وقاية الإمام الكاظم عليه السلام لشيعته بنفسه

وقاية الإمام الكاظم عليه السلام  لشيعته بنفسه

وقاية الإمام الكاظم عليه السلام  لشيعته بنفسه

 

السؤال:

يتداول الناس حديثًا عن الإمام الكاظم عليه السلام وأنه فدى شيعته بنفسه، كما ينقلون لذلك ثلاثة مصادر (الكافي، والوافي، ومدينة المعاجز) فما مدى صحة ذلك؟

 

الجواب:

1- هذا الحديث رواه الشيخ الكليني (عليه الرحمة) في كتاب الكافي 1: 260، فقال:

علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: (إنّ الله عزّ وجلّ غضب على الشيعة، فخيّرني نفسي أو هم، فوقيتهم والله بنفسي).

وأما كتاب الوافي، وكتاب مدينة المعاجز، فقد أخذا الرواية من الكافي نفسه، وبناء على ذلك لا يمكن اعتبارها مصدرين آخرين للحديث.

2- حيث ورد في السند (عن بعض أصحابنا) فقد ذهب بعض العلماء إلى ضعف السند بسبب الإرسال.

3- لم يوضح الحديث الشريف سبب غضب الله تعالى على الشيعة، واحتمل بعض العلماء أن يكون بسبب تركهم العمل بالتقية، أو مخالفتهم لتوجيهات الإمام المعصوم، أو غير ذلك. وعلى كل حال، لا يكون غضب الله تعالى إلا بسبب مخالفة الأحكام والتوجيهات الإلهية، علمًا أنّ المخالفة لتوجيهات الإمام المعصوم عليه السلام هي مخالفة لله تعالى أيضًا.

4- من البعيد جدًا أن يكون المقصود بالشيعة في الحديث المذكور هو كل أفراد الشيعة في ذلك الوقت، لوضوح أن عصر الإمام الكاظم عليه السلام لا يخلو من بعض الشيعة المخلصين المقرّبين من أهل البيت عليهم السلام.

5- يطرح البعض التساؤل التالي: (كيف يغضب الله تعالى على الشيعة، وينزل العذاب على الإمام؟! أليس العدل أن ينزل العذاب على المغضوب عليهم أنفسهم؟).

يمكن أن تكون العقوبة التي استوجبها الشيعة في ذلك الزمان هي سلب نعمة وجود الإمام المعصوم بين ظهرانيهم، فاستوجبوا الحرمان من نعمة الاتصال بالإمام. ولكن كيف يحصل سلب النعمة في هذه الحالة؟ يوجد احتمالان:

الاحتمال الأول: السجن:

فيكون معنى الحديث، إما أن يسجن الشيعة، ويبقى الإمام حرًا.

وإما أن يسجن الإمام، وتبقى الشيعة حرّة.

وكلا الأمرين يحققان العقوبة الإلهية المفترضة على الشيعة، إلا أن الخيار الثاني أريح لهم، إذ يبقون هم في دورهم وحياتهم وحريتهم، ولكن بدون (إمام معصوم).

فاختار الإمام الكاظم عليه السلام هذا الخيار، لتتحقق العقوبة كما أرادها الله تعالى، وهي حرمان الشيعة من إمامهم، ولكن بالطريقة المخففة على الشيعة، الشاقة على الإمام، وهي سجن الإمام نفسه.

الاحتمال الثاني: الموت والشهادة:

فيكون الطريقة التي فدى الإمام شيعته بها، هي عبارة عن شهادته ولقاء الله تعالى، وبذلك يحصل أيضًا سلب نعمة وجود الإمام الكاظم بين ظهرانيهم، وبناء على هذا التفسير يكون كلام الإمام ناظرًا لشهادته ورحيله فقط، وليس ناظرًا إلى حبسه وعذابه في قعر السجون وظلم المطامير. واختيار الإنسان لقاء الله تعالى، لا سيما إذا كان عن طريق الشهادة، هذا فوز عظيم، يختاره ويفضلّه على البقاء في الدنيا الفانية.

ولعل هناك احتمالات أخرى في تفسير الحديث الشريف.

6- ليس في الحديث السابق أي دليل بأنّ الله تعالى لن يعاقب العصاة من الشيعة في يوم القيامة على ما قاموا به من ذنوب ومعاصي ومخالفات، فوقاية الإمام شيعته بنفسه إنما هو لدفع بلية محددة، وفي دار الدنيا، وليست كفارة عن الذنوب التي صدرت منهم.

7- هذا الفداء والوقاية خاص بتلك الواقعة والقضية، وبذلك العصر السابق، وليس في الحديث ما يدلّ على أن الإمام الكاظم عليه السلام قد وقى بنفسه الطاهرة شيعته الموجودين في هذا الزمن مثلاً.

ولكن في بعض الصور يكون التفضل على الآباء بشكل مباشر، ويعود النفع على الآباء والأبناء معًا. توضيح ذلك بمثال: لنفرض أنّ فلانًا محكوم بالإعدام، وجاء إنسان وقام بالتوسط للعفو عنه، هنا نقول بأن فضل هذه الواسطة على المحكوم بالإعدام بشكل مباشر، وعلى أهل بيته الذين فرحوا وانتفعوا بالإفراج عنه بالتبع، وكذا على أبنائه الذين حصل الحمل بهم بعد العفو عنه. إذ لو تم تنفيذ حكم الإعدام في وقته لما جاء هؤلاء الأبناء إلى الدنيا. فلاحظ جيدًا.

8- اتضح مما تقدّم أن هذا الحديث الشريف لا ربط له بمفهوم الفداء الموجود عند النصارى، حيث يعتقدون أن كل ذنوبهم مغفورة سلفًا ببركة دم السيد المسيح عليه السلام حيث صُلب. فإنّ هذه الفكرة مرفوضة تمامًا عند جميع علماء الإمامية. قال الله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}([1]). وأما فكرة الشفاعة فهي فكرة صحيحة، ولها أدلتها وشروطها، فمن شاء التفاصيل فليرجع إلى الكتب المتخصصة.

9- كل منصف إذا استقرأ حال المسلمين اليوم، ورأى تشتتهم، وضعفهم، وتخلّفهم، وحروبهم، فهل يشك في أنّ الله تعالى غاضب عليهم بما جنته أيديهم على أنفسهم، ولكثرة الذنوب والمعاصي التي أصبحت تمارس جهارًا، في زمن ضعف فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟!!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلّي العظيم

5/ شعبان المعظّم / 1438 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

 

([1]) المدثر 38 – 39.

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات