(الشعراء) و(الرواديد) و(المنشدون)

(الشعراء) و(الرواديد) و(المنشدون)

تحدثنا قبل مدة طويلة عن المنبر والخطباء تحت عنوان (المنبر الحسيني بين الواقع والطموح)، وكان مما ذكرنا (ضرورة تشكيل نقابة تهتم بالمنبر الحسيني وجميع شؤونه. فليس بإمكان ندوة واحدة أو ما أشبه ذلك أن تحلّ المشكلات والعقبات والسلبيات، وينمي الإيجابيات ويطورها).

وهنا نحن نعود مرة أخرى لنتحدث عن فئات أخرى من المؤثرين في المجتمع (هم الشعراء- الرواديد- المنشدون)، ولعل الأثر الذي يتركه هؤلاء في المجتمع أبلغ وأكبر وأعمق من تأثير الخطيب. كيف؟

إذا نظرنا من زاويتين (الجمهور الذي يهتّم ويعتني) و(التكرار حتى الحفظ) فمن الواضح جدًا أن الجمهور الذي يتابع قصائد العزاء والمديح أكبر بكثير جدًا من الجمهور الذي يتابع المحاضرات، وكذلك من حيث التكرار، فالعزاء والأناشيد يستمعها الصغير والكبير، المثقف وغيره، الرجل والمرأة والطفل، ويكررون الاستماع في العديد من الأوقات حتى يحفظون ذلك العزاء أو الأناشيد ويصبح جزءًا من ثقافة الفرد والمجتمع.

والحاصل: تأثير الرواديد والمنشدين والشعراء الذين يكتبون لهم، أكبر بكثير جدًا من تأثير الخطباء.

وقد شهدت الساحة الإسلامية والشيعية الكثير من النتاجات الراقية والعظيمة في هذا السياق، سواء من حيث المادة والمحتوى (الشعر) أو من حيث الإلقاء (الرادود والمنشد) فجزاهم الله تعالى خير الجزاء. كما قد شهدنا في السابق علماء شعراء، لهم الباع الكبير في العلوم الدينية، وفي الوقت ذاته هم من الشعراء البارعين.

ومع رواج هذا الأمر وزيادة إقبال الناس عليه، وظهور الفيديو كليبات، بتنا – حاليًا- للأسف نشهد ضعفًا لدى البعض، وحيث لا رقيب ولا حسيب فقد بدأ الفتق بالازدياد شيئًا فشيئًا.

فالشعر لم يعد قويًا كالسابق، بل ظهر مجموعة من أنصاف الشعراء يفتقرون للثقافة الدينية الواعية فضلاً عن القوة في الشعر نفسه. لذا فهو ينظم قصيدته بناءً على حلم، أو قصة سمعها، أو حديث قرأه في الواتساب بدون تأكد من وجوده في مصادرنا. ويأتي الرادود ويقرأ تلك القصيدة، ويحفظها الناس وتصبح حقيقة ثابتة. فلا الشاعر شعر بوظيفته في التحقيق والتأكد مما ينظم، ولا الرادود ولا المنتج والموزّع، فالمهم لديهم أن تكون القصيدة رنانة، والفيديو كليب جذابًا.

والمصيبة الأدهى أن تحمل القصيدة غلوًا في الدين أو ضعفًا في العقيدة أو خرافات، وليس هناك من يحاسب الشاعر على قصيدته ولا الرادود.

وربما يأتي البعض يبرر للشاعر بأن كلامه مجاز واستعارة وما شابه، وقد غاب عن هذا البعض أن هذه القصائد يستمعها جمهور الناس حتى الأطفال، وليس الخواص الذين درسوا العقائد في الحوزة، وبالتالي يجب مراعاة مستوى وثقافة الجمهور لئلا يضلّ الناس طريقهم وعقيدتهم بسبب تلك القصائد.

والحاصل: الناس تحفظ تلك القصائد، ولا تحفظ دروس الحوزة، فيلزم أن تكون المفاهيم العقائدية المطروحة في القصائد هي المفاهيم الصحيحة التي لا تحتاج إلى تبرير وتخريج.

وقد ابتلينا بقصائد ضعيفة حتى على مستوى الشعر نفسه، تعبيرات ركيكة، وكلمات عادية، لا جمال ولا قوة في الشعر.

وهنا أطرح السؤال التالي:

هل يجب على الشاعر أن يشارك في كل مناسبة؟!!

الجواب: لا.

إذن: إذا لم يكن لديك قصيدة قوية بالدرجة المطلوبة من جميع النواحي، فلا تشارك بقصيدة ضعيفة أو سيئة.

وهكذا الكلام في الرادود والمنشد، ليس من الضروري أن يشارك في كل مناسبة وفي كل ليلة.

يا أخي إذا لم تحصل على قصيدة محترمة، فلا تشارك هذه الليلة، لأن مشاركتك بأمثال القصائد الآنفة يضر المذهب ويضر القضية الحسينية ولا يخدمها.

والله ولي التوفيق

21/ 12 / 1437هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات