القرآن الكريم أجاب على أوهام الملحدين

القرآن الكريم أجاب على أوهام الملحدين

القرآن الكريم أجاب على أوهام الملحدين

 

عجيب هذا القرآن الكريم، كيف أنه تحدّى البشرية، وما زال البشر عاجزين عن قبول تحدي القرآن الكريم، وإنما يلجأون إلى ألاعيب الصبيان، وترهات جانبية هامشية يسلّون بها أنفسهم. ومن هذا القبيل ما أطلعني عليه بعض المؤمنين، وهي مقالات لبعض الملحدين يعتقد صاحبها أنها جاء بفتح مبين في نقد القرآن والإسلام!!

هذا الانتقاد الذي يطرحه الملحدون، هو عبارة عن تشابه بعض ما جاء في الإسلام لما هو موجود في ديانات أخرى قديمة، تأسس بعض تلك الديانات قبل الإسلام بحوالي ألفي سنة في أماكن بعيدة عن الحجاز، وبالتالي فمحمد قد أخذ هذه الأفكار من تلك الديانات، وصاغ منها ديانته الخاصة به، ولم ينزل عليه وحي من السماء. وأتعب الكاتب نفسه بسرد مجموعة من الأمثلة، كالاعتقاد بوجود ملائكة، ووجود الصراط، وتحريم الربا واللواط والسرقة.

وخلاصة الإجابة على ذلك:

أولاً: نحن هنا لسنا بصدد البحث والتحقيق، عن صحة ما نسب إلى الديانات السابقة وعدمه، فإنّ ذلك يحتاج إلى متخصصين وأدلة قوية، ولا ننخدع بسرعة بمجرد أن يقول أحد (أثبتت الدراسات، أو ثبت علميًا) فإنّ كثيرًا من ذلك أكاذيب مزخرفة، ودعايات وفقاعات إعلامية، ليس أكثر، لا سيما وأن بعض تلك الديانات كما يزعمون كانت قبل الإسلام بألفي سنة، أي قبل الآن بثلاثة آلاف وخمسمائة سنة تقريبًا.

ثانيًا: إذا كان (محمدًا) سيأخذ هذه الأفكار من الديانات السابقة، فالأقرب والأسهل له أن يأخذها من الديانات القريبة منه زمانًا ومكانًا، لا أن يأخذ الأفكار من الصين أو إيران، وهو لم يسافر إليها، ولم توجد عنده شبكة انترنت ليبحث عبر قوقل.

كما أنّ الأقرب إلى (محمد) -لو أراد ذلك- أن يأخذ من دين الحنيفية، واليهود، والنصارى الذين كانوا قريبين من الحجاز، فإسماعيل بن إبراهيم عليه السلام مؤسس الحياة في مكة المكرمة، و(محمد) كان يعيش في مكة، وليس في الهند.

ثالثًا: وجود تشابه في بعض الأفكار، لا سيما الأفكار الفطرية أو العقلية (كحرمة السرقة والظلم) هذا لا يدل على أن أحد الأشخاص أخذ أو سرق الفكرة من الآخر.

رابعًا: القرآن الكريم يذكر في العديد من الآيات أن هذا الدين، هو استمرار للدين السماوي الواحد، فالخطوط العريضة في هذا الأديان السماوية واحدة، وإن كان يوجد بعض الاختلافات في بعض التفاصيل.

{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا}([1]).

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}([2]).

{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}([3]).

خامسًا: بعض الأفكار التي ادّعى الملحدون وجودها في الديانات القديمة، أساسًا كانت موجودة عند قريش أنفسهم، فـ (محمد) ليس بحاجة إلى سرقة تلك الفكرة من ديانات بعيدة زمانًا ومكانًا، ومثال ذلك (وجود الملائكة)، قال الله تعالى {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ}([4]) إذن قريش كانت تؤمن بوجود (الملائكة).

سادسًا: تهمة أنّ (محمدًا) أخذ هذه الأفكار من الديانات السابقة، هذه فكرة قديمة، كانت قريش ترددها، وأجاب عليها القرآن الكريم، ومن حكمة الله تعالى أنّ (محمدً) كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يدرس في جامعة، ولم يسافر إلى بلاد فارس والهند والصين، ولم يستعمل الانترنت، حتى يقطع الطريق أمام هذه الأوهام والاتهامات لكل من يبحث عن الحقيقة والواقع.

{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}([5]).

{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}([6]).

 

وفي نهاية هذا المقال، أوصي الأحبة بمراجعة كتاب (المرسِل- الرسول- الرسالة ) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (أعلى الله مقامه)، وننقل هنا مقطعًا من كلامه:

(الاُولى: أنّ هذا الشخص الذي أعلن رسالته على العالم باسم السماء ينتسب إلى شبه الجزيرة العربية، التي كانت من أشدّ أجزاء الأرض تخلّفًا في ذلك الحين من الناحية الحضارية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وينتمي إلى الحجاز بالذات من أقطار تلك الجزيرة، وهو قطر لم يمرّ حتى تأريخيًا بمثل الحضارات التي نشأت قبل ذلك بمئات السنين في مواضع اُخرى محدّدة من تلك الجزيرة، ولم يعرف أيّ تجربة اجتماعية متكاملة.

ولم ينلْ هذا القطر من ثقافة عصره ـ على الرغم من انخفاضها عمومًا ـ شيئًا يذكر، ولم ينعكس على أدبه وشعره شيء ملحوظ من أفكار العالم وتيّاراته الثقافية وقتئذ، وكان منغمسًا من الناحية العقائدية في فوضى الشرك والوثنية، ومفكّكًا اجتماعيًا تسيطر عليه عقلية العشيرة، وتلعب فيه الانتماءات إلى هذه العشيرة أو تلك الدور الأساسي في أكثر أوجه النشاط بكلّ ما يؤدّي إليه ذلك من التناقضات وألوان الغزو والصراع الرخيص.

ولم يكن البلد الذي نشأ فيه هذا الرسول قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم سوى ما يفرضه الولاء للقبيلة من مواضعات.

ولم يكن وضع القوى المنتجة والظروف الاقتصادية في ذلك الجزء من العالم يتميّز عن أكثر بقاع العالم المتخلّف حينذاك.

وحتى القراءة والكتابة ـ بوصفها أبسط أشكال الثقافة ـ كانت حالةً نادرةً نسبيًا في تلك البيئة، إذ كان المجتمع اُميًّا على العموم: ﴿هُوَ الَّذي بَعَثَ في الاُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين([7]).

وكان شخص النبي صلى الله عليه و آله و سلم يمثّل الحالة الاعتيادية من هذه الناحية، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ويكتب، ولم يتلقّ أيّ تعليم منظّم أو غير منظّم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ([8]).

وهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة، وهو دليل حاسم حتى في حقّ من لا يؤمن بربّانية القرآن؛ لأنّه ـ على أيّ حال ـ نصّ أعلنه النبّي صلى الله عليه و آله و سلم على بني قومه، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتأريخه، فلم يعترض أحد على ما قال، ولم يُنِكر أحد ما ادّعى.

بل نلاحظ أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يساهم قبل البعثة حتى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعًا في قومه من شعر وخطابة، ولم يؤثَر عنه أيّ تميّز عن أبناء قومه، إلّا في التزاماته الخُلُقية وأمانته ونزاهته وصدقه وعفّته.

وقد عاش أربعين سنةً قبل البعثة في قومه دون أن يحسّ الناس من حوله بأيّ شيء يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذور عملية أو اتّجاهات جادّة نحو عملية التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عامًا من عمره الشريف:﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ([9]).

وكان النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد ولد في مكّة، وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلّا في سفرتين قصيرتين: إحداهما مع عمّه أبي طالب وهو صبي في أوائل العقد الثاني، والاُخرى بأموال خديجة وهو في أواسط العقد الثالث.

ولم يتيسّر له ـ بحكم عدم تعلّمه للقراءة والكتابة ـ أن يقرأ شيئًا من النصوص الدينية لليهودية أو المسيحية، كما لم يتسرّب إليه أيّ شيء ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة؛ لأنّ مكّة كانت وثنيةً في أفكارها وعاداتها، ولم يتسرّب إليها الفكر المسيحي أو اليهودي، ولم يدخل الدير إلى حياتها بشكل من الأشكال، وحتى اُولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكّة لم يكونوا قد تأثّروا باليهودية أو المسيحية، ولم ينعكس شيء من الأفكار اليهودية والمسيحية على ما خلّفه قسّ بن ساعدة أو غيره من تراث أدبيّ وشعري.

ولو كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد بذل أيّ جهد للاطّلاع على مصادر الفكر اليهودي والمسيحي للوحظ ذلك؛ إذ في بيئة ساذجة ومنقطعة الصلة بمصادر الفكر اليهودي والمسيحي ومعقدة ضدّها لا يمكن أن تمرّ محاولة من هذا القبيل دون أن تلفت الأنظار، ودون أن تترك بصماتها على كثير من التحرّكات والعلاقات) انتهى موضع الحاجة.

 

والحمد لله ربّ العالمين

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين

10/ شعبان المعظّم / 1438 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

 

([1]) النساء: 163.

([2]) الشورى: 13.

([3]) النحل: 123.

([4]) الأَنعام: 8.

([5]) الفرقان: 5 – 6.

([6]) العنْكبوت: 48.

([7]) الجمعة: 2.

([8]) العنْكبوت: 48.

([9]) يونس: 16.

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات