهم لغضب الله تعالى.

 

روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال: (وإنما عاب ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم، ورهبة مما يحذرون، واللّه يقول‏ (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)). [‏موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام: 274].

وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى : (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) قال : أما أنهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم، ولا يجلسون مجالسهم، ولكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم. [وسائل الشيعة 16: 269]

كما أن الراضي بالمعصية شريك فيها، كذلك الساكت عن المعصية شريك فيها أيضًا.

قال الله تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا) [الشمس: 14].

علمًا أنّ الذي عقر الناقة في الخارج هو شخص واحد، ولكن الباقين إما راضين بذلك وإما ساكتين مداهنين، فاعتبرهم القرآن الكريم كلهم مشتركين في الذنب (بذنبهم فسوّاها).

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

18- صفر المظفر- 1440 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات