إجابة دعوة المضطر

إجابة دعوة المضطر

قال الله تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).

النقطة الأولى: معنى مفهوم (المضطر):

المضطر هو من انغلق أمامه كل أبواب النجاة والأسباب الظاهرية، ولا يرى منقذًا ولا مخلّصًا إلا الله تعالى، فدعاءه الله تعالى والتجاؤه إلى الله؛ دعاء تام ويخرج من قلبه بصدق، لذا يجد الله تعالى مجيبًا لدعوته وكاشفًا لسوئه، كما قال تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» فلم يشترط للاستجابة إلا أن يكون هناك دعاء حقيقة، وأن يكون ذلك الدعاء متعلقاً به وحده سبحانه.

النقطة الثانية: المقصود بـ (المضطر):

الرأي الأول: هو كل من حصلت له حالة الاضطرار والالتجاء إلى الله تعالى، فاللام في كلمة (المضطر) للاستغراق.

الرأي الثاني: هو – إجمالاً- من حصلت له حالة الاضطرار والالتجاء إلى الله تعالى، وليس جميعهم، واللام في كلمة (المضطر) للجنس وليست للاستغراق، فكم من مضطر يدعو فلا يجاب، فالمراد إجابة دعاء المضطر أحيانًا وليس دائمًا.

الرأي الثالث: المقصود بالمضطر في الآية هو خصوص إمام الزمان – عجّل الله فرجه-، فاللام للعهد.

والصحيح هو الرأي الأول، فالآية الكريمة وكذا قوله: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» وقوله: «فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ» يأبى تخلّف الدعاء عن الاستجابة. ولكن يجب أن نعلم أن استجابة الدعاء ليس هو تنفيذ ما يريده العبد بالضبط، بل للاستجابة أشكال ومراتب وفق المصالح والسنن الإلهية. ويكون الإمام المهدي – عليه السلام- هو أوضح مصاديق المضطر في عصر الظهور، فتكون الروايات من باب الجري والتطبيق، وليس من باب حصر المعنى بذلك الفرد.

روي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إن القائم (عليه السلام) إذا خرج، دخل المسجد الحرام، فيستقبل القبلة، ويجعل ظهره إلى المقام، ثم يصلي ركعتين، ثم يقوم، فيقول: يا أيها الناس .... ثم يرفع يديه إلى السماء، ويدعو، ويتضرع، حتى يقع عليه وجهه، وهو قوله عزّ وجلّ: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ».

وروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قول الله عزّ وجلّ: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ، قال: هذه الآية نزلت في القائم (عليه السلام)، إذا خرج تعمم، وصلّى عند المقام، وتضرّع إلى ربه، فلا تردّ له راية أبداً».

إشكال:

قال الله تعالى عن آدم – عليه السلام- {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}

وقال عن داوود – عليه السلام- {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ}

ولكن هذه الآية قالت (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) فهذه خلافة أعظم وأكبر وتشمل جميع الأرض، ولا تكون إلا لمهدي هذه الأمة، وهذا دليل على اختصاص الآية الكريمة بالإمام المهدي – عليه السلام-.

والجواب على ذلك:

1- من الواضح أن آدم في أول نزوله لم يكن معه منازع على الأرض، ومع ذلك فهو (خليفة في الأرض).

2- من الآيات المبشرّة بالمهدي {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} فلاحظ قوله (ليستخلفنهم في الأرض).

3- ليس المقياس الأساسي وجود كلمة (في) أو عدمها، بل المقياس هو خليفة لمن؟ هل هو خليفة الله في الأرض؟ أو هو خليفة للأقوام السابقة؟ هذه هي النقطة الجوهرية. قال سبحانه {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فهؤلاء جعلهم الله خلفاء، لكن هل (جعلهم الله خلفاء له) أو (جعلهم الله خلفاء للأقوام السابقين)؟

والله سبحانه هو العالم

20 / شعبان المعظّم / 1437 هـ

الشيخ مرتضى الباشا

مقالات ذات صلة

تعلیقات