المنبر الحسيني بين " الواقع " و" الطموح "

المنبر الحسيني بين " الواقع " و" الطموح "

المنبر الحسيني بين " الواقع " و" الطموح "

كثيرة هي المواضيع المماثلة لهذا العنوان، والتي تحاول الحديث عن واقع معاش وعن طموح منتظر. وأعتقد أن المشكلة الأساس في هذا الموضوع وأمثاله هو عدم المعرفة الدقيقة  بالواقع المعاش وعدم وضوح الطموح المنتظر. فإذا سألنا عن واقع المنبر سنجد أجوبة ارتجالية قد سمعناها وكررناها دون أن نبحث بأنفسنا وندرك مقدار صدقها. فنحن نتحدث عن " المنبر " في منطقتنا بالرغم أنا لم نستمع إلا إلى اثنين أو ثلاثة. وبعضنا غائب تماماً عن المنبر تحت أي ذريعة أو حجة ولكنه ما يزال يتحدث عن واقع المنبر وطموحه. كما أن الطموح أشبه بالخيال والأسطورة. فقد غاب عن كثير منا الفرق بين الماضي والحاضر. ففي الماضي كان المنبر هو القناة الوحيدة التي تغذي المجتمع يومياً، وكان الناس يجلسون تحت المنبر ويلتقون المعلومات والتوجيهات منه بانتظام، فقد كانت المجالس الحسينية والمنبر جزء لا يتجزئ من الحياة اليومية. أما في  حاضرنا المحاصر فقد أصبح المنبر دقائق معدودة في حياة الفرد والمجتمع خلال سنة كاملة. وفي قبال المنبر منافسون دخلوا إلى كل البيوت تقريبا على مدار الساعة، وهم القنوات الفضائية والشبكة العنبكوتية. علماً أن الأخرين وأمثالهما لهما من المغريات والمثيرات الكثير. فهل نطمح من الدقائق المعدودة للمنبر أن تتصدى وتتحدى الطوفان الجارف الآتي على مدار الساعة من هنا وهناك.

و بعبارة مختصرة: يكرر الكثير أين المنبر من الإصلاح الاجتماعي ؟.

و جوابي: وماذا يمكن المنبر أن يفعل وأي دور تنتظر ما دام هو منبر في دقائق خلال سنة ؟؟!!.

 

و بعبارة أوضح: المنبر الحسيني بين " الواقع " و" الطموح "، يقتضي أن نتحدث بصراحة وواقعية عن الواقع المعاش وفق أسس علمية وعن طموح واقعي ننتظره.

 

و لا أبالغ عندما أقول بأن إلقاء المسؤولية الاجتماعية والدينية على المنبر أصبح ديكوراً من ديكورات الثقافة. فالقضية لم تعد عند كثيرين حرقة واقعية وجرحاً اجتماعيا يسعى لإدراك أسبابه والحصول على علاجه، بل هو عند كثيرين شعار يرفع ليثبت انتمائه إلى الطبقة التنويرية أو ليمضي مقدار من وقته في الحديث أو ليهرب من مسؤوليته الدينية والاجتماعية.

 

و من الأخطاء التي يقع فيها البشر هو التشدد والتطرف بدون وجه حق. ففي الوقت الذي يتمسك فيه فئة بإبراز العنصر العاطفي والمأساوي في كربلاء، وترجيح هذا الجانب على جانب الفهم والتحليل لأبعاد الثورة الحسينية وأهدافها، تجنح طائفة أخرى إلى إقصاء البكاء والعاطفة بشكل تام. والحق أن تنال كل جنبة محلها ومكانتها، فثورة الإمام الحسين – عليه السلام – ليست بكاء وعاطفة فقط، وكذلك ليست تحليلات ومباحثات فقط. فليتبوأ كل منهما مكانته، لا سيما وأن العنصر العاطفي والمأساوي هو العنصر الأهم في الجذب إلى عاشوراء، وهو اللغة التي يفهمها أكثر الناس، فعامة الناس لا تحبذ الخوض في نقاشات فكرية لا سيما إذا كانت الأبحاث بدرجة عميقة. فنحن إذ نؤكد على ضرورة التحقيق والتحليل والبحث العلمي في كربلاء نؤكد أيضاً على البعد العاطفي والمأساوي فيها.

 

و من الأفكار التي ما لبثت تطرح هو تكرار المواضيع على المنبر الحسيني. ولا شك في ضرورة التطوير إلا أن التكرار ضرورة لجهات:

الجهة الأولى: بعض المواضيع تكرارية بطبعها، وذلك كمواضيع النصح والوعظ. قال الله تعالى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}  سورة الذاريات – 55.

الجهة الثانية: التكرار سبب من أسباب ترسيخ الفكرة في الذهن. فسماع الفكرة بدون تدوينها ومراجعتها وبدون تكرارها لا يكفي في كثير من الحالات. وأترك القارئ الكريم ينظر في نفسه فكم من معلومة وفكرة قد نساها لأنها لم تتكرر عليه. والحفظ الذهني لوحده لا يكفي في كثير من الأحيان. لذا ورد الأمر بكتابة العلم.

الجهة الثالثة: قد تكون أنت يا عزيزي قد عرفت هذه المسألة وهذا الموضوع، ولكن هل الجيل الجديد قد سمعها وعرفها. ولأضرب مثلا واقعياً ألمسه من خلال موقعي كمرشد للحج والعمرة، فكثيرة هي المسائل الفقهية التي قد تكون بديهية عند المؤمنين ولكن هذا لا يعني أنها كذلك لدى جميع الناس. كما تعلمت أنت مسائل الوضوء والغسل والطهارة وما أشبه فكذلك الجيل الجديد يحتاج أن يتعلم تلك المسائل.

و لتقريب الفكرة: ها هو المعلم في المدارس وفي الجامعات يكرر الدرس كل سنة، ولكن التكرار لا يستهدف من نجح في المادة بل يستهدف من أخفق فيها ومن هو مطالب بها.

 

ومن الأطروحات التي تذكر وتتكرر هو عدم جدوى المواضيع المطروحة على المنبر، فالمنبر التنويري ليس تنويراً في نظر بعض الأخوة. والحق أن تقييم كل شخص لما يطرح ويقال يعتمد على الأرضية والخلفية التي يستند إليها الناقد أو المستمع، ورضا الناس غاية لا تدرك. فمثلا يطالب  بعض المؤمنين بمواضيع العقيدة، وفي الوقت ذاته ينظر البعض إلى هذه المواضيع على أنها مواضيع تراثية أو بالية أو ليست بالأهمية المطلوبة. وكذلك الحال بالنسبة لباقي المجالات الدينية والفكرية والثقافية. ومن الخطأ أن ينصب الإنسان نفسه واهتماماته الشخصية وما يفضله مقياساً لما يطرحه الآخرون وما ينتجونه.

و بعبارة أخرى: استصغارك أو نفورك أو رفضك لبعض المواضيع أو التوجهات أو المدارس الفكرية لا يعني عدم وجود من يخالفك الرأي ويرى نقيض     ما ترى. وكما تدين تدان.

 

و أختم حديثي بضرورة تشكيل نقابة تهتم بالمنبر الحسيني وجميع شؤونه. فليس بإمكان ندوة واحدة أو ما أشبه ذلك أن تحلّ المشكلات والعقبات والسلبيات وينمي الإيجابيات ويطورها.

 

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات