التحقيق في السيرة الحسينية

التحقيق في السيرة الحسينية

لا شك أن السيرة الحسينية المقدسة كانت ولا زالت وستبقى مصباح هدى ينير الدروب أمام البشرية نحو الهداية والصلاح.

إلا أن تلك السيرة عانت من بعض الضياع والفقدان والإضافات والتحريفات جرّاء العديد من العوامل، ولم يخل ما وصل إلينا من بعض الاختلافات أو التناقضات أو التهافت. وهذا أمر مشترك في النقولات التاريخية المتنوعة، وعلى سبيل المثال للتذكير، نجد الاختلاف في تحديد يوم مولد أو شهادة الإمام المعصوم.

لذا ترى: كلما اقتربت أو حانت ذكرى عاشوراء، تتكرر الدعاوى للتحقيق في السيرة الحسينية، وفي مقابلها تتكرر فكرة أنّ منهجية التحقيق في المسائل التاريخية، يختلف عن منهجية التحقيق في المسائل الفقهية والأصولية. ولكن غالبًا فكرة (الاختلاف في منهجية التحقيق) تبقى عامة وعائمة دون تأصيل وتأسيس.

 

وبعبارة أخرى أوضح:

إنّ الفقه وأصول الفقه قد ازدهرا في المدرسة الإمامية بسبب عدة عوامل، من ضمنها:

1- دوام البحث والتحقيق فيها على مدار العام، وعلى مستويات علمية مختلفة، تبدأ من المقدمات حيث يدرس الطالب الرسالة العملية، وإلى البحث الخارج حيث يناقش بالأدلة مختلف الآراء والنظريات بمستوى مشبع ومنفتح.

2- وجود منهجية واضحة وخطوات مرسومة في الاستدلال.

3- القبول بتعدد الآراء في المنهجية (فهذا العالم يعمل بخبر الثقة، وذلك بالخبر الموثوق، وذلك بالخبر القطعي)، (هذا يعتقد بتأثير عمل المشهور وإعراضهم، وذاك العالم ينفي هذا التأثير) وهكذا.

 

ولكنك إذا أتيت إلى جانب السيرة والتاريخ بشكل عام، وإلى دراسة وتحقيق السيرة الحسينية بشكل خاص، فستجد ما يلي:

1- في البرنامج الدراسي العام للحوزة العلمية، لا يوجد ولا كتاب دراسي واحد في التاريخ الإسلامي أو في السيرة الحسينية. نعم، توجد مناهج لمن يتخصص في التاريخ الإسلامي كتخصص. أما في البرنامج الحوزوي العام – أكررها- لا يوجد ولا كتاب دراسي واحد في التاريخ.

2- تتكرر دعاوى أن أسلوب التحقيق في التاريخ يختلف عن أسلوب التحقيق في الفقه، وهذا أمر مقبول، لكن – حسب اطلاعي على العديد ممن يكرر هذه الدعوى- فالغالبية منهم يطلقون هذه الدعوى دون أن يؤسسوا أو يوضحوا لنا ما هي المنهجية والطرق للتحقيق في التاريخ والسيرة!!

3- فيما يرتبط بالتاريخ والسيرة الحسينية، نفتقد غالبًا مبدأ القبول بتعدد المناهج والقواعد والمباني، وكأن البعض يريد فرض وصاية على عقول الناس، فمن لم يؤمن بالمنهج الفلاني في الاستدلال أو من لم يؤمن بوقوع الحدث الفلاني في التاريخ فهو عميل مغرض، يهدف إلى تضعيف العقيدة وتضعيف الشعائر وما شابه من التهم!!!

لا أريد الاستغراق في ذكر الأمثلة في هذا المضمار، حتى لا يخرج الحديث عن مستوى الأصل، ويصبح مناقشة في المثال، ومن جهة أخرى أرى ضرورة في ذكر بعض الأمثلة ليتضح مقصودي أكثر.

المثال الأول:

في الفقه تتكرر قاعدة (ربّ مشهور لا أصل له) وبذلك لا يجد بعض الفقهاء حرجًا في مخالفة المشهور في فتواهم. ولكن عندما تصل النوبة للسيرة الحسينية، ولا نجد لما ذكره المؤلف الفلاني دليلاً في الكتب السابقة والمصادر، ماذا سنعمل عندئذ؟!

يجيبون (لعله ظفر بما لم نظفر به).

هذه القاعدة صحيحة في نفسها، وتصلح في كثير من الأحيان كاحتمال يمنعنا من اتهام القائل بالكذب، أو من التكذيب القطعي للقصة أو الرواية المزعومة.

ولكن هل قاعدة (لعله ظفر بما لم نظفر به) [مع خلو المصادر السابقة من تلك الواقعة أو القصة أو الحديث] يسوّغ لنا أن نكرر ما قاله ذلك المؤلف وكأنه واقع وحقيقة ثابتة، وننسب ذلك إلى المعصوم – عليه السلام- بأنه فعل أو قال كذا وكذا؟!!

وربما يتخلص من ذلك بعدم نسبة الفعل أو القول مباشرة إلى المعصوم – عليه السلام- بل ننسب القول للمؤلف أو الكتاب، فنقول : قال المؤلف الفلاني أو روى المؤلف الفلاني بأن المعصوم فعل ذلك أو قال كذا؟

تمامًا كما يفعل كثير في وقتنا المعاصر، فحتى يرفع مسؤوليته عما ينقل، يكتب قبله أو بعده (كما وصلني).

ولكن هل هذا مقبول على إطلاقه ؟؟!!!!!

علمًا أن كثيرًا من الخطباء لا ينقل الخبر بالطريقة السابقة لا سيما عند ذكر المصيبة والمقتل، وكثير من الناس لا يلتفت إلى الفرق بين (قال المعصوم) وبين(روى فلان عن المعصوم).

ثم إن قاعدة (لعله ظفر بما لم نظفر به) هل تجري في حق كل كتاب، وفي حق كل مؤلف؟ أو تختص بنوع معين من المؤلفين أو طبقة معينة؟! وهل تجري هذه القاعدة أيضًا على ما يتم تناقله هذه الأيام في وسائل التواصل الاجتماعي مما لم نجده في المصادر والكتب، ونقول لعل هذا الكاتب في الفيس بوك ظفر بما لم نظفر به؟ وهل ستبقى هذه القاعدة تجري لكل ما يستجد طرحه على مرور السنوات والقرون القادمة أيضًا؟

المثال الثاني:

إذا روى ابن قولويه [وهو من أعلام القرن الرابع الهجري] رواية مسندة في (كامل الزيارات)، وروى الفاضل الدربندي [وهو من القرن الثالث عشر الهجري] رواية مرسلة بدون سند (في إكسير العبادات في أسرار الشهادات)، ولكن كانت رواية الدربندي أكثر فجيعة وحزنًا، فبأيهما ستأخذون؟ وأيهما تنشرون وتنقلون على المنابر والقصائد؟

قرأت بالأمس لأحد الفضلاء – رعاه الله- مقالة، ذكر فيها روايتين ضمن المثال السابق، دون أن يحسم ترجيح رواية (كامل الزيارات) رغم قربها الزمني وسندها، كل ذلك بسبب الشجاء الموجود في رواية الدربندي المرسلة التي لم نعثر على مصدرها قبل القرن الثالث عشر!!!

وبعبارة أخرى:

من حقك أن تتخذ مبنى (أولوية مقدار الحزن والشجاء) في النقل، ولكن مع وضوح ذلك وإعلانه بشكل جلي، وبشرط إعطاء الآخرين الحق في اتخاذ مبنى آخر يختلف معك، مثل أولوية (قرب المصدر الزمني) أو (تقديم روايات المعصومين على نقولات المؤرخين) أو غير ذلك.

 

والحمد لله ربّ العالمين

20/ محرّم الحرام/ 1440 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

 

مقالات ذات صلة

تعلیقات