أعوذ بالله من كلمة أنا

أعوذ بالله من كلمة أنا
السؤال:
بعض الناس إذا قالوا كلمة (أنا) يتبعوها بجملة (أعوذ بالله من كلمة أنا) فهل لهذا الأمر أساس شرعي؟ وسمعنا من ينهى عن ذلك باعتبار التعليل التالي: تحدث أمير المؤمنين – عليه السلام- في بعض خطبه عن فضائله ومناقبه بقوله (أنا كذا وأنا كذا) فردّ معاوية ذلك بقوله (أعوذ بالله من كلمة أنا) فمن قال هذه الجملة فقد اقتدى بمعاوية في ردّه على أمير المؤمنين – عليه السلام- !!

الجواب:

المحور الأول: من قائل العبارة السابقة:
أ- هذه العبارة (أعوذ بالله من كلمة أنا) لم ترد في النصوص الشرعية.
ب- لا أجد داعيًا كافيًا لاستقصاء البحث وبذل الجهد والوقت لمعرفة أول قائل لهذه العبارة، وسبب ذكرها.
ج- يقول شيخ السلفية ابن القيم (وليحذر كل الحذر من طغيان أنا ولي وعندي ، فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون ،(فأنا خير منه) لإبليس ، (ولي ملك مصر) لفرعون ، (وإنما أوتيته على علم عندي) لقارون .
وأحسن ما وضعت أنا في قول العبد أنا العبد المذنب المخطىء المستغفر المعترف ونحوه، ولي في قوله لي الذنب ولي الجرم ولي المسكنة ولي الفقر والذل، وعندي في قوله اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي ) المصدر: زاد المعاد 2 : 475.
المحور الثاني: هل قصة بداية هذه العبارة أو قائلها يؤثر على حكمها؟
لنفرض أن معاوية هو أول من قالها للسبب المذكور، فهل يؤدي ذلك إلى المنع من قولها؟
ولنأت بمثال آخر:
رفعت الخوارج شعار (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) فهل نعارض هذا الشعار – وهو جزء من القرآن الكريم- لمجرد أن الخوارج قد رفعوا هذا الشعار؟؟!!
والحاصل: ليس المقياس هو أول قائل أو سبب القول، بل المقياس هو صحة ذلك القول أو الفعل، وصحة التطبيق لها أيضًا. وروي عن أمير المؤمنين – عليه السلام- (الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق). وبعض الأشعار التي ننقلها في مدح أهل البيت – عليهم السلام- قالها أعداؤهم.
المحور الثالث: ما هو المقصود من العبارة المذكور:
إذا كان المقصود هو الاستعاذة من نفس التلفظ بكلمة (أنا) فهذا المعنى باطل ومرفوض، فالأنبياء والأولياء نطقوا هذه الكلمة في القرآن الكريمة (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ)، (قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وغير ذلك.
وإذا كان المقصود هو الاستعاذة بالله تعالى من العجب بالنفس ومدحها، فهذا أمر صحيح ومطلوب، قال الله تعالى (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).
ومع ذلك : هناك موارد يجب أو ينبغي على الإنسان أن يبيّن فضائله أو مميزاته، ولكن مع الاعتراف بأن الفضل في ذلك يرجع لله تعالى، فله الحمد وله المنّة.
مثال: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) فمن يريد تولي مسؤولية؛ عليه أن يبرز مؤهلاته لذلك، وهذا لا يتعارض مع النهي عن تزكية النفس، ما دام يعترف بأن الفضل لهذه المميزات ترجع لله عزّ وجلّ.
مثل آخر: خطب أمير المؤمنين – عليه السلام- في بيان فضائله ومناقبه، وفي الدعاء (اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك، ضللت عن ديني) فتعريف الرسول والإمام مقامهم وفضائلهم للناس إنما هو واجب شرعي، لئلا يضل الناس عن رسولهم وإمامهم ودينهم.
والحمد لله رب العالمين
26 / شوال المكرّم / 1436 هـ

مقالات ذات صلة

تعلیقات