خسران النفس والأهل

خسران النفس والأهل

قال الله تعالى:

{فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)} (سورة الزمر 15)

{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} (سورة الشورى 45)

السؤال:

ما معنى خسران النفس؟ وخسران الأهل؟ لا سيما في يوم القيامة حيث يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه، فهو لا يفكّر في ذلك الموقف بأهله.

الجواب:

أولاً: خسارة النفس:

في تفسير الأمثل 4: 224 (ما أعجب هذا التعبير! فقد يخسر المرء أحيانًا ثروته أو مركزه أو أي نوع آخر من أنواع رأس المال، ففي هذه الحالات يكون قد خسر شيئًا، ولكن هذا الشي‏ء الذي خسره لا يكون جزءًا من وجوده، أي أنّه خارج وجوده، أمّا أعظم الخسائر التي هي في الواقع الخسارة الحقيقية، فهي عند ما يخسر الإنسان أصل وجوده.

إنّ أعداء الحقيقة والمعاندين يخسرون تمامًا رأس مال العمر ورأس مال الفكر والعقل والفطرة وجميع المواهب الروحية والجسمية التي كان ينبغي لهم أن يستخدموها في طريق الحقّ للوصول إلى مرحلة التكامل، وعندئذ لا يبقي رأس المال ولا صاحبه. لقد ورد هذا التعبير في عدد من آيات القرآن الكريم، وهي تعبيرات مرعبة عن المصير المؤلم الذي ينتظر منكري الحقيقة والمذنبين الملوثين).

ثانيًأ: خسارة الأهل:

قال بعض المفسّرين: إنّ المراد من (أهل) هم أتباع الإنسان والسائرون على نهجه.

والبعض الآخر فسّرها بأنّها تعني الزوجات القاصرات الطرف في الجنّة، اللواتي خسرهن المشركون والمجرمون.

والبعض الآخر يقول: إنّها تعني العائلة والأقارب في الدنيا.

والمعنى الأخير – لعله – هو الأقرب.

والحاصل:

1/ عندما يكون الإنسان في موقف شديد كيوم القيامة فلا شك أنه سيفكر في إنقاذ نفسه ويذهل عن إنقاذ غيره. نعم عندما يطمئن الإنسان في يوم القيامة على نجاته فربما يفكر في إنقاذ غيره فيشفع له مثلاً.

2/ الخسران المبين هو عدم استفادة الإنسان من نفسه وعمره وأعماله، وعدم استفادته أيضًا من أهله. فلا أعماله أنقذته، ولا أهله أنقذوه، فبقي هكذا بلا ناصر ولا معين، بل ربما كان أهله سببًا في زيادة عذابه، وذلك إذا تسبب هو في انحرافهم، وقصّر في تربيتهم، وشارك في معاصيهم وذنوبهم.

وأخيرًا:

كما أن الإنسان يأنس بأهله في الدنيا، كذلك في الآخرة إذا كان من أهل الجنة، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (سورة الطور 21)

وهكذا الإسلام لا يرى وسيلة الى الجنة سوى العمل الصالح، فلا يتم التحاق الذرية لمجرد الانتساب.

(وهذه نعمة بنفسها أيضًا أن يرى الإنسان ذريّته في الجنّة، ويلتذّ برؤيتهم دون أن ينقص من عمله شي‏ء أبدًا.

ويفهم من تعبير الآية أنّ المراد من الذرية هم الأبناء البالغون الذين يسيرون في خطّ الآباء المؤمنين ويتّبعون منهجهم.

فمثل هؤلاء الأبناء وهذه الذريّة إذا كان في عملهم نقص وتقصير، فإنّ اللّه سبحانه يتجاوز عنهم لأجل آبائهم الصالحين، ويرتفع مقامهم عندئذ فيبلغون درجة آبائهم، وهذه المثوبة موهبة للآباء والأبناء).

والحمد لله رب العالمين

29 / محرّم الحرام / 1438 هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات