ومضات الحج

ومضات الحج

الومضة (1): الحاج والمعتمر وفد الله

روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : الحاج والمعتمر وفد الله إن سألوه أعطاهم وإن دعوه أجابهم وإن شفعوا شفعهم وإن سكتوا ابتدءهم ويعوضون بالدرهم ألف [ ألف ] درهم.

كلمة (وفد) جاءت في قوله تعالى (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً) [مريم : 85]

والوافد هو الراكب المكرّم الخارج إلى ملك أو أمير.

والحاج والمعتمر لهما هذا المقام, أنهم (وفد الله), ولهما مميزات:

الميزة الأولى: إن سألوه أعطاهم. الله سبحانه وتعالى هو الجود والكرم, ولا يرد سائلاً, وتزداد مظاهر الجود والكرم والرحمة في أوقات معينة وأماكن معينة, كما في شهر رمضان, وهكذا في البيت الحرام.

إذا للحاج والمعتمر ميزة إضافة بحيث لا يرد لهم سؤالاً وطلبًا.

الميزة الثانية: (وإن دعوه أجابهم) وهذا إيضًا من باب الزيادة , لأن الله تعالى يجيب دعوة الداعي إذا دعاه, فكيف إذا كان الداعي وافدًا على الله تعالى.

الميزة الثالثة: (وإن شفعوا شفعّهم) فالجود والكرم لا تختص بهم فقط, بل شفاعتهم في حق غيرهم مقبولة, لذا يأمل من الحجاج والمعتمرين الدعاء أولاً لتعجيل الفرج, ومن ثم الدعاء للمسلمين والمؤمنين والأهل والجيران والأصدقاء وغيرهم.

الميزة الرابعة: (وإن سكتوا ابتدأهم) أي يغدق عليهم العطايا والمنح حتى وإن لم يطلبوا ولم يدعوا ويشفعوا.

الميزة الخامسة: التعويض عن المال الذي يصرفه الحاج والمعتمر, ولكن ليس بعشر أضعافها, بل بألف ضعف, وفي بعض النسخ أن هذا التعويض بألف ألف, يعني بمليون ضعف, والله ولي التوفيق.

 

الومضة (2): تارك الحج:

قال الله تعالى: {...وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

وجوب الحج من ضروريات الدين, ومنكره ـ إن كان بدون شبهة ورجع إلى إنكار الخالق أو النبوة أو تكذيب النبي ـ مرتد. وربما يستفاد من هذه الآية الكريمة أن ترك الحج بدون عذر على حد الكفر بالله تعالى. وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث كصحيح ذريح المحاربي عن أبي عبدالله- عليه السلام- قال: (من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به, أو مرض لا يطيق فيه الحج, أو سلطان يمنعه فليمت يهوديًا أو نصرانيًا)

وفي قوله تعالى: { فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} إشارة واضحة إلى أن فوائد الحج وغاياته راجعة إلى البشر أنفسهم, وأما الله تعالى فهو الغني المطلق, لا فقر ولا حاجة في ساحته المقدسة.

 

الومضة (3): إدمان الحج ويسار المال:

ذكرنا في ومضة سابقة رواية جاء فيها أن الله تعالى يعوّض الحاج والمعتمر عن الدرهم بألف درهم, وفي نسخة أخرى من الرواية يعوّضه بألف ألف درهم أي مليون درهم.

 

وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أنه : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لا يحالف الفقر والحمى مدمن الحج والعمرة.

وفي رواية ثالثة قال الرواي للإمام الصادق ( عليه السلام ) : إني قد وطنت نفسي على لزوم الحج كل عام بنفسي أو برجل من أهل بيتي بمالي ؟ فقال الإمام : وقد عزمت على ذلك ؟ قال : قلت : نعم ، قال : إن فعلت فأبشر بكثرة المال .

 

الومضة (4): أعذار غير مقبولة لتأخير الحج

وجوب حجة الإسلام فوري, أي تجب المبادرة إليه في العام الأول من الاستطاعة, ولا يجوز التأخير إلى سنة أخرى. فإن أخرّ وجب عليه في السنة التالية, وهكذا.

 وحسب المشهور بين الفقهاء فالتأخير في أداء الحج بدون عذر يعتبر من الذنوب والمعاصي.

ومن ضمن الأعذار غير المقبولة تأخير الحج بحجة الاستعداد النفسي للحج في السنة المقبلة, أو ليذهب مع صديقه إلى الحج في السنة القادمة, أو وجود بعض الأعمال الدنيوية التي يمكن تأخيرها أو الاستغناء عنها, بل حتى الزواج, فالحج له أولوية على الزواج, ولا يصح تأخير الحج بحجة أنه سيحج بعد زواجه.

 

الومضة (5) : التسويف في إتقان الحج:

من الحبائل التي يستعملها الشيطان في إلهاء وإغواء الإنسان, خدعة التسويف. فالإنسان يعلم مثلاً أن الصلاة المقبول هي صلاة الخاشعين, ولكن هل ترانا نخشع في صلاتنا؟

يسوّل لنا الشيطان, هذه الصلاة أدها بسرعة وخفة لوجود أعمال أخرى لديك ضرورية, واترك الخشوع وحضور القلب لصلوات قادمة, ولذلك جاءت الوصية النبوية (وصلّ صلاة مودّع) أي تعامل مع هذه الصلاة التي ستصليها الآن بأنها آخر صلاة لك في حياتك وبعدها سيأتي الموت, وتنتقل إلى عالم الآخرة بهذه الصلاة التي ستؤديها الآن.

وكذلك بالنسبة للحج, يأتي الشيطان ويسوّل للإنسان عدم الاهتمام بصحة الحج مثلاً من باب أنه سيحج مرة أخرى في السنة القادمة فلا ضرورة لتصحيح هذا الحج, وكذا يوسوس للإنسان بحيث لا يهتم بالاستفادة المعنوية من الحج باعتبار أن كل ذلك سيأتي في سنوات قادمة.

 والصحيح أن نحجّ حج مودّع, بمعني أن نهتم بصحة وآداب الحج وحضور القلب وتطهيره, إذ لعل العمر ينتهي وننتقل عن هذه الدنيا قبل أن ندرك الحج في السنة القادمة. من جهة أخرى: ما المانع أن نبذل قصارى جهدنا في تحسين الحج في كل سنة, وفي تحسين الصلاة في كل فريضة, فالعبادات كنوز المعرفة والقرب الإلهي كلما غرفت منه سيكون هناك مزيد لم تحصل عليه أنت.

 

الومضة (6): نحن وأسرار الحج:

هل تريد الحج هذا العام؟ وهل تبحث عن أسرار الحج؟

الكثير من الناس يبحث عن (معرفة سطحية) لأسرار الحج، ولا يوجد بداخله الدافع الكامل للحركة نحو تلك الأسرار ليتذوقها ويحصل عليها.

تبدأ المناسك بالتلبية (لا شريك لك) فهل نحن كذلك.

الإنسان الذي أوقع نفسه أسيرًا بيد شهوة الجنس, أو الاستماع للغناء, كيف يمكنه أن يلبي بصدق.

وكذا الإنسان الذي يمنعه حب المال عن إخراج الخمس والزكاة؛ كيف له أن يتذوق التلبية وحب المال يحرفه عما يأمره الله به، وكذا من يستمر على أي معصية أو يتهاون بها ويستخف فهو ليس صادقًا في قوله (لا شريك لك)

إذن الخطوة العملية الأولى لتذوق أسرار الحج هي أن تغيّر ما بداخلك وتعزم على ترك جميع المعاصي بلا استثناء.

الخطوة الأولى هي أن تعزم وتخطط ليكون الحج بداية فعلية لعلاقة أقوى وأفضل بالله تعالى حتى بعد رجوعك من الحج.

عزيزي الحاج .. لا تنتظر أن يقوم الحج بتغييرك نحو الأحسن. بل بادر أنت وخطط واعزم ورتّب أعمالك وأفعالك ليكون الحج بداية التغيير.

تروك الإحرام تجسيد لهذا المعنى، فترك الطيب والمخيط والتدهين والجنس تعني أن تنسى كل شيء وتتجه وتهتم بأمر واحد فقط، وهو الله سبحانه.

وترك إزالة الشعر وترك إخراج الدم وعدم قتل هوّام الجسد تعني أنه لا يحق لي أن أتصرف حتى في بدني بما أريد أنا.

وخلاصة المناسك أن يكون الله تعالى هو كل شيء في وجودنا، فنمتثل أوامره حتى لو أمرنا بذبح ابننا بأنفسنا، وترك نواهيه حتى على مستوى إزالة شعرة واحدة من جسدنا.

فهل أوجدت في نفسك العزم والإرادة على هذا المستوى وهذه الدرجة من الطاعة والامتثال في بقية حياتك كلها ؟!

 

الومضة (7): ضرورية إتقان الطهارات الثلاث:

يشترط في صحة الطواف الواجب وصلاة الطواف أن يكون الإنسان على طهارة من الحدث. أما بقية مناسك وأعمال الحج والعمرة فلا تشترط فيها الطهارة.

ومن السنن الحسنة التأكيد على صحة الوضوء والغسل والتيمم قبل الذهاب للحج.

فمن كان غسله من الجنابة باطلاً فطواف الواجب وصلاته باطلان.

وكذا من كان اغتسالها من الحيض باطلاً فطوافها الواجب وصلاتها باطلان.

وكذا الحال في الوضوء.

كما يجب أن تكون صلاة الطواف صحيحة من حيث الواجبات والأركان.

وحيث نعلم أن الصلاة عمود الدين، إن قُبلت قُبل ما سواها، وإن رُدّت رُدّ ما سواها، فالواجب على العاقل أن يتأكد من صحة طهارته وصلاته حتى وإن لم يكن عازمًا على الحج.

سؤال:

لنفرض أن حاجًا عرف خطأه في الوضوء وهو في طريقه إلى مكة المكرمة، فهذا هذا الوقت المتبقي يكفي ليتقن الوضوء الصحيح؟!!

بما أن عملية تصحيح الأخطاء الواقعة في الطهارات والصلاة تحتاج إلى بعض الوقت والتركيز والتكرار، فاللازم على الحاج أن يبادر إلى ذلك في أسرع فرصة ليتمكن ويطمأن من التصحيح - إن وجد خطأ-

وليس من الضروري أن يكون المشرف على مراجعة وضؤوك وصلاتك هو مرشد حملتك نفسه، بل يمكنك الاستعانة بأي طالب من طلاب العلوم الدينية الذين تثق بخبرتهم وسعة صدرهم

 

الومضة (8): التيمم الطهارة الغائبة:

تعرّض القرآن الكريم للتيمم في موضعين, (النساء 43) , (المائدة 6) وقد ذكر الفقهاء – أعلى الله مقام الماضين وحفظ الباقين- وجوب تعلم أجزاء العبادات الواجبة وشرائطها بحيث يكون قادرًا على أداء العبادة بشكل صحيح. وحيث كان الإنسان في معرض الابتلاء بوجوب التيمم, فيجب عليه تعلّم الموارد التي يجب عليه التيمم على نحو التعيين, والموارد التي عليه الاحتياط بالجمع فيها بين الوضوء والتيمم أو بين الغسل والتيمم, كما يجب على المكلف أن يتعلّم الطريقة الصحيحة للتيمم, والأشياء التي يصح التيمم بها. وللأسف الشديد ما زال التيمم هو الطهارة الغائبة التي لم نولها أهميتها في البيان, وربما قام الإنسان بترك التيمم فوقع في بطلان صلاته وصومه وطوافه.

 

الومضة (9): الحج البذلي:

من شروط وجوب حجة الإسلام الاستطاعة المالية, وذلك لقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). والاستطاعة المالية على نحوين:

النحو الأول: أن يكون الحج بالمال الشخصي للحاج نفسه, سواءً اكتسب هذا المال من خلال وظيفته أو تجارته أو إرث أو  غيره.

النحول الثاني: أن يتكفل شخص أو مجموعة أشخاص أو مؤسسة بتكاليف الحج كاملة, ويعبّر عن هذه الطريقة (بالحج البذلي)

مثلا: الزوج لا يجب عليه دفع تكاليف حج زوجته, فلو قام بدفع هذه التكاليف, فيجب على الزوجة تأدية حجة الإسلام- إن لم تكن قد قامت بها قبل ذلك- . واستطاعة هذه الزوجة هي استطاعة بذلية, وصحيحة, وتقع حجة الإسلام.

وكذلك إذا تكفّل أحد المؤمنين أو مجموعة من المؤمنين بجميع تكاليف الحج لشخص آخر لم يحج قبل ذلك- فيجب عليه الحج, ويكون حجة الإسلام, والله سبحانه يثيب الحاج نفسه, ويثيب الأشخاص الذين بذلوا له المال ليحج به.

 

الومضة (10): الاهتمام بالكتابة والمراجعة:

روي عن رسول الله - صلّى الله عليه وآله  (قيّدوا العلم بالكتاب) يعني بكتابة العلم.

من العادات الجميلة أن يقوم الإنسان بتدوين ما يتلقاه من علوم ومعارف. وذلك ليتمكن من حفظها ومراجعتها عند الحاجة.

فاحرص (أخي الحاج / أختي الحاجة) على حضور حلقات التعليم الديني, وتدوين ما يطرح من أحكام ومعارف الحج.

وأما مجرد الاستماع لمرة واحدة، وبدون تدوين ومراجعة، لا سيما مع كثرة المسائل وتشابهها، فهذا يؤدي - لا سمح الله - إلى النسيان والوقوع في الخطأ.

وربما ساعدتك هذه الكتابات للنقاط الهامة في جوالك مثلاً, خصوصًا في الأوقات الحرجة, حيث تكون بأمس الحاجة لمعرفة الحكم الشرعي ولا يمكنك الوصول للمرشد لسبب أو لأخر.

وينبغي أن نستفيد من الوسائل الحديثة في تعلّم الدين عامة, ومن ذلك الحج, فلا يوجد ما يعيق الإخوة من تسجيل الدروس والأحكام (كتابة- أو صوتاً- أو صوتًا وصورة) وتكرار المشاهدة أو الاستماع أو القراءة, وذلك ليسهل عليهم تطبيق هذه الأحكام خلال تأدية المناسك.

 

ومضة (11): روح الحج الإمام المعصوم:

قال الله تعالى {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} .

شاء الله تعالى أن تكون الدعوة إلى الحج على لسان خليفته. كما شاء – سبحانه- أن تكون نتيجة الأذان بالحج ليس هو إتيان الكعبة بل إتيان إبراهيم – عليه السلام- ومن بعده الرسول المصطفى – صلّى الله عليه وآله- والأئمة الطاهرين – عليهم السلام- , فلاحظ قوله تعالى (يأتوك) ولم يقل (يأتوا البيت أو الكعبة) .

وروي في الحديث الصحيح : نظر الإمام الباقر – عليه السلام- إلى الناس يطوفون حول الكعبة ، فقال : هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية ، إنما أمروا أن يطوفوا بها ، ثم ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم ويعرضوا علينا نصرتهم ، ثم قرأ هذه الآية {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} (الكافي 1 : 392).

هنا نجد الإمام الباقر– عليه السلام- يستدل بالآية الكريمة على أنّ الهوي المطلوب هو الهوي إلى ذرية إبراهيم لا إلى مكة ذاتها. وبهذا يتضح أن روح الحج هو الإمام المعصوم– عليه السلام- الذي هو من ذرية إبراهيم – عليه السلام- .

 

ومضة (12) : مسائل في الإحرام:

1- غسل الإحرام مستحب وليس واجبًا، لذا يمكن تركه ولكن الأفضل والأحوط هو الاغتسال.

٢- كما تقدّم فالغسل للإحرام، ويخطأ البعض حيث ينوي غسل (لبس ثوبي) الإحرام.

٣- من الأفضل عندما يغتسل للإحرام أن ينوي في نفس الوقت وبنفس الغسل أن يغتسل عن جميع الأغسال المستحبة والواجبة في ذمته. إذ ربما كان عليه غسل واجب في ذمته وهو ناسٍ أو جاهل بذلك.

٤- يجوز استعمال الصابون والشامبو قبل البداية في غسل الإحرام ، ما دامت الرائحة الطيبة لن تبقى على جسده إلى حين التلبية.

5- صلاة الإحرام مستحبة وليست واجبة.

٦- في ميقات الطائف يمكنه أن يصلي صلاة الإحرام خارج المسجد, كما يمكنه أيضًا أن ينوي ويعقد الإحرام خارج المسجد.

 

ومضة 13: مسائل في لباس الإحرام:

1- يتكوّن إحرام الرجل من (إزار) و(رداء). وحسب رأي مشهور الفقهاء يجوز ربط طرفي الرداء بإبرة أو دبوس.

2- أما المرأة فيجوز لها أن تحرم في ملابسها العادية إذا لم تكن من الحرير الخالص, ويكره الإحرام في الثوب الأسود.

3- لا يشترط أن يكون الإحرام ملكًا لنفس الشخص, فلا بأس لو كان مستعارًا مثلًا. نعم, لا يجوز لبس المغصوب حال الإحرام أو غيره.

إذا دخل الحاج الميقات، ولبس ثوبي الإحرام، فليتذكر عند لبسهما لبس الكفن ولفّه فيه، وأنه سيلقى الله ملفوفاً في ثياب الكفن لا محالة، فكما لا يلقى بيت الله إلا بهيئة وزي يخالف عادته، فكذلك لا يلقى الله بعد الموت إلا في زي يخالف زي الدنيا، وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب. إذ ليس مخيطاً، كما أن الكفن أيضاً ليس مخيطاً، وإذا أحرم ولبّى فليعلم أن الإحرام والتلبية إجابة نداء الله، فليرج أن يكون مقبولاً، وليخش أن يكون مردوداً، فيقال: لا لبيك ولا سعديك! فليكن بين الخوف والرجاء متردداً.

 

ومضة 14: النيات في أعمال الحج والعمرة:

لا يجب التلفظ بالنيات في أي عمل من الأعمال, فالنية أمر قلبي, وهو عبارة عما يقصده الإنسان, والقصد أمر قلبي كما هو واضح. نعم ذكر بعض الفقهاء استحباب التلفظ بنيات الحج والعمرة. وحيث أن التلفظ مستحب, فلو تركه إنسان ناسيًا أو عامدًا فلا يضر ذلك بصحة عمله ما دام القصد موجودًا لديه.

وهذه من المسائل التي يكثر الابتلاء بها, فيأتي حاج وهو يريد الطواف مثلاً, ولكنه ينسى التلفظ بالنية, ولا يضر ذلك بصحة العمل ما دامت النية موجودة في قلبه, فلو سألناه لماذا أتيت إلى البيت الحرام, ولماذا دخلت بين أمواج الطائفين, لقال أتيت لأطوف حول الكعبة من أجل المنسك الذي أنا فيه, فالقصد متحقق, والنية موجودة, والعمل صحيح.

وحيث أن الحج والعمرة من العبادات, فلا بد من إخلاص النية لله تعالى, فلو كانت نيته الرياء أمام الناس, أو ليقول الناس عنه بأنه حاجّ, فالرياء والسمعة يفسدان العبادة ويجب عليه الإعادة.

 

 

ومضة 15: لبس المخيط:

بعض محظورات الإحرام مشتركة بين الرجال والنساء, وبعضها مختص بالرجال, والبعض الآخر مختص بالنساء.

ومن ضمن المحظورات المختصة بالرجال (لبس المخيط)

فلا يجوز للذكر المحرم أن يلبس القميص أو السروال الطويل أو القصير, ويستثنى من ذلك الكمر فيجوز لبسه وإن كان مخيطًا, حتى ولو كانت نيته بذلك حفظ الرداء عن السقوط.

بقي هنا نقطتان:

1/ اختلف الفقهاء في حكم المخيط القليل, كحزام الساعة مثلاً, فبعضهم يرى جواز ذلك, والبعض الآخر يخالف.

2/ لو اضطر المحرم للبس المخيط لسبب أو لأخر, فما دام مضطرًا لذلك يجوز له لبس المخيط, ولكن حسب رأي مشهور الفقهاء يجب عليه دفع الكفارة, وهي عبارة عن شاة, وتتعدد الكفارة بتعدد قطع اللباس, فلو لبس سروالاً قصيرًا وآخر طويلاً وفانيلة ودشداشة فعليه أربعة كفارات, أي أربع شياه حسب المشهور بين الفقهاء.

 

 

ومضة 16: إزالة الشعر, والتدهين:

من محظورات الإحرام المشتركة بين الرجال والنساء (إزالة الشعر, والتدهين), فلا يجوز للمحرّم أن يتعمد إزالة ولا شعرة واحدة من أي موضع من بدنه. أما إذا سقطت شعرات أثناء الغسل أو الوضوء فلا شيء عليه ما دام لم يتعمد ذلك. وأما الحك فهو جائز بشرط أن لا يؤدي إلى إزالة الشعر ولا خروج الدم. وأما تسريح الشعر فإذا كان لا يعدّ زينة عرفًا, ولا يسبب تساقط الشعر, فهو جائز.

وأما التدهين فلا يجوز للمحرم أن يستعمل أثناء الإحرام الكريمات أو السوائل المرطبة للبشرة أو الشعر مثل النيفيا والفازلين إلا لضرورة. نعم يمكنه أن يستعمل قبل الإحرام الكريمات المرطبة مثلا حتى ولو بقى أثرها لما بعد الإحرام ولكن بدون أن يكون فيها طيب.

 

ومضة 17: تنظيف الأسنان, والفسوق:

إذا كان المعجون بدون رائحة طيبة, فلا إشكال ولا خلاف في جواز استعماله أثناء الإحرام, وكذا إذا كان استعمال الفرشاة لا يؤدي إلى خروج دم من اللثة فلا إشكال ولا خلاف في جواز ذلك. أما في حال خروج الدم أو في حال وجود رائحة طيبة في المعجون فالمسألة خلافية بين الفقهاء.

قال الله تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) وأما الفسوق فهو عبارة المفاخرة والمباهاة على الآخرين (بالعائلة أو المدينة أو متاع دنيوي مثلاً) إذا كانت تسبب أذية المؤمنين والحط من مكانتهم واحترامهم، وهذا المعنى من الفسوق محرّم في جميع الأوقات, وإن كانت الحرمة تشتد حال الإحرام.

 

ومضة 18: العزيمة على دفع الكفارة:

العديد من محظورات الإحرام إذا ارتكبها المحرم عامدًا يجب عليه دفع كفارة مضافًا إلى كونه قد عصى الله تعالى بتعمده ارتكاب المحظور.

أما إذا اضطر المحرم إلى فعل ذلك المحظور, فيجوز له ارتكاب ذلك, ولكن مع ثبوت الكفارة في العديد من المواضع حسب فتوى مشهور الفقهاء.

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المؤمنين ما يلي:

هو ليس مضطراً للتظليل المحرم, ولكنه من باب التسهيل على نفسه ينوي ويعزم على دفع الكفارة, ويعتقد أن ذلك يكفي, فيرتكب التظليل. والصحيح أن دفع الكفارة أو أضعاف الكفارة أيضًا لا يجيز للمحرم ولا لغيره أن ينتهك فعل الحرام.

والخلاصة: مجرد دفع الكفارة ليس عذرًا ليرتكب المحرم بعض المحظورات عليه.

 

ومضة 19: الاستمتاع بمناسك الحج:

عندما يكون الإنسان في الجنة, فهل تراه يعيش القلق أو الخوف أو يريد الخروج منها ؟

أنت في الحج؛ في ضيافة الله تعالى, ضيافة رب الأرباب وملك الملوك, في حديقة غنّاء بالهدايا والمواهب والعطايا. ولكل ضيف قرى, وحقّ على المضيف أن يكرم ضيفه, فهنيئًا للحجيج.

1- يشغل بعض الحجيج تفكيرهم بالاحتراز عن الكفارات, حتى أصبح الخوف من وجوب الكفارة هاجسًا يقلقهم, والصحيح أن الغالبية العظمى من الكفارات إنما تثبت إذا قام المحرم بتلك المحرّمات عالمًا عامدًا. أما في صورة النسيان, أو عدم التعمد فلا تجب عليه الكفارة إلا في موارد مخصوصة, إذًا (دع القلق, واستمتع بمناسك الحج).

2- وإذا تعلّم الإنسان الأحكام الشرعية, وقام بالمناسك, وبعد الانتهاء منها شك في صحتها, فأعماله صحيحة, ولا حاجة للإعادة. (دع الشك واستمتع بمناسك الحج).

3- وإذا كان الطائف على طهارة, وشك في طروء الحدث -خروج ريح مثلًا- يبني على الطهارة, ويكمل العمل, (دع الوسواس, واستمتع بمناسك الحج).

 

ومضة 20: عناصر اغتنام الحج :

 في الحديث الصحيح عن الإمام الباقر-عليه السلام- قال : ما يعبؤ من يسلك هذا الطريق إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله, وحلم يملك به غضبه, وحسن الصحبة لمن صحبه. (الكافي 4 : 286 (.

1- سواءً كنت حاجًا أو حتى في حياتك الطبيعية, فأنت بأمس الحاجة إلى الورع. فما الذي يمنع الطائف من لمس الأجنبية بشهوة أو سرقة أموال الناس, وما الذي يمسك اللسان عن الغيبة والبهتان والكذب؟ إنه الورع عن محارم الله تعالى. وفي الحديث الصحيح سألت أبا عبد الله -عليه السلام- عن قول الله عزّ وجلّ (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) قال : أما والله إن كانت أعمالهم لأشد بياضًا من القباطي, ولكن كانوا إذا عرض لهم الحرام لم يدعوه.

إذن : حتى لو كانت لدى الإنسان أعمال صالحة كثيرة, ولكنه إذا تمكن من الحرام فعله ولا يدعه, فإن الله تعالى لا يقبل عمله, ويجعلها هباءً منثورًا.

2- ومن الطبيعي في الحج أن تقع في ظروف الإرهاق والتعب, وتواجه التقصير أو القصور من هذا أو ذاك, وربما السب أو الشتم والإهانة. فأنت بأشد الحاجة إلى مزيد من الحلم والصبر.

3- وأحسن الصحبة, مدّ يد العون والمساعدة, أعن هذا الضعيف, وابتسم في وجه أخيك وصاحبك, وأحسن الأدب معهم, فهم ضيوف الرحمن, فهل ترى الله تعالى يرضى عمن يسيء الأدب مع ضيوفه ؟!

الخلاصة : عناصر اغتنام الحج (ورع عن المعاصي, وحلم عند الغضب, وحسن الصحبة).

 

ومضة 21: من أحكام الطواف (1) :

1- يبتدأ الطواف بمحاذاة الحجر الأسود, وينتهي كذلك.

2- الركن الذي يحمل الحجر الأسود, هو الركن الذي يقع قبل باب الكعبة المشرفة, وبذلك تستطيع معرفة الركن المطلوب من بعيد.

3- يجب أن يكون الطواف من خارج حجر إسماعيل – عليه السلام- .

4- إذا شك الطائف في عدد أشواط الطواف الواجب, ولم يستطع أن يطمئن بالعدد, فعليه إعادة الطواف كله.

5- يمكنك الاستعانة في عد الأشواط بأي طريقة أقرب إلى قلبك وعقلك :

مثلًا : أ- البعض يعدّ الأشواط بواسطة الأدعية المذكورة في بعض المطويات أو الكتب.

ب- والبعض يعدّ بواسطة تحريك الخاتم في أصابع اليد, فكلما انتقل إلى شوط جديد؛ نقل الخاتم إلى الإصبع التالي.

ج- والبعض يعدّ بواسطة قراءة سور القرآن الكريم, ففي الشوط الأول مثلًأ يكرر سورة الفاتحة, وفي الشوط الثاني يكرر سورة التوحيد, وهكذا.

 

 

ومضة 22: من أحكام الطواف (2):

هناك العديد من المسائل التي قد يبتلى بها الطائف حول الكعبة المشرفة, وقد اختلف الفقهاء في الحكم الشرعي لها, ومن تلك المسائل التي اختلف فيها الفقهاء:

1-    هل يصح الطواف على مسافة أكبر من مسافة مقام إبراهيم – عليه السلام- إلى الكعبة المشرفة؟

2-    ما هو التكليف لو بطل وضوء الطائف أو أصابته نجاسة أثناء الطواف؟

3-    ما هو التكليف لو قطع الطواف بسبب إقامة صلاة الجماعة في الحرم المكي؟

فعلى الحاج الكريم, والحاجة الكريمة مراجعة الكتب المتخصصة في الإجابة على ذلك وفق رأي مرجعهم, أو الاستعانة بالمرشدين المتخصصين.

وعلى كل حال:

إذا اقترب وقت الأذان, ينصح بعدم الشروع في الطواف, بل خذ قسطًا من الراحة والاستعداد للصلاة, وابدأ في الطواف بعد نهاية الصلاة. لا سيما وأن الحجيج قبل الأذان بفترة يبدأون بالجلوس في المطاف استعدادًا للصلاة مما يعرقل حركتك, ويبدؤون بإخراج النساء من المطاف, مما يسبب مشكلة للنساء ومرافقهن.

 

 

ومضة 23: في أسرار الطواف:

كثيرة هي الأهواء والآمال التي تحتل مساحة كبرى في تفكيرنا ونسعى لاهثين للوصول إليها, وهكذا ينتهي العمر ونحن نعيش هواجس متعددة وأمنيات لا تنتهي, ولا نحصل إلا على سراب وأوهام. ولكن مناسك الحج تعلمنا كيف نترك الدنيا كلها ونسافر إلى الله تعالى, لنذكر الله في أيام معدودات ذكرًا يستوجب أن نستمر على ذكره أبدًا. نرتشف غرفة من حب الله تعالى, فيصبح القلب بحبه متيمًا.

قال الله تعالى: {..وليطوّفوا بالبيت العتيق}.

سمي عتيقًا لأنه أعتق من ملك البشر, فهو ملك لله وحده, ولم ولن يملكه إلا الله. وهكذا الطائف يجب أن لا يملكه شيء إلا الله عزّ وجلّ. نتعلم ونتربى كيف يصبح الله تعالى هو المحور الذي نتحرك حوله لوحده, فلا نطيع إلا الله, ولا نتعلق إلا بالله, ولا يشغلنا عن الله سبحانه شيء.

قال الإمام الراحل – عليه الرحمة- : (الطواف حول بيت الله مؤشر لعدم الالتفاف حول غير الله).

 

 

ومضة 24: في أسرار الكعبة المشرفة:

للكعبة المشرفة أسرار كثيرة جدًا, ونحن نكتفي هنا بثلاثة أسرار:

1- روي عن محمد بن سنان أن الرضا- عليه السلام- كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله علة الطواف بالبيت أنّ الله تبارك وتعالى قال للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فرّدوا على الله تبارك وتعالى هذا الجواب فعلموا أنهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش فاستغفروا، فأحبّ الله تعالى أن يتعبّد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتاً بحذاء العرش، يسمى الضراح، ثم وضع في السماء الدنيا بيتاً يسمى البيت المعمور بحذاء الضراح، ثم وضع هذا البيت بحذاء البيت المعمور، ثم أمر آدم فطاف به فتاب الله عليه وجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة.

2ـ قال الشيخ الصدوق: وروي عن الصادق- عليه السلام- أنه سئل: لِمَ سميت الكعبة كعبة؟ قال: لأنها مربعة. فقيل له: ولِمَ صارت مربعة؟ قال: لأنها بحذاء البيت المعمور وهو مربع، فقيل له: ولِمَ صار البيت المعمور مربعاً؟ قال: لأنه بحذاء العرش وهو مربع. فقيل له: ولِمَ صار العرش مربعاً؟ قال: لأنّ الكلمات التي بني عليها الإسلام أربع وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

3- قال الحاكم النيسابوري ( تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة(.

 

 

ومضة 25: لمحة عن الحجر الأسود والركن اليماني:

اتفق المسلمون على أن للحجر الأسود مكانة مميزة, وأن الطواف يبدأ ويختم به, واتفقوا على استحباب استلامه وتقبيله. وقد ورد في الحجر الأسود أحاديث كثيرة, ونحن نكتفي بنقل بعضها:

في الحديث الصحيح عن الإمام الصادق - عليه السلام-  قال: «إنّ الله تبارك وتعالى لما أخذ مواثيق العباد أمر الحجر فالتقمها، ولذلك يقال: أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة».

المراد بالمواثيق هو قوله تعالى: {وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدنَا أَن تَقُولُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذا غَافِلِينَ}.

أما الركن اليماني فهو الركن الذي يقع قبل ركن الحجر الأسود. وقد اتفقت الشيعة والسنة على أصل استحباب استلام الركن اليماني وأن رسول الله – صلى الله عليه وآله – كان يستلمه, وإن وقع خلاف في حكم تقبيل الركن اليماني عند بعض أهل السنة.

في الحديث المعتبر عن الإمام الباقر – عليه السلام - : قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يستلم إلا الركن الأسود واليماني ثم يقبلهما ويضع خده عليهما ورأيت أبي يفعله.

وفي الحديث الصحيح عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : الركن اليماني باب من أبواب الجنة لم يغلقه الله منذ فتحه . وفي رواية أخرى بابنا إلى الجنة الذي منه ندخل.

وفي الحديث الشريف عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال: وما من مؤمن يدعو بدعاء عنده إلا صعد دعاؤه حتى يلصق بالعرش ، ما بينه وبين الله حجاب.

 

ومضة 26: لمحة عن مقام إبراهيم وحجر إسماعيل:

تعرّض القرآن الكريم إلى مقام إبراهيم – عليه السلام – في آيتين:

الآية الأولى: قوله تعالى { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)

الآية الثانية: قوله عز و جل { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً )

وبذلك يتضح المكانة العظيمة التي يحتلها مقام إبراهيم – عليهم السلام - , ففي الآية الأولى أمر باتخاذ المقام مصلى , وفي الآية الثانية بعد أن ذكر الآيات البينات , وهي العلائم والدلائل الواضحات, ذكر أحد أكبر هذه العلامات وهي مقام إبراهيم وخصه بالذكر دون سواه في هذه الآية .

في الحديث عن الإمام الصادق – عليه السلام- قال : لما أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ( ع ) أن أذن في الناس بالحج أخذ الحجر الذي فيه اثر قدميه وهو المقام فوضعه بحذاء البيت لاصقا بالبيت بحيال الموضع الذي هو فيه اليوم ثم قام عليه فنادى بأعلى صوته بما أمره الله تعالى به فلما تكلم بالكلام لم يحتمله الحجر فغرقت رجلاه فيه فقلع إبراهيم ( ع ) رجليه من الحجر قلعًا.

أما حِجر إسماعيل فهو بناء مستدير على شكل نصف دائرة، أحد طرفيه محاذٍ للركن الثاني "الشامي"، والآخر محاذٍ للركن الثالث "الغربي"، ويقع شمال الكعبة المعظمة.

وفي الحديث الصحيح معاوية بن عمار سألت أبا عبد الله- عليه السلام- عن الحجر: أمِن البيت هو أو فيه شيء من البيت؟ فقال: لا ولا قلامة ظفر، ولكن إسماعيل دفن أمه فيه فكره أن توطأ فحجر عليه حجراً وفيه قبور أنبياء.

وفي بعض الروايات أن في حجر إسماعيل مدفن هاجر وإسماعيل وعذارى بنات إسماعيل.

ويجب أن يقع الطواف من خارج حجر إسماعيل, فلو اختصر الطائف المسافة وطاف من داخل الحجر, فهذا الشوط باطل وعليه الإعادة.

 

 

ومضة 27: من أحكام صلاة الطواف:

1- بعد أن تنهي الطواف؛ عليك أن تبادر إلى صلاة الطواف. ولا يجوز تأخير الصلاة بدون عذر.

2- مكان صلاة الطواف -على المشهور بين الفقهاء- هو خلف مقام إبراهيم – عليه السلام-.

3- مقام إبراهيم هي الصخرة التي عليها آثار أقدام إبراهيم – عليه السلام- .

4- عادة لا تتمكن من الصلاة خلف المقام مباشرة, وذلك بسبب زحام الطائفين والمصلين, وفي مثل هذه الحالة صلّ في أقرب مكان (ممكن) خلف المقام. و(لو) تمكنت من الصلاة بجانب المقام فالاحتياط أن تعيد الصلاة هناك أيضًا.

5- صلاة الطواف ركعتان, ويتخير في القراءة بين الجهر والإخفات.

6- يجب أن تكون الصلاة صحيحة وتامة الأجزاء والشروط, ومن ذلك قراءة الفاتحة والسورة, وأذكار الركوع والسجود وغيرها.

 

ومضة 28: من أسرار صلاة الطواف:

بعد أن ينتهي الناسك من الطواف حول الكعبة المشرفة, عليه أن يبادر فيترجم ثمرة الطواف بـ ((الصلاة)) التي هي عمود الدين, ويتعهد بالسير والاقتداء بمنهج إبراهيم الخليل, قال الله سبحانه (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه).

وهكذا نسير خلف أهل البيت – عليهم السلام- ولا نتقدم عليهم في شيء, بل لا نتقدم على آثار أقدامهم.

وفي رواية الشبلي عن الإمام زين العابدين – عليه السلام- نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم ( عليه السلام) أنك وقفت على كل طاعة ، وتخلفت عن كل معصية ؟ قال : لا . قال : . فحين صليت فيه ركعتين ، نويت أنك صليت بصلاة إبراهيم ( عليه السلام ) ، وأرغمت بصلاتك أنف الشيطان ؟ قال : لا . قال له : فما صافحت الحجر الأسود ، ولا وقفت عند المقام ، ولا صليت فيه ركعتين.

 

 

 

ومضة 29: من أحكام السعي (1):

1- يبدأ السعي بجبل الصفا, وينتهي بجبل المروة.

2- الذهاب شوط مستقل, والإياب شوط مستقل, ولذا تنتهي سبعة أشواط عند المروة.

3- لا يشترط الطهارة أثناء السعي.

4- يمكنك الاستراحة قليلًأ أثناء السعي بحيث لا يضر بالموالاة العرفية, ثم تكمل السعي من حيث توقفت.

5- يستحب الهرولة للرجال فقط, وذلك في المسافة المضاءة حاليًا بالنور الأخضر. ولا تستحب الهرولة للنساء أبدًا.

 

ومضة 30: من أحكام السعي (2):

من كان مريضًا أو كبيرًا في السن, وكان المرض وكبر السن بحيث لا يستطيع أن يسعى بنفسه, فلا إشكال في ركوبه العربة بحيث يسعى به بين الصفا والمروة, سواءً كان من يدفع العربة مجانًا أو بأجرة.

وأما من كان يستطيع أن يسعى بنفسه ولكنه يريد أن يسعى جالسًا على العربة من باب التعب أو الإرهاق مثلاً فقد اختلف الفقهاء في صحة هذا السعي.

وحيث تم توسعة المسعى من حيث العرض, ومن حيث عدد الطوابق للسعي, واختلف الفقهاء في الحكم الشرعي للسعي في هذه التوسعات, فاللازم على الحاج والمعتمر التأكد من رأي مرجعهم في ذلك والعمل به.

 

 

ومضة 31: وقفة في أسرار السعي:

جاء في روايات الشبلي عن الإمام زين العابدين – عليه السلام- : . أسعيت بين الصفا والمروة ، ومشيت وترددت بينهما ؟ قال : نعم . قال له : نويت أنك بين الرجاء والخوف ؟ قال : لا . قال : فما سعيت ، ولا مشيت ، ولا ترددت بين الصفا والمروة .

وأما السعي بين الصفا و المروة في فناء البيت فيضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائياً و ذاهباً مرة بعد أخرى , إظهاراً للخلوص في الخدمة , و رجاءً للملاحظة بعين الرحمة كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد.  فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى، و ليتذكر عند تردده بين الصفا و المروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة  وليمثل الصفا بكفة الحسنات و المروة بكفة السيئات و ليتذكر تردده بين الكفتين ناظراً إلى الرجحان و النقصان مرددا بين العذاب والغفران.

 

 

ومضة 32: التقصير:

1- يمكنك التقصير في أي مكان في مكة المكرمة, ولا يجب أن يكون التقصير على جبل المروة.

2- يشترط الترتيب بعد السعي والتقصير.

3- لا تشترط الموالاة أو المبادرة بين السعي والتقصير.

4- من أراد التقصير بتقليم شيء من الأظفار, فالاحتياط أن يبدأ بتقصير الشعر ثم الظفر.

5- المشهور بين الفقهاء عدم جواز أن يقوم المحرم بالتقصير لغيره. لذا عليك التقصير لنفسك أولاً ثم يمكنك التقصير لغيرك.

6- يجوز أن يتولى المخالف التقصير للشيعي بشرط أن ينوي المقصّر له.

7- سبحان الذي جعل إزالة الشعر قبل دقائق معصية, وعليها كفارة, وجعل إزالة الشعر الآن عبادة واجبة, وعليها الأجر والثواب. وعلينا نحن أن نسمع ونطيع في كلتا الحالتين.

 

ومضة 33: الدروس الإلهية في مكة المكرمة :

هناك فرق كبير بين أن تسمع الدرس وأنت في بيتك, وبين أن تذهب إلى مسرح الأحداث  بنفسك. وأنت في مكة المكرمة تحتك مباشرة بآيات تحرّك عقلك, ومشاعر تثير منك الشعور.

الحج عبارة عن معهد لتدريب وتخريج  البشر الربانيين, يتلقون الدروس عبر التاريخ من إبراهيم الخليل, ومن رسول الله وأهل البيت, وبعد ذلك يرجعون إلى بلدانهم حاملين الرسالة المحمدية.

هناك في معهد التدريب الإلهي لنشهد المواطن التي وقف فيها إبراهيم الخليل, ورسول الله محمد وآله الطاهرين, هناك لنسمع صرخة التوحيد ما زالت تتردد, وما زالت الصخور والأحجار تشهد بما فعله رسول الله وأهل بيته, ولكن هناك من يسير في شعب مكة وهو أصمّ لا يسمع, وهناك من يسمع ويرى.

كل صخرة في مكة لها حكاية مع تضحيات الرسول وخديجة وأبي طالب, كل شعب في مكة ما زال يتذكر رسول الله وهو يسير داعيًا إلى رب البيت (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا), كل قطرة من ماء زمزم ما زالت تجيب استغاثة هاجر. وما زال إبراهيم واقفًا على تلك الصخرة. ومن اللطيف أن الحجر الأسود أخرج من مكة سنوات عديدة على يد القرامطة, وأما آثار أقدام إبراهيم فلم ولن تفارق البيت ال

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات