عندما تتخاذل الأمة

عندما تتخاذل الأمة

عندما تتخاذل الأمة:

----------------

تحدّث القرآن الكريم عن العديد من الحوادث التي وقعت بين نبي الله موسى الكليم – عليه السلام- وبين قومه بني إسرائيل، وذلك لأخذ العظة والعبر والدروس من تلك القصص.

وفي سورة المائدة تبتدأ إحدى تلك القصص بتذكير موسى إياهم (يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ).

أولاً: الملاطفة والاستئناس، فأنتم قومي، وأنا جزء منكم، وبالتالي يهمني مصلحتكم وصلاحكم وخيركم.

ثانيًا: التذكير بنعمة الله عليهم دينيًا ودنيويًا، فمن جهة دينية جعل فيكم أنبياء، ومن جهة دنيوية جعلكم ملوكًا.

وأخيرًا: آتاكم وأعطاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين.

وبعد ذلك أوضح لهم ما هو المطلوب منهم (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) وحذّرهم من العصيان والتمّرد (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).

ويجب أن نلتفت إلى أنهم كانوا مشردين بلا وطن؛ بعد أن خرجوا من أرض مصر، وكانوا بحاجة إلى وطن، فاختار الله لهم الأرض المقدّسة. إذن فقد اختار الله لهم موطنًا جديدًا مباركًا ومقدّسًا. إلا أنهم ليحصلوا على ذلك الوطن كان لا بدّ من قليل من التضحيات والصبر في مواجهة الأعداء.

(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) فانظر إلى سوء أدبهم وخور عزيمتهم. يخاطبون نبيهم باسمه وليس بقولهم (يا رسول الله)، ولا يريدون تقديم أي تضحيات، بل يريدون الحصول على الأرض المقدسة بلا أي ثمن.

عندئذ (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فقط رجلان من تلك الأمة!! الأمة التي أنقذها الله من فرعون وأتباعه، وأنزل عليها المنّ والسلوى، وآتاهم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، ليس فيها إلا العدد القليل الذي يعدّ على الأصابع، والرسول ما زال بين ظهرانيهم، علمًا أن القضية لا تحتاج إلى حرب طويلة وشاقة، بل تحتاج فقط إلى دخول الباب والنزول إلى الميدان (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ).

ويكرر بنو إسرائيل موقفهم بإصرار أشدّ وأوضح (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).

(إنّا لن ندخلها أبدًا) وسوء أدب مع الله تعالى، وهل الله تعالى بحاجة إلى أحد من عبيده ليقاتل معه أو نيابة عنه؟؟!!

الله سبحانه الذي أراكم المعاجز الكثيرة من (الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ) وغيرها، ورأيتم (الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) وغير ذلك، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ).

فرجع موسى الكليم إلى ربه منكسرًا (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) فنزل العقاب الإلهي على تلك الأمة المتخاذلة (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين) وهذه النتيجة المأساوية شملت الجميع بما فيهم موسى الكليم، فبقي معهم في تيههم.

كيف كانت نِعم الله تعالى تتوالى عليهم، وكيف طُلب منهم القليل من التضحيات، فرفضوا، فنزل عليهم العقاب أربعين سنة. وهكذا كل أمة تتخاذل عن القيام بواجباتها ستنال عقابها الإلهي.

هذه الأمة خذلت سيد شباب أهل الجنة ولم تنصره فانظر ماذا حلّ بها من هوان وذلة. أما أهل المدينة المنورة فلم ينصروا الحسين فابتلاهم الله تعالى بجيش يزيد في واقعة الحرّة، وأباح يزيد مدينة رسول الله لجيشه ثلاثة أيام يقتلون ويزنون ويسلبون ما شاؤوا، ووقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام سفاحًا من غير زوج، وأخذ من أهل المدينة والصحابة البيعة على أنهم عبيد ليزيد يتصرف فيهم كيفما شاء.

وأما أهل مكة المكرمة فتخاذلوا عن الإمام الحسين – عليه السلام- ثم بايعوا ابن الزبير فأرسل يزيد جيشه إلى مكة المكرمة – وهي حرم الله يحرم فيها القتال- ورمى الكعبة بالمنجنيق حتى احترقت.

والحقيقة أنّ الأمة الإسلامية جمعاء ما زالت حتى يومنا هذا تدفع ثمن خذلانها للإمام الحسين – عليه السلام-، فانظر إلى حال المسلمين أذلة خاسئين لا وزن لهم ولا مكانة، وما ذلك إلا بعض نتائج تلك الفاجعة، ولو نصروا الحسين وأزالوا فساد يزيد وابن زياد لما وصل الحال إلى ما تراه في يومك هذا.

ويجب أن نعلم؛ نحن أيضًا إذا لم نقم بواجبنا الشرعي في نصرة الحق، فعلينا أن ننتظر نزول العذاب والعقاب علينا. وعندئذ نكون قد خسرنا الدنيا والآخرة – والعياذ بالله-.

والخلاصة: نصرة الحق تحتاج بعض التضحيات والصبر والصمود. ولكن الخسائر التي يسببها التخاذل والعصيان أعظم وأكبر في العاجل والآجل.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم

17 / محرّم الحرام / 1438 هـ

 

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات