التخطيط للماضي

التخطيط للماضي

عندما نقرأ عنوان المقال (التخطيط للماضي) قد نصاب بشيء من الدهشة أو الاستغراب, وقد نعتقد أن الكاتب قد أخطأ في التعبير أو الكتابة, فالماضي قد انتهى وولّى, والناس عادة تتحدث عن التخطيط للمستقبل. ولكني أقصد فعلاً (التخطيط للماضي) وليس المقصود بذلك أن نغيّر أحداث الماضي, ولا أن نكذب ونخترع لأنفسنا ماضياً وهمياً زائفاً. كلا, بل المقصود أن نقوم بخمسة أدوار رئيسية :

الدور الأول : منع الماضي من القيام بدور التحبيط أو الغرور :

بعض الناس يقع أسيراً لماضيه الفردي أو ماضي عائلته, أو حتى الماضي القومي الذي ينتمي له. نعم, فتاريخ القومية أو الوطن الذي ينتمي إليه يؤثر بقوة في شخصية الإنسان. لذا ترى كثيراً من أبناء الشعب العربي يصاب بالإحباط نتيجة تصنيف بلاده ضمن (العالم النامي أو الثالث) ونتيجة للتجارب السابقة فهو لا يرى نفسه قادراً على الإبداع العلمي في مجتمع يحترم لاعبي الكرة أكثر من احترامه للعلماء.

وكذا نجد من يقع أسيراً لتاريخ عائلته, فإذا كان ماضي العائلة وضيعاً أو عادياً فأنى له أن يكون بدعاً في العائلة. فإذا كان من عائلة خاملة الذكر يرى نفسه خامل الذكر ولا يمكن الخروج عن هذه الحالة. وإذا كان جده الأعلى منحلاً أخلاقياً فهو أسير تاريخ جده, لا سيما إذا اشتهر بين الناس باسم جده – مثلاً- .

وهناك من يقع فريسة تاريخه الفردي, فالتجارب الفاشلة التي خاضها وعاشها تخيّم على تفكيره, وتعيش أمام ناظره في جميع الأوقات ولا يستطيع أن يتجاوزها.

ما تقدّم كان هو دور التحبيط الذي قد يقوم به (الماضي), وتارة يكون للماضي دور الغرور والإدلال, وهو ما تسمى بـ (العظامية). وهي عبارة عن تفاخر الإنسان بماضيه وأن يعيش في أمجاد الماضي دون أن يؤسس واقعاً معاصراً ودون الاستمرار في النجاح.

تماماً كالإنسان العربي الذي يعيش أمجاد الحضارة الإسلامية أبّان العصور المظلمة في أوروبا, فهذا التاريخ في بعض الحالات يصبح أنشودة يكررها الإنسان صباحاً مساءً دون أن يلتفت إلى أهمية الحاضر.

وعلى صعيد التاريخ العائلي نجد أناساً يرون أنفسهم وجهاء علماء, لا لشيء إلا لأنهم ينتمون إلى عائلة وجيهة أو علمائية. وهكذا قد يصاب الإنسان بالغرور نتيجة نجاحاته السابقة ويأخذه سُكر النجاح, فيطبل ليل نهار بما فعله قبل سنوات وأنه مؤسس المشروع الكذائي أو ما شابه.

إذن: نحن بحاجة أن نمنع الماضي من أن يكون مصدراً للتحبيط أو الغرور, لأن كلا الأمرين يعني الوقوع فريسة للماضي وعدم إمكان الحركة والتطوير. والغرور أشد فتكاً من التحبيط, وذلك لأن العجب بالعمل يفسد العمل عند الله تعالى وعند الناس. قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى). وكذا التحبيط إذا وصل إلى مرحلة اليأس من روح الله فإنه من أكبر الذنوب.

المحور الثاني : تصيير الماضي منجماً ومصدراً للاستفادة منه في المستقبل:

العاقل من يستفيد من تجاربه السابقة وتجارب الآخرين. فالماضي مليء بالمواعظ والعبر والدروس التي لو أحسن الإنسان الاستفادة منها لاختصر الكثير من الوقت والجهد.

التجارب الناجحة دروس في أسباب النجاح وعوامل التقدم, والتجارب الفاشلة كذلك دروس من خلال دراستها نتعرف على أسباب الفشل لنجتنبها ونبتعد عنها.

وكما أن استخراج الذهب من المنجم يحتاج إلى جهد وعناية ومثابرة ومهارة, كذلك الاستفادة من الماضي بحاجة إلى جميع ذلك. ولذا تجد الكثير من الناس لا يحسنون الاستفادة من الماضي.

المحور الثالث : تحسين الحاضر والمستقبل يخفف من وطأة الماضي:

لو فرضنا أن الإنسان مرّ بمرحلتين, مرحلة ضعيفة أو متردية, ثم استطاع أن ينتقل إلى مرحلة متميزة ومتفوقة, هنا سينظر الناس الإيجابيون إليه كشخصية استطاعت الصعود من بطن الوادي السحيق إلى قمة الجبل الأشم. وهم بذلك ينظرون إلى الجانب المشرق في حياته, ويضربون به المثل في تحدي العقبات والتغيير.

ولذا تجد أن (الحر بن يزيد الرياحي) و (بشر الحافي) يذكران في سجلات التوابين الذين يحبهم الله تعالى, ويحتج بهم يوم القيامة علينا أيضاً. فالتوبة التي صدرت منهما وحسن الخاتمة جعلتا الصبغة الإجمالية للحياة صبغة ( القدوة ) لمن كان ماضيه كماضيهم.

إذن تحسين الحاضر والمستقبل له دور بارز في تخفيف وطأة الماضي, وتصيير الماضي باهتاً أمام الآخرين في مقابل الحاضر والخاتمة.

المحور الرابع : نسيان الماضي بسبب جمال الحاضر:

في المحور السابق كنا نقلل من تركيز الآخرين على ماضينا. أما في هذا المحور فنقول أن كيفية ومدة وتأثير العمل اللاحق قد تصل في بعض الأحيان إلى حد ينسى الناس بشكل تام أو شبه تام الماضي السيء.

المحور الخامس : الحاضر حالياً هو الماضي غداً. لذا فالتخطيط والعمل في الحاضر والمستقبل هو تخطيط لما سيصبح ماضينا وتاريخنا الذي سيبقى .

مقالات ذات صلة

تعلیقات