قصتان لأمير المؤمنين في شراء الدار

395 2016-12-23 الحديث
قصتان لأمير المؤمنين في شراء الدار

انتشر بين الناس قصة لأمير المؤمنين – عليه السلام- في شراء أحد أصحابه دارًا، وحيث كان المتناقل بين الناس يختلف عن الموجود في المصادر، لذا رأيت أن أنقل لكم القصتين من المصادر، وبذلك تكون على بينّة:

القصة الأولى: مروية في كتاب نهج البلاغة: 364

ومن كتاب له -عليه السلام- [كتبه‏] لشريح بن الحارث قاضيه‏

ورُوِيَ‏ أَنَّ شُرَيْحَ بْنَ الْحَارِثِ قَاضِيَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عليه السلام- اشْتَرَى عَلَى عَهْدِهِ‏ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَاسْتَدْعَى شُرَيْحاً، وقَالَ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً، وكَتَبْتَ لَهَا كِتَاباً، وأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً.

فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا شُرَيْحُ أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ، ولَا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً، ويُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً، فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لَا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا ودَارَ الْآخِرَةِ.

أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ [بِالدِّرْهَمِ‏] بِدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقُ، والنُّسْخَةُ هَذِهِ: هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ، اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ وخِطَّةِ الْهَالِكِينَ، وتَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ:

الْحَدُّ الْأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْآفَاتِ.

والْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ.

والْحَدُّ الثَّالِثُ يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي.

والْحَدُّ الرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي.

وفِيهِ يُشْرَعُ‏ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ.

 اشْتَرَى هَذَا الْمُغْتَرُّ بِالْأَمَلِ مِنْ هَذَا الْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ، هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ، والدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ والضَّرَاعَةِ، فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ دَرَكٍ فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ‏ الْمُلُوكِ، وسَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ ومُزِيلِ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ مِثْلِ كِسْرَى وقَيْصَرَ وتُبَّعٍ وحِمْيَرَ ومَنْ جَمَعَ الْمَالَ عَلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ، ومَنْ بَنَى وشَيَّدَ وزَخْرَفَ ونَجَّدَ وادَّخَرَ واعْتَقَدَ ونَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ إِشْخَاصُهُمْ‏ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ والْحِسَابِ ومَوْضِعِ الثَّوَابِ والْعِقَابِ، إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ وخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ‏ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى وسَلِمَ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا.

 

القصة الثانية: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ‏17 : 106.

على أنّه رويت عنه عليه السّلام واقعة أخرى وقبالة نظير هذه الواقعة، والقبالة نقلها حسين بن معين الدّين الميبدي في شرح الدّيوان المنسوب إلى الأمير عليه السّلام (ص 448 طبع ايران 1285 ه): روى أنّ بعض أهل الكوفة اشترى دارًا وناول أمير المؤمنين -عليه السّلام- رقّا وقال له: اكتب لي قبالة، فكتب عليه السّلام: بسم اللَّه الرحمن الرّحيم هذا ما اشترى ميّت عن ميّت دارا في بلدة المذنبين، وسكنة الغافلين.

الحدّ الأوّل منها ينتهي إلى الموت، والثاني إلى القبر، والثالث إلى الحساب، والرابع إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار، ثمّ كتب في ذيلها هذه الأبيات:

النفس‏ تبكي‏ على الدّنيا وقد علمت‏ ** أنّ السلامة منها ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ** إلّا الّتي كان قبل الموت بانيها

فإن بناها بخير طاب مسكنها ** وإن بناها بشرّ خاب ثاويها

أين الملوك الّتي كانت مسلّطة ** حتّى سقاها بكأس الموت ساقيها

لكلّ نفس وإن كانت على وجل‏ ** من المنيّة آمال تقوّيها

فالمرء يبسطها والدّهر يقبضها ** والنفس تنشرها والموت تطوبها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها ** ودورنا لخراب الدّهر نبنيها

كم من مدائن في الافاق قد بنيت‏ ** أمست خرابا ودون الموت أهليها

 

والله سبحانه هو العالم

23 / ربيع الأول / 1438 هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات