سبعة إشكالات في حضور الدورات

سبعة إشكالات في حضور الدورات

 

سبعة إشكالات في حضور الدورات

الكاتب/ الشيخ مرتضى الباشا

الدورة أو الورشة، العلمية أو العملية – بنظرة بسيطة- هي عبارة عن اجتماع مجموعة من الأشخاص يتبادلون الخبرات والمعلومات حول موضوع معين، وبأسلوب حديث وشيق، بحيث يتم استعراض الكثير من المعلومات في مدة وجيزة، ويتأهل المتدرّب لانطلاقة جديدة ومتينة.

وبعبارة أخرى: (الدورة أو الورشة) هو عبارة عن (دروس تفاعلية وتكاملية) بين الأستاذ والتلاميذ، وبين التلاميذ أنفسهم، بحيث يشارك الجميع في الوصول إلى الأفكار والحقائق وتنضيجها أكثر فأكثر.

وحيث أثبتت الدراسات العلمية قوة وشدة جداوئية هذه الطريقة وأمثالها فقد تم اعتمادها في الكثير من المؤسسات والشركات العالمية، وتمّ تخصيص بعض فروع الوزارات أو الشركات تحت عنوان (التنمية البشرية) أو (تأهيل الموظفين) أو ما شابه.

ومن الغريب ما نلاحظه من عزوف لدى بعض طلاب العلوم الدينية عن حضور هذه الدورات. ونحن في هذه الوريقات نحاول تسليط الضوء على أهم الإشكالات التي ربما تدور في أذهان بعضهم، مع الإجابة على تلك الإشكالات. والله-سبحانه- ولي التوفيق.

 

الإشكال الأول: (حضور الدورات يتعارض مع التحصيل العلمي واقعًا).

يتصوّر البعض أن حضور الدورات يمنعه من التحصيل العلمي، فهو يريد أن يصرف هذا الوقت في مراجعة دروسه والمباحثة وما شابه.

ويجاب على ذلك:

أولاً: الجواب النقضي: إذا كانت الدورات والورش تمنع من التحصيل العلمي، فكذلك الجوالات والانترنت والستالايت كلها تمنع من التحصيل العلمي، فهل قام أصحاب هذا الإشكال بمقاطعة كل ذلك؟!

ثانيًا: الجواب الحلّي:

1- الدورات والجوالات والانترنت والستالايت وأمثال ذلك، كلها سلاح ذو حدين. إذا أحسنّا الاختيار، وتعاملنا معها بحكمة ووعي، فهي خير معين في سبيل التحصيل العلمي. وإن أسأنا الاختيار والتعامل فحينئذ ستكون ملهية ومبعدة عن التحصيل والدراسة. فالحاصل: أن المشكلة ليست في هذه الوسائل في حد ذاتها، بل المشكلة تكمن في الإنسان نفسه وكيفية تعامله واستفادته منها.

2- طالب العلم بحاجة إلى تقوية جوانب أخرى في علومه وشخصيته ليستطيع أن يقوم بأدواره وواجباته المتعددة والمختلفة. (دورة في سبيل إسعاد الحياة الزوجية) أو (دورة في كيفية التعامل مع الأبناء المراهقين)، (دورة في معرفة أنماط شخصيات الناس والتعامل معها)، وأمثال ذلك. من الواضح أني مسؤول عن إسعاد زوجتي، وتربية ابني، والتعامل مع أفراد المجتمع المختلفين.

صاحب العصر والزمان - عجل الله تعالى فرجه - لا يريد من يخدمه على حساب تضييع حقوق الزوجة والأبناء، فإنّ الله تعالى لا يُطاع من حيث يُعصى. فالتحصيل العلمي أمر مطلوب جدًا، ولكن بشرط أن لا يكون على حساب بقية الواجبات الملقاة على عاتق الطالب.

3- تخيّل إنسانًا، يمشي على قدميه، ويريد الوصول إلى هدف ما بأسرع وقت. المشي ليس هو المطلوب لديه، بل الوصول إلى المقصد هو المطلوب والغاية.

هذا الإنسان إذا عرضنا عليه استعمال السيارة للوصول إلى المقصد بشكل أسرع، فأجابنا بأن لا وقت لديه لركوب السيارة، فهل ترى جوابه هذا جوابًا عقلائيًا؟!!

ولنطبّق هذه القصة على ما نحن فيه. فالبعض مشغول بالتحصيل، وتأتي دورة في كيفية زيادة مستوى التحصيل وتقويته وبجهد أقل، فهل ترى اعتذاره بالانشغال بالتحصيل عذرًا مقبولاً أو عذرًا مضحكًا؟!

أنت تريد تسهيل التحصيل عليه بتسليحه بمهارات وتكتيكات في كيفية التحضير والمذاكرة وحضور الدرس وأمثال ذلك ليستعين بها في التحصيل، وهو يمتنع بحجة انشغاله بالتحصيل!!!

والخلاصة: أنّ بعض هذه الدورات مثل (مهارات دراسية)، (كيفية كتابة البحث العلمي)، (إدارة الوقت) هذه الدورات لا تشغل الإنسان عن التحصيل -كما يتصوّر البعض-، بل هي خير معين ومرشد في عملية التحصيل.

 

الإشكال الثاني: (حضور الدورات يتنافى مع السمعة بالتحصيل العلمي).

ربما يوجد انطباع لدى البعض أن من يحضر الدورات فهو غير محصّل، وغير مجدّ في دروسه ومباحثاته، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنينo: >مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمَةِ، فَلا يَلُومَنَ‏ مَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِه‏<، لذا فالأفضل عدم المشاركة في أمثال ذلك لئلا نفقد شخصيتنا وسمعتنا العلمية.

ويجاب على ذلك:

أولاً: الجواب النقضي: إذا كانت الدورات والورش تمنع من السمعة بالتحصيل الحوزوي فكذلك استعمال الواتساب والانترنت والخطابة كلها تمنع من السمعة بالتحصيل الحوزوي، فهل قام أصحاب هذا الإشكال بمقاطعة كل ذلك؟!

ثانيًا: الجواب الحلّي:

1- روي عن الإمام الصادق - عليه السلام - >إِنَّ رِضَا النَّاسِ‏ لا يُمْلَكُ، وَأَلْسِنَتَهُمْ لا تُضْبَطُ، وَكَيْفَ تَسْلَمُونَ مِمَّا لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ وَحُجَجُ اللَّه‏<. الناس لا يرضون عن إنسان مهما فعل. ويجب البحث عن العمل الصحيح الموافق للموازين الشرعية والعقلية، لا البحث عما يرضي الناس.

2- المستوى العلمي الواقعي يكشف ويفصح عن نفسه بأدلته وكواشفه الحقيقية، أما الاختباء وراء المظاهر، فما يلبث أن ينكشف ويظهر الواقع.

3- تقدّم في جواب الإشكال الأول، أنّ المسألة ترتبط بكيفية تعاملنا مع هذه الوسائل والأمور. فربما انغمس إنسان في الخطابة بحيث توحي كثرة أسفاره ومجالسه بأنّه لا يولي الدرس الوقت الكافي، وربما أحسن التوازن بين أموره بحيث أعطى كل مجال حقّه.

 

 

 

الإشكال الثالث: (أنا مشغول، ولا يوجد الوقت الكافي لحضور الدورة).

صاحب هذا الإشكال يعترف بأهمية الأمر، إلا أنه يعاني من كثرة المشاغل التي تمنع من الحضور. (كثرة الأعمال والمشاغل) مشكلة تلاحق البشر – لا سيما طلاب العلوم الدينية- إلى قبورهم. كلما انقضى شغلٌ، استحدثت مشاغل ثلاث.

روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - >وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْر<، ووجود دورة في موضوع مهمّ، وبإدارة مدرّب يبذل جهده لاستفادة الحضور؛ تعدّ من فرص الخير التي على العاقل أن ينتهزها، حتى وإن استدعى ذلك تغييرًا مؤقتًا في جدول الأعمال، وتحمّل بعض الضغوطات من هنا وهناك. وإذا كان الإنسان ينتظر أن يأتي يوم يكون فيه فارغًا من كل المشاغل ليشارك بالحضور في دورة ما؛ فالأفضل أن لا ينتظر، لأن ذلك اليوم لن يأتي أبدًا.

السواد الأعظم تقودهم الأعمال والضغوطات الخارجية إلى حيث تشاء، ويعيشون في زوبعة الأعمال المتراكمة والمتتابعة دون أن يتمكنوا من الخروج منها أو السيطرة عليها، أما القادة والناجحون فهم الذين يقودون الأعمال والظروف – بالمقدار الممكن- إلى حيث يريدون. وهنا تبرز أهمية دورة (التخطيط الفردي الاستراتيجي) ودورة (إدارة وتنظيم الوقت)، وهما من أكثر الدورات التي يحتاجها طلبة العلوم الدينية.

 

الإشكال الرابع: (الدورة ناقصة، لا تحوي كل المعلومات في ذلك الفن).

من الطبيعي أن لا تحوي الدورة في مدة قصيرة على جميع المعلومات الواردة في ذلك العلم أو الفن. ولا يعدّ هذا من الإشكالات العقلائية. حتى الدرس الذي نحضره، أو الدرس الذي نقدّمه نحن، وحتى الكتاب الذي نقرأه أو نكتبه، والمحاضرات التي نقدّمها أو نستمع إليها، كل ذلك لا يحوي كل المعلومات الواردة في ذلك العلم. فالمنطقي والمعقول أن نشترط حصول فوائد من الدرس، أو الكتاب، أو المحاضرة، أو الدورة. وليس من المنطقي أو المعقول بأن نشترط أن تغني هذه الساعات عن كل ما سواها.

الإشكال الخامس: (الدورة ليس فيها إضافة على الموجود في الكتب والنت).

هذا الإشكال غريب وعجيب، فهل يعتقد صاحب هذا الإشكال أن الدرس الذي يحضره هو أو يقدّمه يحتوي على معلومات إبداعية ليست موجودة في الكتب والمصادر والشروح؟!!! وهل يعتقد أن محاضراته الذي يقدّمها للناس كلها من هذا القبيل؟!! لو تمّ هذا الإشكال فمقتضاه أن نغلق الغالبية العظمى من الدروس الموجودة بحجة أنها لا تأتي بجديد.

تقدّم أن الدورة أو الورشة هي عبارة عن درسٍ بأسلوب مختلف في بعض جوانبه. والدروس التي نعرفها – في الأعم الأغلب- لا تأتي بمعلومات ابتكارية ليست موجودة في الكتب التي بين أيدينا. نعم بعض الدروس أو الكتب تميّز أصحابها –وهم قلّة- بعنصر ابتكار نظريات وآراء جديدة، أو تطوير وتحسين السابق.

الإشكال السادس: (الدورة ليس فيها إضافة على ما لديّ).

هذا يختلف باختلاف مستوى الدورة نفسها، وباختلاف مستواك في ذلك الموضوع، والإنسان أدرى بنفسه وبمستواه. ربما تكون قد بذلت جهودًا في هذا الموضوع المعيّن، ووصلت إلى مستوى مرموق فيه. لكن من البعيد جدًا أن تكون كل الدروات الموجودة أقل من مستواك الثقافي، فهناك العديد من الجوانب العلمية والثقافية التي لم نبذل فيها جهودًا بالمستوى الذي بذله الآخرون.

وفي (بعض الحالات) يكون الحكم المسبق على الدروس الأخرى أو الدورات أو المحاضرات بأنها أدون من مستوانا الفكري والثقافي؛ نابعًا من الغرور العلمي الذي يعيشه صاحب هذا الحكم، من حيث يشعر أو لا يشعر.

الإشكال السابع: (سابقًا حضرنا دورات، ولم نستفد منها).

عدم الاستفادة له العديد من العوامل:

1- تارة لضعف الدورة السابقة، وهذا لا يعني أن كل الدورات ستكون ضعيفة كالسابقة، لا سيما مع اختلاف المدرّب والموضوع. كما أنّ التدريب مهارة كالتدريس والخطابة، وكل مهارة تنمو وتتكامل بالممارسة والتمرين. فالمستوى الذي لمسته من فلان الأستاذ أو الخطيب أو المدرّب قبل سنوات لن يبقى على ما هو عليه، شريطة التمرين والممارسة والسعي نحو التطوير والتحسين.

2- تارة لعدم التطبيق والمتابعة:

كثيرًا ما نلقي باللوم على الآخرين في عدم حصول الفائدة, والصحيح أن نبدأ بالتحقيق مع أنفسنا، هل طبقّنا التعليمات والتوجيهات التي أخذناها في الدورة؟ كلنا يعلّم أن المهارة تحتاج إلى تمرين وملاحظة وتقويم. وبدون ذلك لن نحصل على أي مهارة.

عندما يصف الطبيب الدواء للمريض، ويشرح له مواعيد استعمال الدواء وكيفيته، ثم يخالف المريض توجيهات الطبيب، فهل من حقّ هذا المريض أن يلقي باللوم على الطبيب بحجة أنه لم يستفد من مراجعته, وأنه قد أضاع وقته وماله بالذهاب لعيادته؟!

أنا أعتقد أن السبب الأساسي في عدم حصول الفائدة من حضور الدورة لدى البعض؛ يكمن في عدم إيمانه بفوائد الحضور، وبالتالي فهو يسمع المعلومات دون اكتراث بتدوينها وتطبيقها، ولا يتمرّن على تلك المهارة، فيخرج من الدورة كما دخل إليها، وتترسخ في ذهنه قناعة عدم جداوئية هذه الدورات، ويحرم نفسه من الفوائد الجمّة الموجودة فيها، ويعكس سمعة سيئة أمام الآخرين. لذا فأكبر مشروع تبليغي لهذه الدورات والورش؛ هو أن تظهر آثارها وفوائدها في سلوكيات المشاركين فيها، بحيث يرى ويسمع ويشعر هو نفسه والآخرون، بالتغيّر والتحسّن في مهارته وسلوكياته.

والحمد لله ربّ العالمين

17 / ربيع الأول / 1438 هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات