هل القرآن يسبّ ويشتم ؟!!

52 2018-01-21 العقيدة
هل القرآن يسبّ ويشتم ؟!!

هل القرآن يسبّ ويشتم ؟!!

 

هناك من يزعم بأن القرآن الكريم يسبّ ويشتم، وبذلك فهو يربّي المسلمين على هذه العادة السيئة، وقد ذكروا عدة آيات كأدلة على مدّعاهم، ومن ذلك قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ}، {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}، {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ}، {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}، {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}، {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}.

وفي مقابل هذه الدعوى يوجد اتجاهان في الجواب:

الاتجاه الأول: يقبل أنّ هذا من السباب والشتم، ولكنه يرى أن لا مانع من السبّ والشتم لمن يستحق ذلك.

الاتجاه الثاني: يرى أنّ هذه الآيات الكريمة ليس فيها أي سبّ أو شتم، وهذا هو الصحيح. وحتى يتضح الأمر لا بدّ من المرور بنقاط رئيسية تكون مفتاحًا لفهم المسألة بشكل عام، وتنفع للإجابة على كل الآيات التي من هذا القبيل. وكذلك تنفع لفهم العديد من الروايات والآثار من قبيل (يا ابن مرجانة) أو (يا ابن الطلقاء) أو (يا ابن اللخناء) ما شابه.

 

النقطة الأولى: الفصل بين البحث الفقهي، وبين ما نحن فيه:

لسنا هنا في مقام البحث عن الحكم الفقهي لسبّ الكفّار أو المنافقين أو الفاسقين أو غيرهم، بل في مقام بيان نقاط تفيدنا في مقام التفرقة بين (السبّ) و(غيره). ومجرد وجود حكم فقهي بجواز سبّ وشتم المجرمين أو المشركين (ولو بشروط معينة) هذا لا يكفي لنفهم جميع الآيات السابقة والروايات والآثار بأنها سبّ وشتم.

 

النقطة الثانية: القرآن الكريم يدعو للرفق واللين بقدر الإمكان:

1- قال الله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}([1]).

فكيف نتصوّر أن يأمرنا القرآن الكريم بأن نقول للناس (وليس لخصوص المؤمنين فقط) حسنًا، ولكنه يخالف هذه القاعدة؟

2- {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([2]).

الحكمة من النهي عن سب آلهتهم، لئلا يسبوا الله عدوًا بغير علم، وكذلك الحال لو أنّ الله تعالى سبّهم بنفسه في القرآن، عندئذ سيقوم المشركون بسبّ الله عدوًا بغير علم.

3- حتى فرعون (الذي ادعى الألوهية) نجد الله تعالى أوصى نبيّه موسى بقوله {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}([3]).

4- {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}([4]).

ومع ذلك فربما احتاج الموقف إلى شدة في التعبير، وهذا أمر مقبول عند العقلاء، لذا نجد موسى في موقف له مع فرعون يخاطبه بشدة وحزم {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}([5]).

 

النقطة الثالثة: ما الطريقة الصحيحة في التعبير عن الصفات القبيحة وأصحابها؟

لا شك أن الحياة فيها (المجرم، المغتصِب الفاجر، الحرامي أو السارق، الزانية أو العاهرة، ابن الزنا، الكذّاب، الوسخ، الغبي، الأحمق، الهبل) وأمثال ذلك. فإذا أردنا الحديث عن أحد هذه الأمور وأمثالها [مع مراعاة الضوابط الشرعية كحرمة الغيبة، وحرمة التهمة بدون مجوّز شرعي] ماذا علينا أن نفعل؟ أمامنا عدة خيارات:

الخيار الأول: أن نأتي بتعبير واضح في هذه المعاني، سواءً كان هذا التعبير باللغة الفصحى أو اللغة الدارجة (اللهجة العامية)، علمًا أن الوضوح له درجات، فبعض الكلمات أقل قساوة من غيرها، ولكنها تبقى واضحة في المعنى المراد.

وفي جميع الأحوال، ما دام المعنى واضحًا عند الجميع، هل نرفض هذا التعبير بحجة أنه سبّ وشتم؟!!

الخيار الثاني: أن نستعمل الرموز في الدلالة على هذه المعاني وأصحابها وأمثالها، ونقول عندئذ: إذا كانت الرموز واضحة المعنى، فقد رجعنا إلى الإشكال السابق، وسيعتبره البعض من صور الشتم والسبّ. وإذا كانت الرموز غير واضحة المعنى، فهذه مشكلة كبيرة تؤدي إلى تشويش الأفكار، وسوء التفاهم، واختلاط الأوراق.

الخيار الثالث: نمنع الحديث بشكل تام وعام عن كل المسائل القبيحة بجميع جوانبها وأشكالها وحيثياتها، فلا نتكلم عن (الإجرام، ولا المجرمين، ولا حكمهم، ولا صفاتهم، ولا الأسباب التي تدعوهم لذلك، ولا محاربتهم، ولا ... ولا...)، وكذلك لا نتحدث أبدًا عن (الكذب، ولا الكذّابين، ولا أسباب الكذب، ولا مضار الكذب، ولا عقوبة الكذب، ولا علاج الكذب، ولا... ولا ...)، وهكذا الحال بالنسبة (للاغتصاب، والزنا، وابن الزنا، والشذوذ الجنسي، والغباء، والحمق، ... إلخ). عندئذ ماذا ستكون النتيجة؟! كيف ستكون الحياة؟ وكيف نقوم بالتربية والتوجيه وإدارة النفس والعائلة والمجتمع؟!

 

النقطة الرابعة: ضرورة تطبيق العناوين على المصاديق في كثير من الحالات:

ربما يتصوّر البعض أن الحلّ يكون في الحديث بشكل عمومي، مع عدم تطبيق ذلك العنوان على أشخاص معينين أبدًا. وهنا نقول:

هذا يؤدي إلى فقدان أي قيمة وفائدة من البحوث والكلام والتنظير. لا فائدة في إدانة (الإجرام والاغتصاب) بدون إلقاء القبض على (المجرمين والمغتصبين) ومحاكمتهم ومعاقبتهم وتحذير الناس منهم.

من غير المقبول أن تكون (دور البغاء) مفتوحة، ومع ذلك نمنع الناس من وصف (بنات الهوى) بـ (العاهرات أو الزانيات)؟!!

ومن غير المنطقي أن ندرس مستويات وأسباب (التخلّف العقلي) ومع ذلك نمنع الناس من معرفة أو تشخيص الأفراد الذين يعانون من ذلك!!

 

النقطة الخامسة: شرطية قصد الإهانة أو التشفي في تحقق عنوان الشتم والسب:

لنأت بمثال:

إذا كنا في مقام البحث عن (التخلّف العقلي) والعقبات التي يواجهها (المتخلفون عقليًا) في المجتمع، وأتينا ببعض الحالات والمصاديق الواقعية لشرح ذلك وبيان الأدلة والشواهد، هل يعتبر الناس هذا من (الشتم والسبّ)؟

الجواب: كلا.

مثال آخر: إذا كنا في المحكمة، وجاؤوا بامرأة بتهمة ممارسة (الدعارة)، وقام المدّعي العام ببيان الأدلة والشواهد على ذلك، هل يصف الناس المدّعي العام بأنه يشتم المرأة ويسبها في هذه الحالة؟

الجواب: أيضًا، كلا.

والسبب في كل ذلك، هو أن السبّ والشتم يشترط فيه قصد الإهانة أو مجرد التشفيّ، أما إذا كان لأغراض أخرى عقلائية فلا يندرج في السبّ والشتم.

وكذلك، عندما نتحدث عن أفراد أغبياء أو حمقى مثلاً، من باب الشفقة والرحمة، والبحث عن سبل التعاون معهم ورفع مشاكلهم، فالعقلاء لا يرون ذلك شتمًا أو سبًّا أساسًا. ولكن عندما أطلق هذه الأوصاف على أناس لأجل التشفي، أو قصد الإهانة، فعندئذ يكون ذلك من السبّ والشتم، سواءً كانوا في الواقع من الأغبياء أو الحمقى، أو لم يكونوا كذلك.

 

النقطة السادسة: اختلاف الحال باختلاف المعنى المقصود للمتكلم:

بعض الكلمات يوجد اختلاف في معناها بين الناس، مثل كلمة (رافضي) فالبعض يطلقها وهو يقصد الصورة السيئة التي يحملها لهذه الكلمة (كالكذّاب وابن المتعة)، فتكون عندئذ من الشتم. والبعض الآخر يطلقها وهو يقصد الصورة والمعاني الجميلة (بمعنى أن الرافضي هو من يرفض الظلم والعدوان) فتكون عندئذ مدحًا، وليست من السبّ.

الآن لنأت لكلمة (يهودي) كمثال آخر:

أ- تارة تطلقها على مسلم، وأنت تعلم بأنّه مسلم، وأنّ المسلمين ينفرون من اليهود، ويحملون صورة سيئة عنهم، فتكون من السبّ الواضح عند العرف.

ب- وتارة تطلقها على شخص يعتنق الدين اليهودي، ويكون من باب التعريف بالديانة فقط، أو من باب المناداة إذا لم تكن تعرف اسمه مثلاً، فهذا ليس من السبّ.

ج- وتارة تطلقها على شخص يعتنق الدين اليهودي، ولكن تقصد من تسميته (يهودي) المعاني والصفات السيئة لليهود الصهاينة، كسفك الدماء وخلف العهود والمواثيق، ويكون ذلك من باب الإهانة والتحقير، فتكون عندئذ شتمًا.

 

النقطة السابعة: دور القصص والأمثال والصور والتشبيه في تقريب الأفكار:

من الأساليب التربوية والتعليمية لتقريب الفكرة وزيادة التأثير في الطرف الآخر أن يحكي المرشد والناصح القصص، ويضرب الأمثلة والنماذج القريبة، ويأتي ببعض الصور والتشبيهات، وربما بعض مقاطع الفيديو أو الصور الطبيعية أو الرسومات أيضًا.

كل ما تقدّمت الإشارة إليه من (قصص، وأمثال، وصور، وتشبيهات، وغيرها) قد تكون من حياة البشر أنفسهم، كقصص الأقوام السابقة، وربما تكون من حياة الحيوانات أو النباتات أو الجمادات أو غير ذلك. وقد ذكر القرآن الكريم الحكمة من كل ذلك {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}([6])، {وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}([7])  وليس من باب الشماتة أو الإهانة للمخاطبين ولا للماضين.

وإليك بعض الأمثلة من القرآن الكريم:

1- {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}([8]).

2- {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}([9]).

3- {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }([10]).

وقد ورد هذا الأسلوب أيضًا في الأحاديث الشريفة، ومن ذلك (واعلم يا أبا ذر أنّ اللَّه عزّ وجلّ جعل أهل بيتي في أمتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل من دخلها كان آمنًا)([11]).

 لم يتصوّر أحد أنّ في هذا الحديث الشريف إهانة لأهل البيت عليهم السلام لأنه يشببهم بالجمادات (السفينة والباب)، والسبب في ذلك أنّ العرف يلاحظ وجه التشبيه والهدف منه، ولا يلاحظ المشبّه به في حدّ نفسه. ولذلك إذا قلنا عن شخص بأنه (أسد) فلا يعتبر هذا من السباب باعتبار أن الأسد من الحيوانات، بل يعتبر ذلك من المديح لأن الهدف هو التشبيه بشجاعة الأسد وقوته.

ولنأتِ بمثال آخر من حياتنا: حتى نحثّ المخاطب على الوفاء، وننفرّه من الغدر والخيانة، ربما نستعين بمثال الكلب، فالكلب معروف بوفائه لصاحبه، فهل يقول أحد أنّ الكلام عن وفاء الكلب إهانة وشتم للمخاطب؟!

 

الآن لنرجع للإجابة عن أصل البحث، ونستعرض أهم الأدلة والشواهد مع التعليق عليها بما تيسّر:

1- {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}([12]).

الإنسان إما أن يكون على الدين الإسلامي، وإما أن لا يكون كذلك، فعندما يخاطب القرآن غير المسلمين، أو يتحدث عن شؤونهم وأحكامهم، ماذا عساه يعبّر عنهم؟!! هل يفترض أن يعبّر عنهم بـ(المسلمين) مع أنهم يرفضون الدين الإسلامي؟!

وبذلك اتضح أن كلمة (كافر) أو (مشرك) عندما تطلق على غير المسلم بهذه الدواعي العقلائية فهي ليست شتمًا. وكذلك الحال بالنسبة لأي فكرة أو مبدأ في العالم، هناك اسم يطلق على من يعتنقها ويؤمن بها، وهناك اسم آخر يطلق على المخالف لها، ولا يمكن أن نسمي المخالف للفكرة والمبدأ بنفس اسم ولقب من يعتقد بها، ويدافع عنها.

 

2- {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}([13]).

من أهداف القرآن الكريم أن يوضح لنا الصفات والأشخاص القريبين من الرحمة والقرب الإلهي والجنّة، وذلك لنتحلى بتلك الصفات، ونقتدي بأولئك الأشخاص ونحبّهم ونتولاهم، فيشملنا فضل الله ورحمته. وكذلك يوضح لنا الصفات التي تستوجب الطرد والخروج من الرحمة، ويستحق صاحبها الغضب الإلهي والخلود في النار، وذلك لنبتعد عن تلك الصفات، وعن أولئك الأشخاص، ولا نتأثر بهم من حيث نشعر أو لا نشعر. وليس هذا من السبّ والشتم أبدًا، إذ ليس هو من قبيل ما يقوله إنسان لآخر عند غضبه (لعنك الله).

لتقريب الفكرة: عندما يوضّح العالِم أو المدير أو الملك الصفات التي يحبّها، والأشخاص المقرّبين منه، ويبيّن الصفات والخصال التي يكرهها، والأشخاص المبعدين والخارجين عن القانون، فمن الواضح أن ذلك ليس من الشتم، فلاحظ جيدًا.

 

3- {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}([14]).

 الآية الكريمة ليست من قبيل قول إنسان لأخر (يا قرد) من باب الإهانة ليكون شتمًا، بل الآية تتكلم عن حادثة تاريخية لأخذ العظة والعبرة، فعندما خالف أولئك القوم الأوامر الإلهية ونزل الغضب عليهم، تحوّلوا إلى قردة خاسئين. بمعنى أن الغضب الإلهي قلب شكلهم الخارجي ومسخهم إلى صورة قردة. وبالتالي: عندما أخبرك عن واقع تاريخي، وأنّ الله تعالى مسخ أشكال القوم العصاة وأصبحوا بشكل القردة، فليس هذا الإخبار من الشتم أبدًا.

والعجيب أن بعض الناس يعتقدون أن أصل الإنسان من القردة (حسب نظرية دارون)، ولكنهم مع ذلك يعتبرون الآية الكريمة من السبّ والشتم!!!

 

4- {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}([15]).

اتضح مما تقدّم أن الله تعالى بيّن للبشرية القوم الذين غضب عليه وطردهم من رحمته، ومسخهم وجعلهم على صورة القردة والخنازير، وذلك ليتعظوا ويعتبروا، وليس في الآية شتم أو سباب.

 

5- {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}([16]).

إذن هم الذين يشتمون المؤمنين، ويصفونهم بالسفهاء، وهم الذين يستهزؤون كما اعترفوا بذلك في خلوتهم بشياطينهم، فأجاب القرآن عليهم بأنّ من يرفض الهداية والصلاح والنجاح هو السفيه الواقعي، سواءً أدرك ذلك أو لا. فالآية الكريمة ليست في مقام الشتم، بل في مقام بيان معنى السفه الحقيقي، لينتبه الغافل، ويستيقظ النائم قبل فوات الفرصة.

وأما استهزاء الله تعالى بهم، فقيل أنّه عبارة عن إجراء أحكام المسلمين عليهم ردحًا من الزمن، مع إنزال الهوان والحقارة بهم في نهاية المطاف دنيًا وآخرة، وربما سمي الجزاء وردّة الفعل باسم الفعل نفسه، كما ورد نظير ذلك في قوله تعالى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}([17]) مع أن ردّ الاعتداء ليس اعتداءً حقيقيًا، وقوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}([18]). وبذلك اتضح أيضًا معنى قوله تعالى {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}([19]) إذ المعنى أن الله تعالى يردّ على سخريتهم، ويريهم العاقبة والجزاء على ذلك، فسمى ردّة الفعل باسم الفعل نفسه.

 

6- {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}([20]).

دور القرآن الكريم هو الهداية وبيان طريق الحق والصواب والنجاة. ولم ينزل القرآن الكريم للمجاملة والمحاباة. الآن اسمحوا لي أن أسألكم: لو فرضنا إنسانًا وهبه الله تعالى عقلاً وعينين وأذنين ومواهب عديدة غير موجودة لدى الحيوانات، إلا أن هذا الإنسان لم يستفد من تلك المواهب والقدرات، وقام بتعطيلها وتجميدها، فأيهما أفضل (هذا الإنسان) أو (الحيوانات)؟

كل إنسان منصف وصريح سيقول الحقيقة، وهي أن الحيوانات أفضل من هذا الإنسان. ولا يعتبر هذا من الشتم أبدًا.

وكذلك: أيهما أفضل (الإنسان المغتصب للنساء والأطفال، الذي يسفك دماء آلاف الأبرياء) أو (الحمار)؟

لا يوجد منصف عاقل يقول أنّ هذا المجرم أفضل من الحمار، بل لا يوجد مقارنة بين الحمار البريء، وبين هذا الإنسان المجرم.

 

    7- {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}([21]).

الذين كذّبوا بآيات الله تعالى؛ لفرط اتباعهم الهوى، وتعلقهم بالماديات، انتابتهم حالة من التعطش الشديد غير المحدود وراء لذائذ الدنيا، وكل ذلك لم يكن لحاجة طارئة مؤقتة، بل سجية وطبيعة ساروا عليها دائــــمًا، بحيث بات لا ينفــع معهم ولا يؤثـــر فيهم آيــات اللـه، ولا الموعظة والنصيحة. وحتى تقترب الفكرة أكثر من ذهن السامع، وينفر من هذه الحالة أتى القرآن الكريم بمثال وصورة، وهي عبارة عن الكلب، فهو إن هجمت عليه يلهث، وإن تركته لوحده أيضًا يلهث. إذن وظيفة هذه الصورة التي يرسمها القرآن الكريم ليس الإهانة والتشفي، بل وظيفة الصورة القيام بدور تربوي في سبيل الهداية والإصلاح. وقد أوضحت الآية الكريمة في ذيلها الهدف من ذكر هذه القصة والصورة {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

 

8- {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}([22]).

هنا حكم تربوي آخر، فهناك طائفة من البشر تحمل العلم وتحفظه، وتنقله إلى الآخرين، ولكن دون أن تعي وتفهم ذلك العلم وتستفيد منه. وحتى يتضح فظاعة هذا الأمر، بحيث ينفر منها الإنسان، أتى القرآن الكريم بصورة الحمار، الذي يحمل كتب العلم على ظهره، وينقلها من مكان إلى آخر، وربما تعب وأرهق في عملية النقل، ولكنه مع ذلك لا يعي ما في تلك الكتب، ولا يفهمها، ولا يستفيد منها.

 

9- {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ}([23]).

هذا تعجب من فرار المشركين من سماع الموعظة، يهربون لئلا يسمعوا القرآن والنصيحة، وهذا النفور والهروب شديد وبشكل جماعي، يشبه هروب الحمير الوحشية عندما يهجم عليها الأسد. (والمشهور أن الحمار الوحشي يخاف جدًا من الأسد، عندما يسمع صوت الأسد يستولي عليه الرعب فيركض في كل الاتجاهات، وإذا حمل الأسد على فصيل منها، فإنها تتفرق في كل الجهات بحيث يعجب الناظر من رؤيتها).

 

10-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا...}([24]).

اختلف العلماء في تفسير المقصود بـ (نجس) في الآية الكريمة، وعلى كل حال فاعتبار أبدان المشركين نجسة (كما هو أحد آراء الفقهاء) بحيث يتوجب على المسلم تطهير بدنه إذا لامس أبدان المشركين برطوبة، وكذا منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام؛ هذا من الأحكام الفقهية، ومن حق الشريعة الإسلامية أن تعطي مزايا للمسلمين، وتمنع المشركين من بعض المزايا. وكذا الحال في الدول، فالدول عادة تعطي مزايا لمواطنيهم، وتمنع الأجانب من بعض الأمور والمميزات، ولا يعتبر ذلك من الشتم أو السباب. وكذلك نجد فئات من المجتمع تجتنب ملامسة أجساد مجموعة من الناس لدواعٍ صحية أو غيرها، ولا يرى العقلاء ذلك من الإهانة والتحقير.

 

11- {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}([25]).

حلّاف: يكثر من الحلف بلا سبب موجب. ولازم كثرة الحلف في كل يسير وخطير، وحق وباطل، أن لا يحترم الحالف شيئًا مما يقسم به، وإذا كان حلفه بالله فهو لا يستشعر عظمة الله عزّ اسمه، وكفى بذلك رذيلة.

مهين: حقير.

همّاز: يكثر الطعن في أعراض الناس.

مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ: يمشي بالنميمة والوشاية، والنمام هو الذي يضرب الناس بعضهم ببعض بنقل الأحاديث.

مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ: لا يفعل الخير، ويمنع الناس من فعله.

معتد: على حقوق الآخرين.

أثيم: كثير الذنوب والآثام.

عتل: فظ غليظ.

(بعد ذلك) وفوق هذه الأوصاف هو (زنيم) دعيّ لا يعرف له نسب، أي أنه ابن زنا، ولا يعرف من هو أبوه.

والحاصل أنّ الآيات الكريمة في مقام بيان مجموعة من أعداء الحق والسلام والإسلام، وأوضحت مجموعة من مواصفاتهم، وختمت تلك الصفات بأنّ أولئك أبناء زنا. وليس مقصود الآيات الكريمة مجرد التشفي والإهانة، بل بيان مخاطر تلك الصفات، وبيان دور ولادة الإنسان من الحرام في انحرافه عن الحق ووقوفه أمام الهدى.

وبعبارة أخرى: النصوص الواردة في مقام بيان النتائج التي يصل إليها أبناء الزنا، وخصائصهم، هذه النصوص كلها ليست في مقام الشتم، بل في مقام الوعظ والنصيحة، ليحذر المجتمع من هذه الآفة، وليحذر المجتمع من اتباع أولئك المضلّين.

 

وإذا اتضح لك جميع ما تقدّم، فقد هانت واتضحت الإجابة على استدلال القوم بآيات قرآنية أخرى، لم نذكرها من باب الاختصار. وبقي أن نذكر أمرًا مهمًا، وهو التالي:

تعمّدت السياسة قلب وتزوير الحقائق والتاريخ، فأصبح الطلقاء وأبناؤهم يتقمّصون شخصيات وأدوار حماة الدين، وأصبح (زياد بن أبيه) زياد بن أبي سفيان، وأصبح (تارك الصلاة، السكير، القاتل للنفس المحترمة) أميرًا للمؤمنين، وأصبح (عبيدالله بن زياد) يتكلم باسم الإسلام، وأصبح (طريد رسول الله) خليفة لرسول الله، وأسبغت الألقاب والأدوار لغير أصحابها الحقيقيين، لذا جاءت النصوص والأخبار لترسيخ الحقائق والتذكير بها قدر الإمكان لئلا ينسى الناس الحقائق الواقعية أكثر، ولم يكن يستبعد في تلك الظروف أن يزّور التاريخ بحيث يصبح المهاجرون الأوائل هم الطلقاء، ويصبح الطلقاء هم المهاجرون الأوائل، من هنا نفهم الخطاب بـ (يا ابن الطلقاء)، (يا ابن مرجانة)، (يا ابن اللخناء).

 

والحمد لله أولاً وآخرًا

1/ شعبان المعظّم / 1438 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

 

([1]) البقرة: 83 .

([2]) الأَنعام: 108.

([3]) طه: 44 .

([4]) الفرقان: 63.

([5]) الإسراء: 101 – 102.

([6]) الأعراف: 176.

([7]) إبراهيم: 25.

([8]) إبراهيم: 24- 26.

([9]) البقرة: 261.

([10]) البقرة: 265.

([11]) الوافي 26: 186.

([12]) الكافرون: 1.

([13]) البقرة: 159.

([14]) البقرة: 65.

([15]) المائدة: 60.

([16]) البقرة: 13- 16.

([17]) البقرة: 194.

([18]) الشورى: 40.

([19]) البقرة: 79.

([20]) الأعراف: 179.

([21]) الأعراف: 175- 176.

([22]) الجمعة: 5.

([23]) المدثّر: 49- 51.

([24]) التوبة: 28.

([25]) القلم: 10- 15.

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات