إعادة قراءة (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه)

277 2019-03-13 الحديث
إعادة قراءة (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه)

من الأحاديث النبوية المشهورة بين الشيعة والسنة، الحديث النبوي (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه، (إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)).

ونحن في هذه المقالة نحاول إعادة قراءة وفهم هذا الحديث النبوي، ضمن النقاط التالية:

1- أكدّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على أهمية هذا المبدأ من خلال بيان العاقبة الوخيمة للتخلف عنها.

2- وأكدّ أهل البيت (عليهم السلام) على هذه المبدأ من خلال تكرارهم لحديث جدّهم كجواب وضابطة على الأسئلة التي وردت إليهم.

3- المعنى الشائع لشرح الحديث هو التالي:

ترضون خلقه= يعني أن يكون صادقًا، أمينًا، وما شابه.

ترضون دينه= يعني أن يكون مسلمًا، مواليًا لأهل البيت، ملتزمًا بفعل الواجبات وترك المحرّمات.

ولكني أعتقد أنّ الحديث له معنى أعمق بكثير من ذلك:

وحتى نقرأ الحديث بشكل صحيح، علينا أن نضع سبعة خطوط تحت كلمة (ترضون).

هناك فرق كبير بين (الشيعي) وبين (من أرضى بتشيعه).

وهناك فرق كبير بين (المتديّن) وبين (من أرضى تدّينه).

وهناك فرق أيضًا بين (الخلوق) وبين (من أرضى بأخلاقه).

شرح ذلك:

لنبدأ بالأخلاق، لأن الحديث النبوي ابتدأ به، فنقول:

المثال الأول:

إذا كانت الفتاة كثيرة المزاح، وتقدّم لها شاب (يكره المزاح)، فهذا الخلق لا ترتضيه الفتاة، ولا ينسجم مع خلقها، فهو ليس ممن نرضى بخلقه.

هي تراه مغرورًا، جافًا، لا يضحك ولا يبتسم.

وهو يراها خفيفة، مربوشة وسخيفة.

مثال آخر:

إذا كان الشاب يحب الجلوس كثيرًا مع الأصدقاء، وطلعة الربع والشلّة، وكانت الفتاة من النوع الذي تحبّ أن يمضي زوجها معها الوقت الأكبر، فهي لا ترضى بخلقه.

وربما نتحدث في حلقة قادمة عن قضية (البيتوتي [الذي يفضّل الجلوس في بيته]- والهيتوتي [من الهياتة خارج البيت]).

نكتفي بهذين المثالين، حيث ذكرنا عدة أمثلة أخرى في دورة (أنماط الشخصيات الأربع).

الآن لنأت إلى (ارتضاء الدين):

أنماط التدين يختلف بين الناس، فهناك المتشدد، وهناك الوسطي، وهناك المتراخي الذي يحب أن يعمل بالرخص الشرعية، وكل هؤلاء داخل دائرة التدين.

طيب، افرض أنّ الزوج من النوع المتشدد في تدينه، فهل يناسبه أن يتزوّج فتاة متدينة، ولكنها تأخذ بالرخص الشرعية قدر إمكانها؟!

هو يطلب منها الحجاب الأفضل والأكمل، وهي تريد الحجاب بمقدار الواجب فقط، وهو يصرّ، وهي تصرّ. فما عسى النتيجة أن تكون؟

ولو فرضنا العكس مثلاً:

هي تريد أن تلبس البوشية، وهو يريدها أن تفتح وجهها.

هو يشتري اللحوم والدجاج بدون أن يسأل ويتأكد، وهي لا تأكل تلك اللحوم والدجاج؟

وكذلك بالنسبة لمسألة المراجع والتقليد:

نحن لا نؤيد التعصبّ في التقليد، ولكن افرض أن الشاب متعصب بقوة لمرجع (أ)، والفتاة متعصبة جدًا لمرجع (ب)، وهو يريدها أن تعدل عن تقليد مرجعها، وهي ترفض ذلك، وتريده هو أن يعدل عن تقليد مرجعه.

إذن هنا مشكلة بينهما، فكلاهما متدين بالمعنى العام للتدين، لكن كل منهما يرفض بشدة (طريقة أو كيفية) تديّن الآخر، فيحصل بينهما الخلاف والشقاق.

الخلاصة:

ليس المطلوب فقط أن يكون متدينًا، بل المطلوب أن (نرضى تدينه) أي يكون طريقة تدينه وكيفيته تتوافق مع طريقة وكيفية تدين الفتاة.

4- (من ترضون خلقه وتدينه)

لماذا قدّم (ارتضاء الخلق) على (ارتضاء الدين)؟

لعل الحكمة في ذلك أنّ الخلق إذا كان منسجمًا مع بعضهما البعض، فهذا سيمهد إلى انسجامها في (ارتضاء الدين) والتعايش أو التأقلم مع الاختلاف التي قد تنشأ بينهما في مجال الدين.

وبعبارة أخرى: ارتضاء الخلق= ارتضاء السلوك

والسلوك هو الذي سيؤثر في إدارة أي خلاف يقع بين الطرفين، فهو القادر على تجاوز الخلافات أو الاختلافات التي ربما تحدث.

5- الشاب إذا ذهب للخطبة، حتى وإن كان برفقة أهله، ومع ذلك يقال (أنّ فلان خطب فلانة).

ولذا قال الحديث (إذا جاءكم) بضمير المفرد.

أما النتيجة (فزوّجوه) فالضمير فيها للجمع، ولعل هذا إشارة إلى دور الأهل في قبول ذلك الخاطب أو رفضه.

بعبارة أخرى:

لم يقل الحديث (إذا جاءكِ من ترضين فتزوّجيه) ولم يخاطب الفتاة بمفردها.

بل (فزوّجوه) بضمير الجمع، لذا ينبغي على الفتاة العاقلة أن لا تستبد بقرار مصيري كقرار الزواج بنفسها، بل تستشير في ذلك الأهل العقلاء الحكماء، فأعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله.

والحمد لله ربّ العالمين

27 – جمادى الأولى- 1440 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات