تحسين وتطوير العمل الاجتماعي

تحسين وتطوير العمل الاجتماعي

تحسين وتطوير العمل الاجتماعي

 

قال الله عزّ وجلّ (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة : 105].

منذ أن بزغت شمس النبوة في الحجاز؛ سارع أهل البحرين- حسب المصطلح القديم- إلى الدخول في الإسلام طواعية, كما سارعوا إلى حبّ أهل البيت – عليهم السلام- ونصرتهم وإلى السير على خطاهم ووفق منهجم. ومنذ ذلك الحين ومنطقتنا تقدّم الكثير من العطاء والنماذج الشامخة على مختلف الأصعدة والمستويات, وهكذا جيلاً بعد جيل, إلى أن وصلت النوبة إليكم أيها الأحبة, فتقلدتم وسام شرف خدمة الدين الحنيف وهذا المجتمع. بيد أن العاقل لا يقنع بما وصل إليه من نجاح, لذا تراه دائماً يبحث عن الأفضل, وعن التطوير والتحسين, وسد مواطن الخلل, وثغرات العمل. من هنا كان لزاماً علينا أن لا نقف ساكنين, ولا نقنع بما حققنا من إنجازات, وإليكم بعض ما انقدح في ذهني, لعله يسهم كخطوة في سبيل الله تعالى, وفي طريقنا إلى التكامل والتكاتف.

 

أولاً: الإرادة الجدية الواقعية للتصحيح:

ليس من الصعب أن نعرف أو نتعرف على مواطن الخلل, وعلى سبل العلاج والحلول, ولكن تكمن المعضلة في الإرادة الجدية للتحسين والتقدّم. فالمجتمع العربي يعرف الكثير عن مشاكله وطرق الخلاص, ولكن لم تأت القمم العربية والاجتماعات إلا بالمزيد من البيانات الفارغة.

أحبتي الأعزاء!! أخشى أن نصبح نسخة أخرى من قمم عربية لا تأتي بجديد إلا الحبر على الورق!! أما إذا توفرت الإرادة الجدية الواعية للتغيير فالله تعالى معنا,وناصرنا, وراعينا.

ولو أخذنا مثالاً لمشاكلنا الاجتماعية (مسألة نقل المعلمات للتدريس في مدن قريبة) رغم أنها طرحت منذ سنوات في العديد من البرامج الفضائية والجرائد والمجلات وما زالت تطرح بين فينة وأخرى, إلا أنها لم تتقدّم ولا خطوة واحدة.

 

 ثانياً: الحاجة إلى إنضاج بعض المفاهيم:

ثمت مفاهيم ما زالت تتداول بيننا, وطائفة منها أصبحت أهميتها وضرورتها محط تسليم الجميع أو الغالبية, ولكن رغم ذلك ما زالت تعاني من ضبابية وغموض في تحديد المدلول والمعنى فضلاً عن التطبيق.

مثلاً: ما زلنا نكرر أهمية (العمل المؤسسي) أو (المؤسساتي) ولكن ما زال الكثير منا يجهل ركائز هذا النوع من العمل, فهو لا يفقه منه إلا بعض القشور والمظاهر دون أن يقترب من الحقيقة واللبّ.

مثال آخر: لا غبار على أهمية (الوحدة والاتحاد) ولكن ما زلنا لا نعرف الضوابط الصحيحة للوحدة, فهل الوحدة تعني أن يتخلى الجميع أو الأخوة الأحبة عما لديهم من أفكار ورؤى مثلاً؟

 

ثالثاً: الحاجة إلى نقابة مستمرة:

بات من المسلّم في كثير من  الدول أهمية وجود نقابة ترعى شؤون أمر ما, لذا يتوجب علينا القيام بتوفير نقابات تتكفل بالنقد الذاتي لذلك الشأن, كما تقوم بالتخطيط للتطوير ورعاية ذلك المجال.

مثلاً: نقابة للخطباء الحسينين, تقوم بالتخطيط للموسم القادم, ونقد الموسم السابق, وتقديم ما يلزم لرفع مستوى المنبر الحسيني المقدّس.

وهكذا (نقابة للمساجد – بما فيها أئمة الجماعة-) وهكذا الحال في الكثير من المجالات الاجتماعية.

 

رابعاً: الحملات التوعية الشاملة:

في كثير من الأحيان نحن بحاجة إلى حملة توعية يشارك فيها الجميع من أجل توضيح فكرة معينة إلى المجتمع, أو غرس مبدأ من المبادئ في عقول وقلوب الناس, لذا كان لا بد من استعمال جميع الوسائل الإعلامية المتاحة.

مثلاً: (حملة توعوية لتثقيف الناس كيف ينفقون؟ وأين؟) فالنذر لا ينحصر بإقامة سفرة أم البنين – عليها السلام- أو الإطعام في يوم السابع من المحرم أو إقامة مسجد. إن هذه المسالة بحاجة إلى حملة توعوية شاملة؛ تشارك فيها: القنوات الفضائية والمنابر والمساجد والمنتديات الاكترونية والقوائم البريدية والرسائل القصيرة وملصقات ولافتات في الشوارع وغير ذلك.

 

خامساً: العمل وخشية النقد:

كل عمل أو حركة يعتزم الإنسان القيام بها يواجه – ابتداءً واستمراراً- بأمواج عاتية من العوامل المحبطة والمعيقة. ومن أهم ذلك الخوف والخشية من نقد الآخرين. إذ دأب كثير من البشر على النقد لأسباب ودوافع مختلفة ومتباينة. والخوف من الوقوع تحت مشرط المنتقدين يمنع بعض البشر من الإقدام أو الاستمرار. ذلك المشرط الذي يحلل النوايا ويرسم منظومة متكاملة في تصوير الخطر والسلبيات من حيث لا تعلم, فتصبح أنت السرطان الذي يهدد جسد الأمة الإسلامية, كل ذلك لا لشيء إلا لكلمات أو لفكرة طرحتها طلباً للإصلاح. ونحن نذكر هنا بعض ما يساهم في مواجهة مشكلة النقد:

(أ): يروى أن يحيى بن زكريا –عليهما السلام- سأل ربه فقال: ربِ اجعلني أسلم على ألسنة الناس ولا يقولون فيّ إلا خيراً. فأوحى الله إليه: يا يحيى لم أجعل هذا لي, فكيف أجعله لك!!.

إذا كان الله تعالى وهو الكمال المطلق لم يسلم من نقد البشر, وكذا لم يسلم خير الخلائق ولا أهل بيته –صلّى الله عليه وآله-  فهل يمكنك يا مسكين أن تفر من هذا الأمر. وحاصل هذه النقطة أن تعلم بأنك منتقَد على كل حال. إن عملت انتقد عملك (سواء كان كتابة أو خطابة أو مشروع أو غيره), وإن قعدت انتقد قعودك وخمولك.

يروى أن علقمة قال للإمام الصادق –عليه السلام- في حديث طويل ورائع- : يا ابن رسول الله ، إن الناس ينسبوننا إلى عظائم الأمور، وقد ضاقت بذلك صدورنا. فقال &: يا علقمة ، إن رضا الناس لا يملك، وألسنتهم لا تضبط، فكيف تسلمون مما لم يسلم منه أنبياء الله ورسله وحججه –عليهم السلام-؟ ألم ينسبوا يوسف –عليه السلام- إلى أنه همّ بالزنا ؟ ألم ينسبوا أيوب –عليه السلام- إلى أنه ابتلى بذنوبه ؟ ألم ينسبوا داود –عليه السلام-  إلى أنه تبع الطير حتى نظر إلى امرأة أوريا فهواها ؟.....الخ.

(ب): يحكى أن جحا ركب حماراً, وسار ابنه ماشياً, فعاب الناس قساوة الأب الراكب. ركب الابن ومشى الأب, فعاب الناس عقوق الإبن. ركب الاثنان الحمار فعاب الناس قساوة قلب البشر وعدم شفقتهم على الحيوان المسكين. مشى الاثنان على أقدامهما ومشى معهما الحمار, فعاب الناس عدم استفادتهم من الحمار.  هذه الحكاية صادقة فيما ترمز إليه. فليس هناك حال يرضي جميع البشر. ولذا قيل: رضا الناس غاية لا تدرك. ضع هذه القاعدة نصب عينيك.

(ج): الهدف الصحيح أن نطلب رضا الله تعالى, أما طلب رضا الناس فلا يخلو من شائبة (الأنا) في القلب كما قال الإمام الخميني –عليه الرحمة- .

(د): كل عمل بشري فهو لا يخلو من نقص وعيب عادة. فلا يعيبك ذلك, ولا ينقص من مقامك ما دمت تبحث عن الأفضل وتسعى وتحاول الوصول إليه. وما يعيبك واقعاً هو أن تكون ساكناً جامداً بلا حركة ولا حياة.

 (هـ): قال الإمام الخميني –عليه الرحمة- ((فما أحسن أن تلقن نفسك وتقنعها بحقيقة أن مدح المدّاحين وإطراء المطرين ناهيك عن أنه يدّمر الإنسان ويجعله أكثر بعداً عن التهذيب- البعيد عنه هو في الأساس- فإن الأثر السيء للثناء الجميل في نفوسنا الملوثة سيكون منشأ لجميع أنواع التعاسة بالنسبة لنا, كما سيلقي بنا –نحن ضعاف النفوس- بعيداً عن المحضر القدسي للحق جلّ وعلا. ولعلّ الناقدين ومروّجي الشائعات يكونون ذا نفع في علاج معايبنا النفسية -ولا غرابة- فالأمر شبيه بالعملية الجراحية المؤلمة التي تؤدي بالنتيجة إلى سلامة المريض .... أما أولئك الذين يتوهمون أنهم يحاربوننا بالانتقاد والسبّ واختلاق الشائعات فإنهم يساهمون في إصلاحنا رغم أنهم أعداء لنا)).

 

سادساً: الاستفادة من المتخصصين في أي مجال:

قال الله تعالى (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[الزخرف : 32].

إن الله تعالى قسّم المواهب والعلوم على البشر, لذا فعلينا في العمل الاجتماعي أن نبحث عن الشخص المناسب المؤهل, ليقوم بالعمل المناسب.

إن من الأمراض التي تعيق العمل الاجتماعي وتصيبه بالشلل؛ هو أن يكون تنصيب العامل على أساس القرابة أو الحزبية أو غيرها. ومن هذا القبيل إيكال بعض المهمات إلى رجال الدين الأعزاء رغم عدم تخصصهم في تلك المهمات, وكذا الحال في تدخل بعض المثقفين الأحبة  فيما لا شأن لهم به.

 

سابعاً: عدم تحميل العاملين أكثر من طاقتهم:

إن العامل في المجتمع – كأي إنسان آخر- بحاجة إلى وقت لحياته الشخصية وراحته, ومن الخطأ الذي ما زال يتكرر أن نثقل كاهل ذلك المسكين بأعمال لا تنتهي, وذلك بذريعة خدمة الدين والأجر والثواب, ونحن ما زلنا نغفل أن مثل هذا الضغط يورث ضعفاً في مستوى العمل, كما يؤدي إلى ردود فعل عكسية لدى العامل وأسرته بعد حين. وقد تحدثنا في مقال سابق عن (الأخطبوطية في العمل).

 

ثامناً: الحاجة إلى تدريب الموارد البشرية:

لا يخفى عليكم أن تدريب وتنمية الموارد البشرية بات من الضرورات العقلائية, فكل شركة محترمة تقوم برفع مستوى الكفاءة والأداء لدى المنتسبين لها. لذا أرى أهمية كبرى لإنشاء مراكز متخصصة في تدريب العاملين الاجتماعين لتفتح أمامهم آفاقاً رحبة جديدة. فالعاملين في المسجد أو الجمعية أو الحسينية أو النادي الرياضي أو غيرها, كل هؤلاء الأحبة بحاجة إلى تدريب وتنمية مواهب وخبرات بين فينة وأخرى, بما فيهم (طلاب العلوم الدينية- أدام الله عزهم-).

 

تاسعاً: تبادل الخبرات الداخلية والخارجية:

في الحديث (التجارب علم مستفاد) ولا يختلف اثنان على أهمية أن نستفيد من تجارب الآخرين العاملين في مجالنا أو مجال مقارب, سواء كانوا داخل المملكة أو خارجها, سواء كنا نتفق معهم في الدين والمذهب أو نختلف. مهما وصلتَ إليه من نجاح وتفوق وأفكار, فهناك المزيد لدى غيرك في شرق الأرض أو غربها.

مثلاً: ما المانع أن نأخذ تجارب ومهارات الجمعيات الخيرية الأخرى حتى لو كانت سلفية؟

 

عاشراً: إيجاد مشاريع اقتصادية خاصة لدعم المشاريع الأخرى:

من الأخطاء الشائعة والمتكررة بقاء الغالبية العظمى من المشاريع الدينية والاجتماعية في حالة تسوّل مستمر, بحيث تكون مرهونة بالإمدادات والتبرعات في جميع الأوقات. والصحيح إيجاد مشاريع اقتصادية يعود ريعها على المشاريع الاجتماعية والدينية. بل حتى مشاريعنا الدينية ذاتها يمكن وضع خطة لها بحيث تكتفي مالياً, وإليكم هذا الخبر لإيضاح الفكرة:

جريدة الوطن: 11 محرم 1429هـ العدد (2669):

وحسب معلومات غير رسمية فإن الدخل التقديري من رسوم الاشتراكات في باقة قنوات المجد الفضائية تجاوز (400) مليون ريال. ويبلغ رسم الاشتراك لسنتين متتاليتين (1800) ريال، وتجاوز عدد المشتركين (233) ألف مشترك منذ تأسيس القناة قبل نحو سبعة أعوام.

وتعتمد شبكة قنوات المجد في تمويلها إلى جانب الاشتراكات على بث رسائل SMS والتي تبلغ في إحدى قنواتها فقط 350 ألف ريال شهرياً. أما قناة "شدا" الإنشادية وهي إحدى القنوات التي تبث ضمن جهاز الاستقبال المغلق والتي لا تتبع بشكل رسمي لباقة قنوات "المجد", فيصل دخلها من الرسائل القصيرة نحو مليونين ريال. أما المصدر غير الرسمي للتمويل فهو تبرعات رجال الأعمال والداعمين للقناة.

أقول: وأما القنوات الشيعية فما زالت تطلق إعلانات طلب الدعم المادي وحملات العطاء!!

 

وما توفيقي إلا بالله تعالى

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات