العـــــائـلة الصامــتة

العـــــائـلة الصامــتة

العـــــائـلة الصامــتة

 

تخيّل أفراد عائلة يعيشون في بيت واحد، لكن لا يوجد بينهم شيء معتدّ به من التواصل والحوار وتبادل المشاعر والأحاسيس. يعتني كل فرد بشؤونه الخاصة بعيدًا عن الأسرة، ويكتفي بأداء ما يعتقد أنه واجبه العائلي فقط، دون أن يتجشم عناء معرفة ما يعاني منه الفرد الآخر، ودون أن يشارك باقي أفراد الأسرة أفراحهم وأحزانهم، ودون أي تشاور وتبادل وجهات نظر في القضايا المشتركة.

حتى عندما يجلسون على مائدة الطعام، تجد كل فرد مشغولاً بجهازه الذكي، ويتابع ما لديه من أعمال وعلاقات عبر الواتساب وغيره، أنت تشعر وتدرك أنها عائلة متفككة، بائسة، ومشلولة عن الحركة الكمالية.

 

 

وهكذا هو حال أفراد الأسرة التدريسية في أي مدرسة أو مركز أو معهد علمي. ففي كثير من الحالات يعتقد الطاقم التدريسي أن واجبه ينحصر بتقديم درسه فقط، دون أن يتعرف حتى على أسماء باقي الأساتذة الموجودين، فضلاً عن عقد لقاءات دورية وعلاقات ودية متبادلة.

الأساتذة بمنزلة الآباء للطلاب والتلاميذ، وحتى تتم عملية التربوية والتعليمية بنجاح وقوة؛ بات من المسلّمات ضرورة تواصل الآباء (الأساتذة) وتعاونهم وتكاتفهم. ولا شك أن الهيئة الإدارية للمدرسة نفسها تحظى بقسط وافر من المسؤولية في هذا الاتجاه. وحتى نخرج عن حالة العائلة الصامتة، يرى المنصف الأهمية البالغة لما يلي:

1- تكوين وتقوية العلاقات الإنسانية بين (الهيئة الإدارية، والهيئة التعليمية، والطلاب) فكل فرد من هؤلاء هو أحد أعضاء العائلة، لذا يجب أن نخرج من دائرة القطيعة والجفاف، إلى دائرة التعارف، بل إلى دائرة الأخوة والمشاعر المتبادلة. وهذا يقتضي وضع خطط وخطوات عملية تعزز هذه الحالة.

وربما اعترض بعض الأحبة بوجود رحلة سنوية يتيمة تحوي بعض الأساتذة وبعض الطلاب، إلا أنك تدرك أن هذه الخطوة بمفردها لا تكفي.

2- إقامة جلسة دورية (ربما شهرية) لكل هيئة ولجنة في المدرسة، لذا لا بد من وجود جلسة دورية للجنة التعليمية، بحيث يكون جميع الأساتذة أيدي فاعلة وآذانًا صاغية، لتشخيص الوضع الفعلي، ومعرفة نقاط القوة لتعزيزها، والبحث عن نقاط الضعف لمعالجتها من جذورها، وللتخطيط للمستقبل.

للأسف، تكتفي بعض المدارس بجلسة واحدة يتيمة وتشريفية في بداية العام الدراسي أو نهايته، ظنًا منها أن تلك الجلسة التشريفية تحقق الآمال!!

ولا شك أن هذه الجلسات الجادّة التي نريدها بحاجة إلى إدارة وإعداد لتؤتي ثمارها، ولئلا تتحوّل إلى مجرد تبادل (تحيات ومجاملات) أو مجرد تبادل (تهم التقصير، وتحميل المسؤولية للآخرين).

3- إقامة دورات وورش عملية لزيادة مستوى الطاقم الإداري والتعليمي، وذلك من عدة جوانب مهمة في دورهم ووظيفتهم، بما في ذلك الدورات التي تعرّف بنفسيات الطلاب وشخصياتهم والأساليب المثلى في التعامل مع كل نمط من الشخصيات. وكذلك طرق التدريس الفعّال، وتقريب المعلومة بشكل أفضل للطالب، وتحفيز وتنمية الروح التربوية والعلمية لدى الطالب.

وحتى تؤتي هذه الدورات والورش ثمارها، لا بد من التوقيت المناسب لها، ولا بد من إعطاءها حقها في الوقت. فمن المؤسف جدًا أن يحاول البعض الاختصار الشديد في الوقت إلى درجة تفقد الدورة والورشة كل قيمة لها، فحالها (والأمثال تضرب ولا تقاس) كحال من يطلب من أستاذ الكفاية أن يختصر شرح الكتاب كله في خمس جلسات!!

4- اكتشاف مواهب الطلاب، وكيفية رعاية وتوجيه تلك المواهب والطاقات، وكيفية استثمارها وتفعيلها.

وأختم هذا المقال بالإشكال الذي يتوهمه البعض، وهو أن القيام بهذا الدور وهذه المهام يقتضي الكثير من الوقت، وهذا سيكون بالتالي على حسب اهتمام الأستاذ بوقته وتحصيله. والجواب على هذا الوهم هو أن ندرك بأن هذه العملية التربوية والتعليمية واجب ملقى على عاتقنا تجاه الجيل الصاعد، بل ويؤدي إلى البركة والصلابة في درسنا وتحصيلنا نحن أيضًا. ليس العلم بمجرد كثرة وزيادة ساعات المذاكرة والمطالعة، وليس العلم في بتر وتشويه العملية التعليمية بالطريقة التي نحن عليها فعلاً، بل العلم في أن نكون (فريقًا واحدًا) يسعى نحو الكمال، ويكمل كل فرد نواقص الآخر، بل يرى النقص الموجود لدى غيره، نقصًا فيه هو نفسه.

للأسف ما زال البعض يلهث ويلهث لزيادة ساعات مطالعاته ومذاكرته، دون أن يلتفت إلى تضييعه حق أفراد أسرته، وتضييعه حق طلابه وتلامذته، فكيف يبارك الله تعالى في تلك الجهود ؟؟!!

 

والله ولي التوفيق

26/ 7 / 1438 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات

احدث المقالات