ضرب النساء في القرآن الكريم وفي المجتمعات المعاصرة

ضرب النساء في القرآن الكريم  وفي المجتمعات المعاصرة

ضرب النساء في القرآن الكريم

وفي المجتمعات المعاصرة

 

قال الله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}([1]).

اطلعت على مقال معاصر يتناول فيه مسألة (ضرب النساء) في القرآن الكريم، وذهب الكاتب إلى أن الضرب في الآية الكريمة السابقة ليس بمعنى الضرب المعروف بين الناس حاليًا بل بمعنى المفارقة والمباعدة. وقبل استعراض أدلته وشواهده على رأيه؛ لا بدّ من بيان أربع نقاط:

النقطة الأولى: حقيقة وضع المرأة في المجتمعات المعاصرة:

لست بصدد الدفاع عن الواقع الفعلي لمجتمعاتنا الإسلامية أو العربية تجاه المرأة أو غيرها من القضايا، فأنا أختلف مع الواقع المعاصر لمجتمعاتنا في العديد من الزوايا والجوانب. ولكني في الوقت ذاته أرفض أن يتحذلق البعض ويصوّر لنا بأن المجتمعات الغربية أو المتقدّمة قد تخطت كل هذه المشاكل التي نعانيها، لا سيما إذا قام البعض بتحميل المسؤولية عن الجانب المأساوي لوضعنا؛ على رقبة الدين الإسلامي أو العلماء المسلمين بشكل عام.

إذن أنا في هذه النقطة أريد أن أوضح للقارئ الكريم أنّ الواقع العالمي مأساوي، وليس خصوص العالم الإسلامي أو العربي. لمعرفة إحصائيات حول ضرب النساء، والعنف معهن حول العالم، راجع موقع الصحة العالمية، ونحن نكتفي هنا بهذه الإحصائيات من موقعهم:

 >في عام 2013، أجرت المنظمة تحليلاً بالاشتراك مع كلية لندن للتصحّح وطب المناطق المدارية ومجلس البحوث الطبية على أساس البيانات الواردة حاليًا من أكثر من 80 بلدًا، وتبيّن من التحليل أن ثلث النساء تقريباً (30%)  من إجمالي نساء العالم أجمع من اللواتي يقمن علاقات قد تعرضن للعنف الجسدي و/ أو الجنسي على يد عشرائهن. وتشير التقديرات إلى أن معدل انتشار هذا العنف يتراوح بين 23.2% في البلدان المرتفعة الدخل و24.6% في إقليم غرب المحيط الهادئ و37% في إقليم شرق المتوسط التابع للمنظمة و37.7% في إقليم جنوب شرق آسيا. وعلاوة على ذلك، يوجد على الصعيد العالمي نسبة تصل إلى 38% من جرائم قتل النساء التي يرتكبها عشراؤهن. وبالإضافة إلى العنف الممارس على يد العشير، تبلّغ نسبة 7% من النساء في العالم عن تعرضهن للاعتداء الجنسي على يد شخص آخر غير العشير، برغم محدودية البيانات عن هذا الموضوع« ([2]).

النقطة الثانية: هل الضرب إحدى العقوبات التأديبية؟

نحن نتحدث حاليًا عن أصل أساسي عام يشمل (الذكور والإناث، الكبار والصغار) ونقول (هل الضرب إحدى العقوبات التأديبية؟).

إذا رفض القارئ الكريم (الضرب) بشكل تام قاطع شامل في جميع الصور والحالات والظروف، فهذا شخص لا شأن لنا معه. ولا يمكن أن نتحاور معه في هذا الموضوع.

أما إذا اعتقد القارئ الكريم بأن (الضرب) إحدى العقوبات التأديبية، ولكن ضمن شروط معينة، وحالات خاصة، وعبر تسلسل من الخطوات والإجراءات السابقة مثلاً، فأهلاً به معنا في مقالنا هذا، لنكمل البحث.

توضيح بمثال: هل تقبل (الضرب) كإحدى مراحل تأديب الأبناء والبنات للإقلاع عن العادات السيئة، أو السلوكيات الخاطئة؟

إذا كنت ترفض (الضرب) بشكل قاطع وتام، فلا شأن لنا معك، وقد انقطع الحوار بيننا.

وإذا كنت تقبل (الضرب) بشروط وقيود وعبر تسلسل من الخطوات والإجراءات، وبكيفية معينة أيضًا، فأهلاً بك معنا لنكمل البحث.

النقطة الثالثة: معنى نشوز الزوجة:

نشوز الزوجة عبارة عن خروجها عن طاعة الزوج الواجبة عليها، ويحصل ذلك بما يلي:

أ- عدم تمكينه مما يستحقه من الاستمتاع بها.

ب- عدم إزالة المنفرات المضادة للتمتع والالتذاذ منها.

ج- ترك التنظيف والتزيين، مع اقتضاء الزوج لها.

د- خروجها من بيتها من دون إذنه.

أما الزوجة التي لا تطيع الزوج في الأمور غير الواجبة عليها، فلا تعتبر ناشزًا([3]).

النقطة الرابعة: مراحل معالجة الزوجة الناشرة:

المرحلة الأولى: وعظ الزوجة الناشز ونصحها.

المرحلة الثانية: إن لم ينفع الوعظ هجرها في المضجع إذا احتمل نفعه، كأن يحوّل إليها ظهره في الفراش، أو يعتزل فراشها إذا كان يشاركها فيه من قبل.

المرحلة الثالثة: الضرب، وله شروط وأحكام:

1- لا يجوز الانتقال لمرحلة الضرب إلا في حالة عدم النفع من المرحلتين السابقتين.

2- جواز الضرب مشروط بوجود أمل في رجوعها إلى الطاعة وترك النشوز.

3- يقتصر من الضرب على أقل مقدار يحتمل معه التأثير، فلا يجوز الزيادة عليه مع حصول الغرض بالمرتبة الأقل.

4- يشترط في الضرب أن لا يكون مدميًا، ولا شديدًا مؤثرًا في اسوداد بدنها، أو احمراره.

5- اللازم أن يكون ذلك بقصد الإصلاح لا التشفي والانتقام.

6- لو حصل بالضرب جناية وجب الغرم.

7- إذا لم تنفع معها الاجراءات المتقدمة وأصرّت على نشوزها فليس للزوج أن يتخذ ضدها إجراء آخر سواءً أكان قوليًا، مثل (تهديدها بأمر حرام) أو كان فعليًا، مثل فرك أذنها أو جرّ شعرها أو حبسها أو غير ذلك([4]).

 

الآن، بعد أن عرفت ما يقوله الفقهاء بالنسبة لضرب الزوجة الناشز، لنأت بالأدلة التي ساقها صاحب المقال الآنف الذكر:

  •  الدليل الأول:

إن المرأة هي أولاً الأمّ في حياة الرجل ثم الأخت، فالزوجة، فالابنة، فمن منا يرضى بضرب أمه أو أخته أو ابنته ؟

الجواب على ذلك:

أولاً: الآية الكريمة تتحدث عن الزوجة الناشزة، وليس عن المرأة بشكل عام.

ثانيًا: صاحب هذا المنطق يجب أن يرفض كافة مظاهر العنف ضد الإنسانية جمعاء، فالرجل أيضًا هو الأب، وهو الزوج، وهو الأخ، فمن منا يرضى بضرب أو جلد أو حبس أبيه أو أخيه أو ابنه؟

ثالثًا: قال الله تعالى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ([5]) ولا يمكن أن نرفض جلد الزانية مئة جلدة بحجة (أنها أمّ، أو أخت، أو بنت، فمن يرضى بضربهن مئة جلدة؟!!).

وقال الله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}([6]) فمن يرضى بقطع يد الأمّ أو الأخت أو البنت؟!!

وكذلك ما نحن فيه، الآية الكريمة تتحدث عن الناشز التي لم تنفع معها المرحلتان السابقتان، وما دام يحتمل تأثير الضرب عليها، فيجوز للزوج ضربها بالشروط المذكورة آنفًا قبل اللجوء إلى طلاقها أو ما شابه.

وبعبارة أخرى: الإصلاح بالضرب بالشروط المذكورة أولى من الطلاق والانفصال وإنهاء العلاقة الزوجية.

  •  الدليل الثاني:

خلافا للمعنى المتداول الآن لكلمة (ضرب)، فمثلاً الضرب على الوجه يستخدم له لفظ (لطم)، والضرب على القفا(صفع)، والضرب بقبضة اليد (وكز)، والضرب بالرجل (ركل).

والجواب على ذلك:

بشكل عام، اللغة العربية لسعتها ودقتها تحتوي على كلمات خاصة للحالات الخاصة.

فاللطم، والصفع، والوكز، والركل كلها أنواع للضرب. فهذا ليس دليلاً على أن الضرب شيئًا مباينًا لها.

(الهمس، والجهر، والصراخ، والنداء، والغناء) أنواع وكيفيات للكلام.

(المشي، والهرولة، والركض، والجري، والحبو، والزحف) أنواع وكيفيات للحركة.

(خرير الماء، وحفيف الشجر، وزقزقة العصافير، وزئير الأسد، ونباح الكلب، وصياح الديك، ومواء القط، وصهيل الفرس) كلها أصوات.

حتى النوم له عدة أسماء حسب الوقت (ومنه القيلولة، والتصبح)، وعدة أسماء أخرى حسب درجة الاستغراق في النوم (الوسن، الكرى، الغمض، الإغفاء، الرقاد، الهجوع).

وربما أطلق الاسم باعتبار العمر ونمو الجسد، فلاحظ مثلاً (بنت المخاض، بنت اللبون، الحقّة، الجذعة، الثنية، الرباعية، سديس، بازل).

  •  الدليل الثالث:

بتتبع معاني كلمة (ضرب) في المصحف وفي صحيح لغة العرب، نرى أنها تعني في غالبها المفارقة والمباعدة والانفصال والتجاهل. ثم ذكر ثمانية شواهد على استعمال (ضرب) بهذا المعنى.

والجواب على ذلك:

أ- هذه مجرد دعوى بدون دليل، فأين هذا التتبع الذي أوصلك إلى أن كلمة (ضرب) في القرآن الكريم وفي لغة العرب ((غالبًا)) معناها المفارقة والمباعدة، وليس معناها الضرب المعروف حاليًا بين الناس؟!!

حتى الشواهد الثمانية التي ذكرها الكاتب لا تفي لإثبات هذه الغلبة والأكثرية. هل يكفي أن آتي بثماني جمل، لأدعي أن هذا المعنى هو (الغالب) في لغة العرب؟!! الجواب: كلا، وسنتعرف بعد قليل أن الشواهد التي ذكرها غير صحيحة أيضًا.

ب- لعل أكثر معنى للضرب متكرر في القرآن الكريم هو (ضرب المثل) فقد تكرر تقريبًا 30 مرة في القرآن الكريم.

ج- إليك بعض الآيات القرآنية، والتي فيها (ضرب) بالمعنى المعروف حاليًا، وليس بمعنى المفارقة والانفصال والتجاهل:

1- {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}([7]).

2- {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}([8]).

3- {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ...}([9]).

4- {... وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ...}([10]).

5- {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ}([11]).

6- {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}([12]).

7- {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ...}([13]).

8- {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}([14]).

9- {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا...}([15]).

10- {...أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا... }([16]).

 

  • الشاهد 1- 2- 3:

قال الكاتب (وفي المعاجم : ضرب الدهر بين القوم أي فرّق وباعد، وضرب عليه الحصار أي عزله عن محيطه. وضرب عنقه أي فصلها عن جسده، فالضرب إذن يفيد المباعدة والانفصال والتجاهل).

والجواب على ذلك:

أولاً: اللغة العربية لسعتها ودقتها تعطي للكلمة الواحدة معنى واحد، أو عدة معاني (وهو ما يسمى بالمشترك، مثل كلمة [عين] التي لها عدة معان).

ومع ذلك إذا أضفت للكلمة إضافات، ستحصل على معان جديدة أيضًا، سواءً كانت إضافة أحرف للكلمة نفسها، أو إضافة كلمات أخرى معها.

لاحظ الفارق بين (خرج- أخرج- استخرج- مخرج) إضافة حروف أو تبديل الحركات يؤدي إلى تغيير وإضافة في المعنى الأصلي.

وكذلك لاحظ (رغب فيه- رغب عنه).

(ضرب- مضرب- إضراب- مضاربة).

ثانيًا: الآن لنأت إلى جملة (ضرب الدهر) لوحدها، فهي لا تدل على المباعدة والانفصال.

وجملة (ضرب الدهر ضرباته) معناها (ألزم الدهر إلزاماته).

وجملة (ضرب الدهر ضربانه) معناها (ذهب بعض الدهر).

وأما جملة (ضرب الدهر بين القوم) فمعناها (بعّد الدهر بين القوم)، وبملاحظة ما سبق يتضح أن (الابتعاد) لم نستفده من كلمة (ضرب) لوحدها، بل بسبب (ضرب .. بين ...).

وأما جملة (ضرب عليه الحصار) فاستفدنا العزلة بسبب (عليه الحصار) وليس بسبب كلمة (ضرب).

وأما جملة (ضرب عنقه) فليس معناها المباشر هو فصل العنق وابتعاده، بل المعنى هو ضرب العنق بالسيف [بالمعنى المعروف للضرب]، فإذا تحقق ضرب العنق بالسيف ستكون النتيجة فصل الرأس عن الجسد([17]).

والحاصل: كلمة (ضرب) إذا جاءت مع كلمات أخرى فتعطي معانٍ أخرى:

(ضرب في)= مثل: الضرب في سبيل الله، بمعنى النهوض في سبيل الله.

(ضرب على)= مثل: ضرب على يده، أي كفّه عن الشيء.

(ضرب إلى)= مثل: ضرب بيده إلى كذا، أي أهوى إليه.

وإليك جمل أخرى:

(أضرب عن)= مثل: أضرب عن العمل، أي كفّ وأعرض عنه.

(ضرب الدراهم) أي صياغة الدراهم.

(ضرب الخباء) أي إقامة وتشييد الخباء.

  • الشاهد 4:

قال الله تعالى {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}([18]) أي باعد بين جانبي الماء.

والجواب على ذلك:

قد عرفت آنفًا ضرورة التفرقة بين معنى الكلمة نفسها، وبين أثرها ونتيجتها، فنبي الله موسى o ضرب البحر بعصاه، فكانت النتيجة انفلاق البحر وتباعده.

  • الشاهد 5:  

قال الله تعالى {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} ([19]) أي افرق لهم بين الماء طريقًا.

والجواب على ذلك:

المعنى (والله العالم) اجعل لهم طريقًا في البر يابسًا بضربك البحر بالعصا، لينفلق البحر. فعدّى الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى [لاحظ كلمة "طريقًا" مفعولاً به في الآية الكريمة]، فكأنه قد ضرب الطريق كما يضرب الدينار. أو من قبيل قولك (ضرب له في ماله سهمًا) بمعنى (جعل له في ماله سهمًا).

  • الشاهد 6-7 :

قال الله تعالى {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ... }([20])،

{... وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ...}([21]).

والجواب على ذلك:

الضرب في الأرض هو السير فيها، وهو يلازم الابتعاد عن نقطة البداية. إذن الابتعاد والافتراق أمر ملازم للسير في الأرض، وليس هو المعنى المباشر له.

وقد عرفت مما تقدّم أن هذا المعنى لا يأتي من الفعل (ضرب) لوحده، بل لا بد من هذا التركيب (الضرب في الأرض)، فلو حذفت (في الأرض) فلن تحصل على نفس المعنى.

  • الشاهد 8:

قال الله تعالى {...فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}([22])

أي فصل بينهم بسور.

والجواب على ذلك:

استفدنا الفصل من (بينهم بسور) وليس من كلمة (ضرب). ولذلك لو قلت (بيني وبين فلان سور) لفهمنا أيضًا الانفصال بينكما برغم عدم وجود كلمة (ضرب) في هذه الجملة.

 

والحاصل من جميع ما تقدّم:

هذا الكاتب ضعيف جدًا في اللغة العربية، وفي الفقه الإسلامي، وللأسف فقد أشغل مجموعة من المواقع والقرّاء، وأشغلنا بأدلة وشواهد كلها ضعيفة واهية، فانطبق عليه الحديث الشريف (لَوْ سَكَتَ‏ الْجَاهِلُ‏ مَا اخْتَلَفَ النَّاس‏)([23])، وإنما صرفنا هذا الوقت والجهد في توضيح المسألة الشرعية، وفي الردّ على كلامه لئلا ينخدع الناس ببعض المتحذلقين الفارغين علميًا.

 

والحمد لله ربّ العالمين

الشيخ مرتضى الباشا

4/ رجب الأصبّ / 1438 هـ

 

([1]) النساء: 34.

([2])  موقع الصحة العالمية:

www.who.int/mediacentre/factsheets/fs239/ar/

([3]) انظر: منهاج الصالحين – السيد السيستاني 3 : 106- مسألة 350.

([4]) انظر: منهاج الصالحين- السيد السيستاني 3: 107- مسألة 353.

([5]) النور : 2.

([6]) المائدة: 38.

([7]) البقرة : 73.

([8]) الأَنْفال: 12.

([9]) الأَنْفال : 50.

([10]) النور: 31.

([11]) الصافات: 93.

([12]) ص: 44.

([13]) محمد: 4.

([14]) محمد: 27.

([15]) البقرة: 60.

([16]) الأَعراف : 160.

([17]) يجب التمييز بين معنى الشيء وبين أثره. فإذا قلنا مثلاً (ضربتُ زيدًا ضربًا مبرحًا) فليس معنى الضرب هنا هو شدة الألم، بل شدة الألم من نتائج الضرب المبرح.

وإذا قلنا (ضرب الزجاجة بقوة فانكسرت) فالانكسار نتيجة وأثر لضرب الزجاجة، وليس (الانكسار) هو معنى (الضرب) نفسه.

([18]) الشعراء: 63.

([19]) طه : 77.

([20]) البقرة : 273.

([21]) المزمل: 20.

([22]) الحديد: 13.

([23]) بحار الأنوار 75: 81.

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات