دور المترفين في هلاك المجتمع

دور المترفين في هلاك المجتمع

قال الله تعالى {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (سورة الإسراء 16).

إبليس- لعنه الله- لا يدع طائفة من طوائف المجتمع أو فئة أو فرد إلا ويحاول إضلاله، ويحاول الاستفادة منه في إضلال الآخرين أيضًا. إلا أن بعض الطوائف أو الفئات لديها استعداد أكبر لقبول الانحراف من جهة، أو لديها إمكانية أقوى في إضلال المجتمع من جهة أخرى. قال الله سبحانه {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) }.

من هنا نجد لطائفة (المترفين) دورًا كبيرًا طوال التأريخ في الوقوف أمام دعوة الأنبياء والصالحين، ولطائفة (المترفين) دور بارز في إهلاك القرى والمجتمعات كما ذكرت الآية الكريمة السابقة. فالمترفون وهم أصحاب الأموال والثروات والوجاهة والنفوذ، لهم دور في قيادة المجتمع والتأثير عليه بشكل أو بآخر، وبالتالي فهم يسهمون في تحديد مستقبل المجتمع ومصيره.

هذه الآية بمثابة تحذير لكل المؤمنين كي ينتبهوا، ولا يسلموا زمام أمورهم ومجتمعاتهم بيد المترفين الغارقين بالشهوات، وأن لا يتبعونهم، لأنّ هؤلاء يجرّون مجتمعاتهم نحو الهلاك.

السؤال:

إذا فسق المترفون، فما هو ذنب بقية الناس ليقع عليهم الهلاك جميعًا؟

الجواب:

1- جميع أفراد المجتمع مسؤلوون لأنهم لم يضربوا على أيدي المترفين، ولم يمنعوهم من الفساد في الأرض. المسؤول الأول عن وجود الفاسدين في المجتمع هو المجتمع نفسه، حيث لم يقف منهم موقف المقاوم، بل أضفى عليهم ألقاب الشرف والسيادة، وأحاطهم بالتكريم والتعظيم.

2- باعتبار أن المترفين يقومون بدور قيادي في المجتمع عامة لا سيما لشريحة من الأتباع وذوي المصالح المشتركة، فعندما ينحرفون لن يكون الانحراف مقتصرًا على المترفين، بل طائفة كبيرة من المجتمع ستنساق معهم في توجهاتهم وميولهم وشهواتهم وانحرافهم.

السؤال: ما هو الرابط بين الفسق وبين إهلاك المجتمع؟

الجواب: هذا الرابط هو الذي أكدّت عليه الآيات القرآنية بأساليب مختلفة، كما قال سبحانه: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ»، وقال: «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِصادِ».

ويجب أن نعلم بوجود ثلاث قراءات للآية الكريمة:

القراءة الأولى: وهي القراءة المتداولة (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا)، وحيث نعلم بــ (إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) فالمعنى المقصود من الآية السابقة يحتمل وجهين:

الوجه الأول: أن الله تعالى يبعث لهم الأنبياء والرسل ويأمرهم بالطاعة، ولكنهم يخالفون أوامر الله تعالى ونواهيه فيفسقون فيستحقون العقاب والهلاك.

الوجه الثاني: المقصود بالأمر هنا هو الإكثار، فتفاض عليهم النعم والثروات على سبيل الإملاء والاستدراج، فيزداد فسقهم وطيغانهم فيستحقون نزول العقاب والهلاك.

القراءة الثانية: (آمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) لاحظ (آمرنا) بالمد، والمعنى (كثّرنا مترفيها) بمعنى زيادة عدد المترفين ومظاهر الترف والثروات.

القراءة الثالثة: (أَمّرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) لاحظ (أمّرنا) بالتشديد، وهو مروي عن أهل البيت – عليهم السلام- ، والمعنى وليّناهم وجعلناهم أمراء ورؤساء للمجتمع.

والله سبحانه هو العالم

25 / شعبان المعظّم / 1437 هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات